Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الثلاثاء 2 مارس 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

الخطوط الحمراء... وأشياء أخرى

(1 من 2)

السنوسي بَـلاَّلـَه

(العقيد القذافي .. ما بين المطلب والشرط)

يظل القلق السياسي الذي يعتري الوضع القذافي الحاكم ويخيِّم عليه، منذ محاولته تحسين صورته مع الغرب، هو سبب إفراز كل هذه التخبطات السياسية والسلوكية، التي تنعكس سلباً مضاعفاً على مختلف جوانب تحركات هذه السلطة العائلية الحاكمة، بما في ذلك ممارسة أفرادها لعبة الإختفاء والظهور ما بين الوقت والآخر. وانطلاقاً من هذه الومضة التبسيطية سنحاول النظر إلى موضوع يتماس مباشرة مع مجمل أبعاد هذه الرؤية، ألاَ وهو التوجه السياسي لسيف القذافي وبخاصة منذ خطابه في أغسطس 2007م. بشأن الديموقراطية والخطوط الحمراء ثم خطابه الآخر (يوم 23/07/2008م) حول نفس تلك المعاني، وانعكاسات ذلك على الوضع السياسي بعامّة، حيث سننظر إلى هذا الخطاب وذاك، نظرة سريعة وإن كانت من زاوية "تفكيكية" قد تختلف في طرحها عما عبّر عنه الكثير من الكتّاب والمتابعين للشأن الليبي من أبناء الوطن ومن العرب والأجانب، حيث كانت الكثير من تلك الكتابات قد أشارت بصور مباشرة إلى بعض الممارسات الرعناء لأفراد العائلة الحاكمة، وبخاصة ما بدر منها، على يد بعض أفرادها من سلوكيات غير سوية في أوروبا تحديداً، دون التركيز على ما يكتنف "العائلة الحاكمة" ذاتها من قلق بشأن مصيرها في هذه المرحلة السياسية من عمرها وأيضاً في مرحلة ما بعد غياب العقيد القذافي شخصياً عن المسرح السياسي الليبي... وفي ضوء ما أفرزته العائلة الحاكمة من تراكمات عبثية مدمرة، على صعيد الوطن والمواطن، فاقت بسلبياتها وانكساراتها كل تصور. 

وليسمح لي القارىء الكريم، في سياق السرد، أن أستبق وقوع أحداث وسياقات معينة، ثم أعود لأضع أو استعرض قبلها صوراً أخرى في غير ذات السياق الزمني، محاولاً قدر المستطاع، عدم إرباك ذهن القارىء، وهادفاً في الوقت ذاته إلى تقريب الصورة المعنية بالذكر أو بالمناقشة، وبأمل ألاَّ يخل هذا القفز المتعمَّد فوق التواريخ والأحداث بالسياق العام للموضوع المراد تغطيته. 

نعود لنقول بأن "القلق السياسي" الذي عنيناه هو في بعض جوانبه القلق الذي يضع العقيد القذافي شخصياً ما بين مطلَبٍ وشرطٍ، على صعيد بقائه على رأس السلطة في البلاد وفي سياق علاقته بدول العالم وبخاصة القوى السياسية الغربية المتحكمة في مصير السياسة الدولية والمهيمنة عليها، حيث كانت قد تجلت للقذافي واقعية هذا الأمر بكل أبعاده عقب زيارته للأمم المتحدة (سبتمبر 2009م) على وجه التحديد، وما لقيه هناك من تحقير وتسفيه وتحجيم على الصعيد الشخصي والدبلوماسي والسياسي. الواقع المرّ الذي أضحت الأمور بعده جلية أمام ناظريه وأنه أصبح لزاماً عليه مواجهة هذا الواقع السياسي الدولي الذي لم يعد له مكان فوق أرضيته. وهو ما وضعه بتجرّد أمام مطلبٍ وشرطٍ. المطلَبُ: من طرفه شخصياً، وهو أن لا يُحاسَب "العقيد القذافي" عن الأربعين سنة الماضية من حكمه، ولا يتحمَّل ولا يُحمَّل تبعاتها إطلاقاً. والشرطُ: من طرف دولي مقابل (شرط القوى الغربية): أن يتنازل عن الحكم لأحد أبنائه، بشكل أو بآخر. 

الواقع أن التفكير في هذا الأمر (على الرغم من مرارته) كان سابقاً (في عقل وتخمين القذافي) على رحلته إلى أمريكا. وقد حاول القيام بمناورة سياسية "بروفة" لمثل هذا الأمر، خلال السنوات القليلة الماضية، من خلال الدمية السياسية (سيف). ومن هناك كانت -إلى حدٍ ما- بداية علاقة سيف بالواقع السياسي القلِق الذي تحياه جماهيرية أبيه، وهنا أيضاً لاحظنا كيف يدخل سيف وكيف يخرج، بأدواره السياسية المختلَقة والمفتعلَة فوق مسرح السياسة الليبية طوال العامين الماضيين بالذات.  

وهنا أيضاً بدأ مسلسل القلَق الذي اعترى القذافي بالكامل. فكيف له والحال هذه أن يتعامل مع "الشرط والمطلب" وأن يُخرج هذا (الفيلم)، بالمعطيات المختلفة والمتراكمة لديه؟ وقد انعكس هذا القلق والإرتباك على مختلف مواقف القذافي، الذي أضحى يفكِّر جدياً في هذا الأمر "والمشكل المركَّب"، إلاَّ أن مشكلته الأبدية ظلت قائمة، ألا وهي مسؤوليته المباشرة عن الأربعين عاماً العجاف من حكمه، وحتمية تحمّله شخصياً دون سواه، وِزرَ ومسؤولية وتبِعات هذه العقود الأربعة بالكامل. 

ومن هنا أُقِضَّ مضجعه وأضحى يتصرّف برعونة وحمق، يفوق ما كان يقوم به من عروض سمجة وتصرفات مخجلة على صعيد محافل السياسة المحلية والدولية، خلال العقود الماضية من حكمه، التي كان آخرها تصرفاته المخجلة من على منبر الأمم المتحدة في سبتمبر من السنة الماضية (2009م.). 

نعود لنقول بأن تخبطه السياسي دفعه إلى الزّج بابنه سيف إلى مسرح وعالم سياسة اللاَّ معقول، في محاولة منه للتخفيف من قوة وقع هذا الواقع السياسي البائس على كاهله الشخصي من ناحية وللتمهيد لشخص  إبنه صاحب الحصة السياسية في تركة الحكم أو السلطة من ناحية أخرى. ومن هنا فقد فوجىء الكثير من الناس بالأدوار والمهام التي تُوكَل إلى هذا السيف هنا وهناك، في ظل تعلل العقيد شخصياً بأنه (القذافي) مهموم ومشغول بمشاكل العالم، فأصبح مرة يقول أنه سيتفرّغ للمثابة العالمية وأصبح في مرة أخرى يقول أنه سيتفرّغ لأفريقيا ومشاكلها (!!) وفي أخرى ثالثة يقول أنه سيترك إدارة الشأن الداخلي للبلاد لإبنه الطامح سيف "المحب لليبيا" –كما قال وكما سنرى لاحقاً- ومرة أخرى يقوم باسناد المهام الحساسة في تركة الدولة لأبنائه الآخرين (المعتصم للأمن وخميس للجيش والساعدي وهنيبال ومحمد وعائشة للنهب والتسلّط)...وهكذا. 

الواقع أن القذافي لجأ لأحكام التجربة في التعامل مع الأمرين معاً، حيث حاول في كثير من الأحيان دمجهما معاً، في مغلّف واحد، أي أن يُنفَّذ مطلبه المتمثِّل في عدم مسؤوليته "الشخصية" عن ممارسات السلطة في البلاد لمدة الأربعين سنة الماضية. وفي حال نجاح طرح هذا المطلَب فسيتبعه بالضرورة تولي أحد أبنائه مقاليد السلطة بدلاً عنه بالكامل، في صورة يعتقد أنها ستكون سلمية، وهو الإجراء المتمثِّل في صورة الشرط المشار إليه.   

ولكن ما هي مؤهلات سيف لهذا التخريج (المحلّي والخارجي)؟ 

المعلوم بداية وبداهةً أن القذافي ليس له ثقة في أحد على الإطلاق. وهو يعلم، وبخاصة بعد زيارته "للأمم المتحدة"، وعودته من أمريكا خالي الوفاض، إن خسارته من وراء هذه الزيارة كانت أفدح مما لو إعتذر عن السفر وأبقى أمور علاقاته السياسية على ما هي عليه من قبل (ما بين شد وجذب)، حيث عَرَف وشاهد بأم عينيه مستوى ضآلة حجمه ومدى تفاهة قيمته في أعين الدول الغربية وتوابعها وممن يدورون في أفلاكها. ولذا فقد أدرك حتمية غيابه أو تغييبه عن مسرحه السياسي بالكامل خلال مدة قريبة قادمة، فانطلق بناءً على ذلك من القول "بيدي لا بيد عمرو" أي أنه ولج مرحلة التفكير الجدي في إعداد نفسه للتعامل مع مكونات المطلب والشرط، في محاولة منه للتظاهر بأن هذا الأمر جاء تلقائياً، لا بل وأنه سيتم بكامل رضاه واقتناعه.    

وعلى الرغم من أن تفاعله مع هذه الأمور قد بدا مرتبكاً وفاقداً توازنه إلى حد كبير، من خلال كثير من المواقف السياسية "والديبلوماسية"، إلاَّ أنه كان على أصعدة محاذية أخرى كان يجس ويتحسس مختلف المعطيات المتوافرة لديه وأمامه في محاولة لاختيار الأصلح منها بالنسبة إلى تفكيره ورؤيته للواقع السياسي المستجَد والمفروض عليه والمتجاوز لرغبته وإرادته أيضاً. وعلى هذا الصعيد فقد حاول القذافي البحث عن الدعم الداخلي لمواقفه المتذبذبة وتخوفاته المتراكمة، فاعتقَد في أول الأمر أنه قد وجد هذا الدعم في تماهي مواقف بعض المحسوبين على المعارضة مع سلطته، إلا أن حجمهم السياسي واقعياً لم يرض غروره وتصوره، وهو ما عجَّله بقذف ابنه سيف إلى حلبة السياسة المعتلة وتحت ستار التعلّة، وفي محاولة منه، كما أعلن،  للنأي بنفسه بعيداً عن واجهة الأحداث والتطورات السياسية اليومية الداخلية بانعكاساتها المختلفة، والتفرّغ لمهامه الكبيرة عبر أجندة سياسية متعددة المواضيع على الصعيد العالمي والدولي. !! 

وقد كانت مظلة المجتمع المدني ومظلة حقوق الإنسان والإنفتاح على الآخر ومعالجة الإقتصاد المريض والمنهار، هي الواجهات التي دخل سيف تحت شعاراتها إلى عالم السياسة، والتي بدأت بادعاء الإهتمام بحقوق الإنسان -الأجنبي قبل المواطن الليبي بالطبع- وذلك عندما توسطت "مؤسسة القذافي للأعمال الخيرية"، التي أعطاه منصب رئاستها باعتبار أنه "إبن القائد"، صبغة شبه رسمية، يمشي بعصاتها إلى هنا وإلى هناك، حيث توسط سيف لدى سيّاف في الفلبين وأغراه بخمسة وعشرين مليون دولار "من خزينة الشعب الليبي" أسالت لعابه وأطلق إثرها سراح سبعة "أجانب" ألمان كان يحتجزهم في إحدى غابات الفلبين، ولم يُعرَف السرّ والسبب الحقيقي في وجودهم في تلك المناطق والمجاهل أصلاً، وما هي مصلحة ليبيا لتقوم بما قام به سيف نيابة عن خزانة الشعب الألماني في سبيل مواطنيه المحتجزين لدى سياف. ناهيك عن قيام (سيف) بدور أساسي فيما بعد، في حل مسألة التعويضات في قضية لوكربي العام 2003م. وقضية الممرضات البلغاريات العام 2007م. إلى جانب أزمتَي الرهائن في الصحراء والفيليبين كما ألمحنا.  

كما تمثّلت بدايات تحرك سيف على صعيد السياسة الخارجية أيضاً من خلال قيامه برحلات مكوكية إلى بعض دول أوربا وأمريكا وآسيا وإقامة معرض فني هنا ومؤتمر صحفي هناك وإتصالات ببعض الجماعات "السياسية" -والتي نُعِت بعضها في وسائل الإعلام الغربي تحديداً بالتطرّف والإرهاب- في كثير من الأوقات. واللافت أنه استُقبِل في بعض الدوائر الأمريكية استقبالاً يُوحي بما وراءه ولكنه لا يُخفي أنه كان إستقبالاً مدفوع الثمن، وبخاصة ذلك الذي استُقبِل به سيف من بعض الهيئات ومع بعض الشخصيات السياسية الأمريكية الهامة. 

هذا إذا أخذنا في الإعتبار أيضاً ما رشح من معلومات تفيد بأن استثمارات سيف في أمريكا تُقدَّر بحوالى 100 مليار دولار، (ولعلها هي المبالغ التي عُرِف مؤخراً أنها سُحِبت من بنوك سويسرا لصالح أبناء القذافي دون غيرهم).  

وقد ظلت تحركات سيف (تتفاقع) على هذا النحو لأكثر من عامين، تخللتها لقاءات مكثفة وأخرى قصيرة مع بعض من المحسوبين على المعارضة الليبية (في الخارج)، أفراداً وتنظيمات أو جماعات، تُرِك أمر متابعتها وتطورها فيما بعد لبعض ممن يدورون في فلك "مشروع ليبيا الغد" الذي خرج به سيف على الملأ بمباركة والده –كما صرح وأكد في العديد من المناسبات داخل وخارج البلاد. 

واستمر هذا اللغو واللهو بمشاعر المصدّقين إلى أن خرج عليهم سيف ذاته بالخطاب الذي عُرِف بخطاب الخطوط الحمراء (أغسطس 2007م.): الذي أكدَّ فيه مباركة ورضا ودفع والده "القائد" لكل "الوعود" والتطلعات التي أعلن عنها وتحمَّس لها سيف بكل تفاخر ومباهاة، حيث أكد على جانب لافت في الخطاب أن أبيه العقيد القذافي هو "القائد"، ولا يجوز المساس به أو التطاول عليه بأي شكل من الأشكال. وأن الدين "الإسلام" هو دين الدولة (!!) وضرورة الوحدة الوطنية، والأمن القومي ثم وحدة التراب الوطني، في غمزة لتصوِّرِ ما يمكن أن تجره أية "قيادة وطنية" أخرى على البلاد من "حرب أهلية أو "جهوية". وهذه كلها وغيرها بالطبع، هي مفردات وأبعاد مفردات ذلك الخطاب الذي ما يزال الكثير من الإصلاحيين يتمسكون بشغافه. 

وغني عن القول أن الديموقراطية لا تتجزأ، وتعتبر ناقصة، أو هي ليست ديموقراطية، طالما أن فيها خطوطاً حمراء تحدّ من امتداداتها الطبيعية، ولذا فقد كانت تلك التصريحات الرعناء وفشل تطبيقها عملياً، بشكل أو بآخر، صدمة وصفعة قوية لكثير من المراهنين على "ديموقراطية" سيف والواثقين في رؤاه ووعوده السياسية. 

اللافت أنه على الرغم من الأطر الدعائية "والديموقراطية" التي يحرص سيف القذافي على أن يظهر تحت أضوائها، إلاَّ أن هذه الديموقراطية المختلَقَة إنتهت في لحظة إنفعال سلبية بدعوة المعارضين، الذين كان إلى حدٍ كبير، يوجه خطابه الرسمي إليهم، بأنهم في حال عدم قبولهم بالحرية والديموقراطية ذات الخطوط الحمراء -المشار إليها- فإن عليهم أن "يشربوا من البحر".  ...أجل هكذا وبصريح العبارة أيضاً. !! 

ودعماً معنوياً لهذا التوجه العام، وفي قفزة جانبية أخرى، حاول القذافي الأب إعلان تبرؤه من "أدواته المنفِّذة" اللجان الشعبية، وإلصاق المسؤولية بها ونعتها بأقذع وأخس النعوت. وإمعاناً منه في إلباس موقفه أو انقلابه الفجائي لباس الجد والحقيقة، فقد أكد بصريح عباراته على أن اللجان الشعبية هي سبب العلل والتخبطات والتخلف الذي حل بالبلاد طيلة العقود الماضية، فأطلق عليها-في خطابه يوم 8 مايو 2008م. أمام اللجنة الشعبية العامة للتعليم وعددا من الخبراء باللجنة- الكثير من الصفات السلبية فقال عن لجان حكمه (صنائعه) وأدوات إدارته في نهاية أربعة عقود من التحكم والتسلّط ...قال إنها: "... سارقة، غير كفؤة، مبدِّدة.. وهي فاسدة، ومنبع للطحالب والمصائب، مقصِّرة، تحيا وسط المحسوبية والوساطة والرشوة... (ثم أضاف القذافي بلسانه في نفس الخطاب).. هذه إسمها الفساد في النهاية، وهذا الكلام صحيح كله، وقرارات المؤتمرات الشعبية في المساءلة واضحة جداً، تُدين دائماً اللجان الشعبية... (...) ولم ألاحظ في أي دورة من دورات إنعقاد المؤتمرات الشعبية وإنعقاد مؤتمر الشعب العام، أي شكر أو تقدير لأي لجنة شعبية على أي مستوى من المستويات، لم ألاحظ أن الناس شكرتها وقالوا هذه قامت بواجبها، بل دائما قصّرت وقصّرت، وعدم تنفيذ كذا، وعدم تنفيذ كذا، وعدم الإهتمام بكذا، وعدم القيام بكذا. هذه العدمية كلها سائدة في دورات المؤتمرات الشعبية...".  

(...) وفي تسطيح للقضايا وتسفيه لها يمضي القذافي ليقول: "... خلاص ما دامت الحكومة شراً تمشي في ستين داهية لا داعي لها... خلاص يبقى كل شيء مدنياً.. يقوم المجتمع المدني برمته.. يصبح كله مجتمعاً مدنياً، وهذا الذي ينبغي أن يكون، وكان يجب أن يكون هو الذي كائن، لكن نحن مستوانا لم يصل إلى هذا.. نحن لسنا جادين.. مقصرون.. لسنا معتادين على حاجة مثل هذه...".  

ولعل القذافي يتخيَّل أو يُخيَّل إليه هنا أنه، بعد هذا التشخيص وتقديم صحيفة الإتهام والإدانه، لن يعود يتحمل وزر كوارث تلك الصنائع ونتائج تصرفاتها الكارثية أو كأنه ليس هو المسؤول عن أفعال ونتائج أدواته التي أجاد حقيقة في وصفها ووصف أفعالها على النحو الذي ذُكِر. 

اللافت على صعيد ذِكر (المجتمع المدني) أنه كانت للعقيد القذافي -في داخله- وجهة نظر أخرى مغايرة لرؤيته هذه بالكامل، حيث ذكر في خطابه بمدينة سرت، أمام ما يطلق عليه (مؤتمر الشعب العام) يوم 28 يناير 2010م. أنه لم ترق له فكرة وتسمية المجتمع المدني أصلاً، وقال أنه "... يُفترَض أن لا يكون للمجتمع المدني في ليبيا وجود وذلك لعدم جواز وجوده في ظل المفاهيم الغربية له (المجتمع المدني) حيث إنه يمكن تصور وجود هذا (المجتمع المدني) في دولة بها حكومة أو يحكمها رئيس وحكومة، ولكن في دولة مثل (جماهيريته) لا مكان لهذا (المجتمع المدني). ...بل يمكن الإستعاضة عنه وعن تسميته بتكوين مؤسسات مدنية خيرية ...جمعيات، كأن تقوم جماعة معينة بتكوين جمعية لحماية الأطفال اليتامى (...) إنها للناس المحتاجين (...) نعم .. إعمل جمعية بهذا الشكل. هؤلاء محتاجون إلى جمعية، أو محتاجون لنقابة، أو محتاجون إلى ناد .. هؤلاء هم الناس الضعفاء، وليس الأقوياء .. وليس صاحب الدكان والطبيب والمهندس والمحامي فهؤلاء أقوياء في المجتمع، وليسوا محتاجين للحماية. (...) إذن لمن النقابات أو المؤسسات والمنظمات ؟ 

لو أردنا أن نعمل جمعيات ومؤسسات من هذا النوع ونقابات وغيرها، تُعمل للضعفاء وليس للأقوياء. أما نحن الأقوياء فإتركونا أحراراً: صاحب السيارة يكون حراً، المحامي يكون حراً، الطبيب حر، المهندس حر، التاجر حر، ولا يقيدني أحد . ونحن أعضاء في المؤتمرات الشعبية ونمارس السلطة في المؤتمرات الشعبية، لذا فإن هذه الثقافة البرجوازية والتقليد للغرب ما تمشي عندنا...". 

وفي قفزة أخرى ثالثة مرتبكة، دلَّت على ما يعانيه القذافي وسلطته من تخبّط وفقدان للتوازن السياسي، ألمح القذافي،  خلال منتصف عام 2008م، في لقائه مع ما يسمّى بمجموعة (رفاق القائد) ...ألمح إلى ما أطلق عليه  (الإقتحام العظيم) وطالب مَن بقي مِن رفاقه بأن يستعدّوا لهذا الإقتحام، الذي لم يتضح مرماه ومغزاه المفصَّل إلى اليوم. وبعد ذلك أنذر القذافي مواطنيه بإلغاء كل الوزارات، عدا ما أسماها الوزارات السيادية، وهي الدفاع والأمن والخارجية والنفط. ثم أعلن عن قرب حدوث واقعة (الفوضى الخلاّقة). !! واللافت أنه وضع على رأس هذه الوزارات أو أسند مهامها إلى ذريته فقط، على النحو الذي ألمحنا إليه آنفاً. 

وعلى صعيد تحرك سيف السياسي على مسرح جماهيرية أبيه فقد لوحظ تلاعب سيف بمشاعر المصدّقين به ممن يتطلعون إلى سيادة "القانون" فعزفت السلطة كلها، لفترة من الزمن، على وتر الدستور من خلال مريديها وأزلامها، فما بين قائل بأن وثيقة الدستور تُدرَس الآن في ليبيا، وهي وشيكة الصدور، وقائل أن الدستور أضحى في مصاف (ديكور) الخطاب الإعلامي للسلطة. وواقعياً كان هذا "الدستور المنتظر" هو مجرد فرية، وأسلوب موسمي خادِع ومكرَّر، قُصِد به تخذيل بعض المعارضين ودعاة الإصلاح والمثقفين، وتوهين قواهم المعنوية... لا غير. 

إلى ذلك اتضح لاحقاً أن ديموقراطية الخطوط الحمراء كانت هي أهم اللعبات التي أمر القذافي الأب بتمريرها "كمسلَّمة" وأن أهم أولوياتها الحفاظ على مكانة "الأب القائد" ووضعه السياسي وضمان عدم المساس به أو محاسبته (وهو المطلب). وهذه هي (ديموقراطية الخطوط الحمراء)، فمن رضى بها أو قبلها، خاصة وأنها مرتبطة شرطاً بالقبول بها، فقد رضي بزعامة سيف ومرجعية أبيه، وأما من استهجنها ورفضها فليشرب من البحر !! بحسب قوله العاري عن الحياء. 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home