Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الاثنين 3 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

قراءة في كتاب : السنوسية

تأليف مفتاح السيَّد الشِّريف

( 1 من 2 )

السنوسي بَـلاَّلـَه 

صدر عن دار الإستقلال كتاب السنوسية (الطبعة الأولى 2008م.) لمؤلِّفه الأستاذ مفتاح السيَّد الشريف. والكتاب من القطع متوسط الحجم، وقد قُسِّم إلى اثني عشر فصلاً (إضافة إلى الصور والمراجع)، وجاء في مجمله بعدد أربعمائة وأربع صفحات. وقد جاء هذا الكتاب في وقت أحوج ما تكون فيه المكتبة الليبية لمثل هذه الإصدارات التاريخية، وبخاصة وسط محاولات التشويش والطمس الذي تمارسه السلطة القذافية الحاكمة في ليبيا بشأن حقائق التاريخ الوطني، ومحاولة التعتيم عليها وتغييبها عبر صور التزييف المختلفة التي دأبت السلطة على ممارستها، في محاولة يائسة وجاهلة تهدف إلى طمس معالم التاريخ الوطني في مرحلة ما قبل حدوث واقعة انقلاب سبتمبر عام 1969م. واللهث عبثاً لجعل تاريخ الوطن يبدأ وينتهي عند هذا التاريخ، تاريخ استيلاء القذافي على الحكم في ليبيا. ولذا فقد كان صدور كتاب السنوسية للأستاذ الشريف إنصافاً للوطنِ ولحركةٍ مباركةٍ قادت معارك تحرير الوطن وضحّت في سبيله بكلِ غالٍ ونفيس. 

يقول المؤلِّف عن هذا الكتاب في بدايته "... أن هذا الكتاب وُضِعَ كمحاولة لتأريخ هذه الطريقة -السنوسية- وتتبُّع وتحليل مسيرتها وتأثّرها وتأثيرها في أوضاع ليبيا، إلى أن تحوَّلت إلى حركة وطنية انبثقت عنها دولة ليبيا، التي اُعلِنَ إستقلالها بموجب قرار الأمم المتحدة في نوفمبر1951م...". 

ونظراً لأهمية التأريخ، وبخاصّة في ظل أوضاع سياسية بائسة وأنظمة حكم شمولية جاهلة، فقد كان ولا بدَّ للمواطن الليبي، أياً كان موقعه ومكان إقامته، أن يعي جسامة هذه المسؤولية ويضطلع بالقيام بها، وهو الأمر الذي فطن له بعض المواطنين، ممن هم خارج الوطن بالذات، حيث بدأت حركة تأريخ وتأليف ونشر ليبية تظهر هنا وهناك، كانت أولى خطواتها قد تمت عبر أدبيات المعارَضة الوطنية ثم بجهود فردية مثابرة كتلك التي تمثّلت في إعادة طبع ونشر بعض أدبيات السنوسية (كالمجموعة المختارة للإمام محمد بن علي السنوسي)، وكتاب (الملك أدريس – حياته وعصره) التي قام بها بنشرها السيد محمَّد عبده بن غلبون.  

كما أهتم مركز الدراسات الليبية، أكسفورد، بأمر النشر وأهميته التاريخية، حيث عمل قدر الإمكان على رتق خرق فقر المكتبة الليبية، من خلال تبنّيه طبع، وإعادة طبع، ونشر بعض الكتب المتعلِّقة بليبيا مثل إعادة طبع بعض كتب المؤرِّخ اللبناني الراحل نقولا زيادة والدكتور محمد صدقي الدجّاني، ثم دشَّن مسيرة الطبع هذه بطباعة ونشر كتب التأريخ والتوثيق التي أبدعها عقل وقلم الدكتور محمد يوسف المقريَّف، الذي تناول المادة التاريخية وتعامل معها بأسلوب أدبي راق، وسهل ممتنع في آن، حيث صِيغَت المادة التاريخية (الجافَّة) بأسلوب لغوي نقي ورائع، أعطى لعرض الوثائق والجهد التوثيقي نكهة أدبية سلسة، دعَّمت صدق العمل الذي يقوم على كشف حقائق التاريخ الليبي (الحديث والمعاصر) وأجْلَت تزييفه المتعمَّد من طرف القذافي وعهده. 

وإلى ذلك ظهرت كتابات ليبية أخرى سواء مذكّرات شخصية أو تجميع وتصنيف لروايات تاريخية خاصّة بمرحلة الجهاد الليبي، تفاوتت في درجة أهمّيتها العلمية أو جودة وأسلوب موادها التاريخية، إلاَّ أن أهميتها الحقيقية تكمن -فوق هذا وذاك- في الجهد الذي بُذِل في إعدادها وتوثيقها وحفظها، ككتب أو ككتابات تُعنى بشكل أو بآخر بأحداث أو وقائع تاريخ ليبيا. 

لعل الملاحظة الأولى فيما يخصُّ كتاب السنوسية -الذي بين أيدينا- هي تلكم المتمثِّلة في عامل التوقيت وأهميته بشأن عرض أو صدور الكتاب ذاته، فلو صدر هذا الكتاب -على سبيل المثال- خلال أو في أعقاب ما سُمَّى زوراً بمرحلة الثورة الثقافية عام 1973م. أو صدر منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عقب الهجمة الجاهلية على معاقل العلم والتعليم وحصون الفكر، المتمثِّلة في دُور عِلم ومكتبات زاوية الجغبوب وملحقاتها، وما خلّفته تلك الهجمة (الحكومية) الحاقدة من حرق وتدمير محتويات المكتبة "التاريخية" ومخطوطاتها النادرة، وما طاولته هذه الجريمة من نبش قبور ورفاة السادة والإخوان السنوسيين، في ممارسات شيطانية مرّوعة تقشعر لها الأبدان وتندهش لهولها الأذهان ...نقول لو كان صدور كتاب السنوسية في خلال تلك المراحل أو في أدبارها، لربما كان لوقع صدوره على نفوس معاصريه، أكبر وأعمق الأثر مما خلّفه صدوره أواخر عام 2008م. ولكان الإهتمام أو الإحتفاء بصدوره أكبر وأعظم. إلاَّ أن ذلك لا يعني البتة التقليل من أهمية شأن الكتاب، بأية حال من الأحوال، فالكتاب أروع وأكبر من أن يُثمَّن بمثل هكذا تقويم. ومعلوم أن لكل مرحلة زمنية معطياتها ومتغيراتها التي قد يكون صدور أي كتابٍ معاصر لها، سواءً متأثِّراً بها أو حتى مؤثِّراً فيها، هو الذي يُعطي لأمر صدور هذا الكتاب أو ذاك، أهمية خاصة (أو استثنائية) عن غيره من الكتب التي فاتها قصب سبق معاصرة تلك الظروف أو المعطيات حين صدورها. إلاَّ أن ما كنا نعنيه ونتمناه من وراء ذلك هو حصول كتاب (السنوسية) على ما يستحق من اهتمامٍ ودعايةٍ أو تعريفٍ به، ونشره على أوسع النطاقات الإعلامية والجماهيرية الممكنة، ما يزيد بالطبع من مساحة أثره وتأثيره، كما ألمحنا، على عقول متقبّليه والمهتمين برصد الإصدارات الهامة والخاصَّة بالشأن الليبي على المستوى الإقليمي والعالمي. 

إلاّ أن ذلك (التوقيت) لا يُبعد عنا تمثّل ظروف الكاتب وكثرة انشغالاته وانكبابه على بعض مؤلفاته الجديدة الأخرى، التي نتمنى لها الصدور في القريب العاجل، والتي ستغطي حتماً عديد الفراغات في المكتبة الليبية، التاريخية بخاصَّة، إلاَّ أن ما حفّزنا على ذِكر ما ذُكر، بشأن تأخُّر صدور هذا الكتاب بالذّات، هو إشارة الأستاذ الشريف إلى اهتمامه كمؤلِّف، أو ككاتب هنا، بمادة هذا الكتاب والتحضير لإعداده، وإلى توفر معظم أجزاء مادّة الكتاب لديه منذ سنوات طويلة، إن لم نقل عقود زمنية كثيرة مضت، ما يؤكد أن صدور هذا الكتاب، في ظل تلك الظروف والمعطيات بالذّات، كان سيُعدّ نتاجاً أو تعبيراً واقعياً عن قضية معينة، كانت ظروفها ومعطياتها متوافره ساعتئذ، وهو ما كان يُضيف ويعطي للكتاب مزية واهتماماً أكبر على صعيد الإهتمام والرصد، داخل وخارج البلاد، كما أشرنا، لا بل ويجعل منه عاملاً دافعاً أو محفّزاً لكثير من الراصدين للإهتمام بصدوره وتثمين الجهد المضني المبذول في إعداده، والغوص في صلب موضوعاته درساً وبحثاً وتقويماً وأثراً وتأثيراً.  

نعود لنقول بأن الأستاذ مفتاح السيَّد الشريف هو الأديب أكثر منه السياسي، حيث إن الأديب عادة هو الأكثر شمولاً لملكات الإبداع لدى الإنسان أو الفرد بعامَّة، بينما السياسي يَجُبّ غالباً ما عداه من ملكات هذا الفرد الذاتية ويهيمن على معطيات الإبداع (الأدبي) لديه، ويعمل على قولبتها في إطار التسيس، ولا غير، في معظم الأحيان. 

تكوَّنت شخصية الأديب مفتاح السيَّد عبر العقود (الزمانية والثقافية وحتى المكانية) خلال أواخر أربعينيات القرن العشرين وبداية خمسينياته التي أناخت عليه بأبعادها الأدبية والفكرية والسياسية (والأيديولوجية) والنقابية عبر محطات أهمها جمعية عمر المختار، والحركة الأدبية والثقافية وبخاصَّة في مدينتي بنغازي وطرابلس، حيث بداية نشوء الأندية والأطر الثقافية التي كانت مجالاً للتحركات والمناشط الأدبية، وبداية قيام النقابات المختلفة وبخاصة نقابة العمال، إضافة إلى بروز مساهمة الشباب الوطني، تطوعاً، في الحركة التعليمية الناشئة، وعلى وجه التحديد تلك التي عُرِفت بالمدارس الليلية، التي قامت من أجل إتاحة فرص التعلُّم أمام العمال أو الطبقة العاملة، التي لم تتحَ لها فرص الإلتحاق بالمدارس النظامية، فوجدت ضالتها في هذه الفرص التعليمية التي أنشأتها بعض الجهود الوطنية، وساهم فيها العديد من الشباب الليبي المتعلّم والمثقف، ليدرأ عن إخوانه (العمال) داء الجهل والأمية. 

ومن هذا وذاك يمكننا معرفة معظم المشارب التي وضعت بصماتها على مسار حياة المؤلف، فجعلت منه شخصية فاعلة على نطاق مجتمعه، الذي كان وقتها بكر التكوين، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبروز مرحلة تقرير المصير ومعارك الإستقلال السياسي ثم مرحلة تكوُّن وبناء الدولة الليبية الفتية. فلا غرو أن يرصد المؤرخ للتاريخ الليبي مدى تفاعل الشباب الليبي واندماجه في معارك البناء والتشييد المعنوي والمادي على الأرض الليبية، ولا عجب أن يلحظ تفاني أولئك الشباب في خدمة مجتمعم وبلادهم على كافّة أصعدة البذل والعطاء وفي مختلف مجالات الخلق والإبداع وتحت ظروف مادية شحيحة وبالغة القسوة. ومن هنا أمكن لنا، عبر رصد مرحلة نشوء الدولة الليبية وقيامها، ملاحظة تضحيات المواطن الليبي، وفاعليته المعطاءة والجمة، على كافة صُعدِ البذلِ والعطاء كما ذكرنا. ومن هنا فليس من المستغرَب ان ينجح ويبرز الشاب "المواطن" في أكثر من مجال وعلى صعيدِ أكثرِ من صعيد. ومن هنا أمكن لنا أيضاً أن نلحظ، على سبيل المثال، بروز المؤلِّف "مفتاح السيد الشريف" على الساحة الأدبية الليبية الناشئة آنذاك كأديب نشط ولامع، يعاصر ويساهم في بروز المقالة والقصة، ويكتب للإذاعة ويساهم في تقديم وإنتاج البرامج الأدبية بها. وفي المقابل، وعلى فترة العقود الممتدة ما بين الستينيات والثمانينيات من القرن الفائت،  تجذب السياسة والعمل الديبلوماسي مفتاح الشريف بصورة أكبر، فيسبح في غمارها عبر عدة دول أجنبية ومحافل دولية لتخفت عنده الممارسة الأدبية اليومية وتضطرد لديه تراكمات حاسة التوثيق والترجمة ورصد الأحداث وتدوين وقائعها، وينمو لديه الشعور بأهمية التأريخ والترجمة عبر السنين، فيكون نتاجها هذا الكم الهائل من جهود الكتابة والترجمة والتعليق الذي سدّ به، عبر عقد التسعينات بالذات، فراغاً هائلاً كانت تُستَصرَخُ مِن حدّته أرفف مكتبة النضال الوطني المقارِعة لنظام (قذافيستان) على حد تعبيره دائماً. 

وعلى هامش حديثنا حول كتاب السنوسية لمؤلفه مفتاح السيَّد الشريف تتداعى الآن على صفحة الذهن وتتجلى، أمام ناظري القارئ كثير من المعاني والجهود، التي نعلم أنها بقدر ما هي منصفة وإيجابية في تقويمها وتأريخها للطريقة السنوسية وللحكم الملكي بعامَّة فلا مناص لها من مواجهة الكثير من التساؤلات التي تناقش عملها أو جهدها الإبداعي وتتقصى حول كنهه ومرماه، والتي قد يبرز من بينها التساؤل الذي سبق أن وجهنا فحواه للسياسي الراحل محمد بشير المغيربي عقب اصداره لكتاب وثائق جمعية عمر المختار حيث تساءلنا وقتها: لماذا هذا الكتاب الآن ؟ ولماذا الآن بالذات ؟ ...هل هو تكفير عن موقف سابق من النظام الملكي السابق والحركة السنوسية ؟ ...أم هو شعور بالتقصير في حق السنوسية، كطريقة دينية معتدلة وكحركة أفرزت نظام حكم سياسي ؟ ...أم هو شعور بالذنب تجاه وضع سياسي (ديموقراطي) أو نظامَ حكمٍ حاول أن يكون نظاماً ديموقراطياً ولكن لم يتم إنصافه. ...ومن هنا فقد عمدَ (الشريف) مثلاً  إلى تأليف هذا الكتاب ليعبِّر عن شعور (عاطفي معيَّن) كمِثل ذلك الشعور الذي عبَّر عنه السياسي الراحل (المغيربي) تجاه الحكم الملكي حيث قال بالحرف الواحد في نهاية مقدمة كتابه المذكور: "… وهنا لابدّ أن أقول بعد كلّ ذلك أننا طيلة تلك المرحلة ونحن نُعارِض ونواجِه بشِدّة، وتُتَّخَذ ضدّنا إجراءات بالسجن والإعتقال والنفي وتجديد الإقامة، إننا لم نتعرَّض لإهانة أو إذلال معنوي أو جسدي، بل إن كلّما طُبِّق علينا من تلك الإجراءات كان في جوّ من الإحترام، وبما لا يجرح كرامتنا أو يحطّ من إنسانيتنا. وبالمقابل فإننا لم نفكِّر مطلقاً بإستعمال السلاح ضدّ أبناء وطننا في أي ظرف ولأي سبب. وهذه شهادة لا بدّ أن أُسجلها وأتركها للتاريخ…". وكأنه (المغيربي) اكتفى للتكفير عن (عقدة ذنب) تجاه تقصيره في حق هذا الحكم، ولم يُنصفه إلاَّ بهذه العبارة المقتَضَبة، في كتاب كبير الحجم. !! نرجو ألاَّ يكون موقف الأستاذ الشريف من هذا الأمر كموقف الأستاذ المغيربي، غفر الله لنا وله. 

وعودةٌ إلى الحديث عن كتاب (السنوسية) نقول إنه على الرغم من محاولة المؤلف (مفتاح السيَّد) تغطية مسار الحركة السنوسية هنا وهناك إلاَّ  أنه يُلاحظ عدم إيفائه حق جهود الرجال الذين قامت الدعوة أو الطريقة على أكتافهم. فكما هو معلوم أو بدهي أنه لولا الجهود الصادقة لرجال مؤمنين بهذه الدعوة أو الطريقة، ما كان لها أن تغطّي المدى الجغرافي والطبوغرافي الذي استحوذت عليه بفضل الله وتوفيقه، وجهود الرجال المخلصين من أبنائها، ذلك المدى الذي لا زلت أذكر عنده -وكنت وقتها طالباً بالسنة التمهيدية بكلية أداب جامعة بنغازي بداية عام 1970م.- ما قاله الدكتور محمد السروجي -أستاذ العلاقات العربية "المغاربية" الفرنسية-  في معرض ردّه على سؤال أحد الطلبة حول أهمية الحركة السنوسية، حيث أجاب قائلاً: "إن الحركة السنوسية هي حركة بعث إسلامي جديد، كان لا بدَّ لها أن تقوم، ليس في ليبيا فحسب، بل في كل الشمال الأفريقي بعامَّة". وللعلم فقط فقد تم إنها عقد عمل الدكتور السروجي عقب انتهاء ذلك الموسم الدراسي الجامعي مباشرة. ونعود لنقول أنه لولا رجال صادقون حول هذه الدعوة وبها لما أمكن للطريقة أن تنتشر عبر ذلك الأفق المحلي والأقليمي الواسع. ومن هنا فقد يشعر المرء أنه لربما كان من الأفضل للمؤلف أن يعمل على تغطية هذا الجانب من "الفراغ" الذي يتعلَّق بإبراز دور الكثير جداً من رجال الحركة وليس الإكتفاء فقط بذكر بعض الأسماء البارزة منهم، على النحو الذي جاء داخل المتن، تحت عنوان (التنظيم القيادي للسنوسية)، لأنهم كانوا في نهاية المطاف، ترساً هاماً من التروس التي تحرك عجلة الحركة بعامّة. 

لعله من الصعوبة بمكان التعرّض لكل فصول الكتاب بالتحليل والمناقشة، إلاَّ أننا سنحاول أن نمر على معظمها عبر قراءتنا السريعة لمظانها، وإبراز النقاط التي نرى أنه ينبغي اللفت إليها عند محاولة دراسة الكتاب أو تمحيصه، بشكل أو بآخر، ولا بأس لنا في هذا السياق من ذكرِ تعليقٍ هنا وآخر هناك، وذلك حسب مقتضيات الحال.  

إن طريقة عرض مادة الكتاب أو أسلوب عرضه أمام القارئ تُعتبر طريقة عصرية في لغة البحوث العلمية بعامّة والأدبية بخاصّة، حيث قامت منهجية البحث عند المؤلِّف-من ضمن ما قامت عليه- على محاولة توظيف ما يُعرَف بعملية "العصف الذهني"، التي يقوم بها هنا الكاتب بذاته، من خلال مروره على أغلب المواضيع المراد بحثها أو إثارتها، وذلك لتزويد القارئ بأكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات (بصورة مركَّزَة ومختصرَة) ذات علاقة بالموضوع المراد الحديث عنه أو التّركيز عليه، وذلك لإشراك (المتلقّي) في عملية الفهم المراد إتمامها أو إنجازها، لخلق نوع من الحس المشترَك للمواضيع المثارة ما بين المؤلِّف والقارئ. وعلى سبيل المثال هنا فإننا نجد أن المؤلِّف قد إلتزم هذا النهج بوضوح –وتوسُّع- عند تناوله موضوع الصوفية وأيضاً عند تناوله لحركات التنوير في العالم الإسلامي، وموقف أو واقع السنوسية في هذا الخضم. 

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يمكن القول أن هذه الطريقة في حدِّ ذاتها تعتبَر منهجية للبحث أو هي أسلوب عمل بحثي. ويمكن النظر لهذا الموضوع أو الطريقة أيضاً من زاويةِ نظرٍ ثالثة، تعتمد نفس الأسلوب إلاَّ أنها تحمل تسمية مختلفة -في منهجية البحث- وهي ما يمكن أن نطلق عليها اسم (خلاصات المحاور) وهي فنُ كتابةٍ حديث، يعتمد في تفعيل أسلوبه على إعطاء القارئ أو المتلقّي تمهيد (إخباري) يهدف إلى تكوين خلفية (من المعلومات) المتعلّقة بالموضوع المعني، وطرحها على صفحة ذهن القارئ أو المتلقّي، وتهيئة هذه الذهنية لقبول واستيعاب الخطوط العريضة والرئيسة للموضوع المراد تناوله بالنقاش أو البحث، لتجعل المتلقّي على موجَةٍ واحدةٍ مع المؤلِّف، الذي يرغب أصلاً في إيصال هذه المعلومات إليه، لتكوين خلفية ذهنية، في صورة معلومات أو أخبار متعلقة بالموضوع قيد الدرس أو البحث، لتعطي هذا المتلقّي  فكرة عامَّة (مسبقة) عن الموضوع ساعة شروعه في قراءته أو دراسته. ومن هنا فإننا نلاحظ مثلاً أن المرء عندما ينظر إلى مادة الكتاب (أو موضوعاته) المطروحة أمام القارئ بهذا الأسلوب، يجدها -في النهاية- عبارة عن مجموعة محاور إمّا أنها جاهزة للنقاش، أو أنه قد تم الحديث عنها ومناقشتها أصلاً، من خلال التمهيد المعني. هذا التمهيد الذي يكاد كل محور فيه أن يكون مستقلاً عن غيره، كما أشرنا. وقد إضطلع بهذا الأسلوب العصري والمفيد، على صعيد الكتّاب والبحّاث الليبيين كل من الدكتور محمد يوسف المقريَّف والأستاذ مفتاح السيَّد الشريف (المؤلِّف).  

يقول المؤلِّف في بداية مقدّمته "لا بدَّ لأي مثقف ليبي مهتم بتاريخ بلاده من السعي لفهم الطريقة السنوسية التي نشأت في ليبيا كعقيدة، وتحوَّلت إلى مكوّن أساسي للحركة الوطنية الليبية، ثم جاءت الدولة الليبية الحديثة محصِّلة لنضالها الفكري والجهادي...".  

ويشير المؤلِّف إلى أنه قد احتكَّ بالحركة السنوسية مبكراً من خلال توجهه السياسي بعامّة ومن خلال ما كتبه عنها وعن رموزها، مثل قوله: "... وكان أول عهد لي بتاريخ السنوسية السياسي، أنني قمت بطلب من الطيِّب الأشهب بتبويب مقتطفات من مذكرات الملك الراحل إدريس السنوسي، أدلى بها إليه بعد مقتل إبراهيم الشلحي، وأراد بها أن يؤصِّل شرعية توليه لزعامة الطريقة، ومن ثم عرش البلاد...".  

ويستطرد المؤلِّف قائلاً: "... وفي سنة 1959م. تقرر إحياء الذكرى المئوية لوفاة مؤسس الطريقة الإمام محمَّد بن علي السنوسي. وانعقد لذلك مؤتمر إسلامي دولي بمدينة البيضاء موطن أول زاوية أنشأها الإمام، وحضره شيوخ وعلماء مرموقون من كافة بلدان العالم الإسلامي. وكنت سكرتيراً للجنة العليا التي أشرفت على هذه الإحتفالية وترأسها مفتي ليبيا الشيخ محمَّد أبو الأسعاد العالم ومعه كل من الشيخ عبد الحميد الديباني والشيخ منصور المحجوب وغيرهم، ووضعت مع أحمد الحصائري، بالمناسبة، كتاباً عن الإمام تناول سيرة حياته بالأسلوب التقليدي، إستناداً على مؤلّفاته وما رُوي عنه...".  

ولا يغيب عن المؤلِّف أن يقول أنه قام "... في شهر سبتمبر من 1970م. بتدوين دراسة عنوانها (الإستعمار الإيطالي لليبيا-بواعثه وأسبابه التاريخية- أعماله ونتائجه) ...ومن الطبيعي أن تركِّز الدراسة على التنديد بفظائع الإستعمار وتمجيد جهاد أبطال المقاومة، وأن تشكك في سياسات الملك الذي أطاح به الإنقلاب. وجاء هذا الموقف انسجاماً مع المزاج العام الذي شمل أغلب مثقّفي البلاد وخاصة الشباب منهم (...) وفوجئت أن الدراسة لما طُبِعت في كتاب بطرابلس، منعت سلطات الإنقلاب توزيعه...". وبشأن هذه الكتابات ذات العلاقة بالسنوسية، حركة ودولة، فقد أورد الكاتب عبارة جيدة تُنصف توجهه وتعامله التاريخي معها، عندما يضيف قائلاً: "... وعلى خلفية صدمات الواقع المرير الجديد في ليبيا، وما خلّفه من خيبة أمال وانتكاس أماني، تعلّمت كغيري أن أحداث التاريخ تكون عادة نسبية الفهم، ولا ينبغي تفسيرها والحكم عليها خارج سياقها، كما لا ينبغي تطبيق القوانين الخاصّة بفترة تاريخية معيَّنة على أحداث وظواهر فترة أخرى (...) وقادني التنقيب والتحليل إلى إدراك أن السنوسية التي جاءت إلى ليبيا كطريقة صوفية حاملة مدرسة تجديد وإصلاح دينيين، هي التي وضعت بذور الوعي الوطني الليبي في صيرورة تاريخية تجلَّت في دولة ليبيا الحديثة...".

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home