Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah

Sunday, 1 January, 2006

ترسيخ الشرعـية الدستورية في ليبيا بين الحُلم والواقع

السنوسي بلاّلَه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ترسيخ الشرعية الدستورية في ليبيا بين الحُلم والواقع

 

ورقة مقدَّمَة إلى الندوة التي عُقدت بمناسبة الذكرى الرابعةِ والخمسين لاستقلال ليبيا

التي عُقِدَت بقاعة (الكوفة) بلندن

يوم الخميس 29 ديسمبر 2005م.

اعداد السنوسي بلاّلَه

 

أيها الإخوة الأفاضل.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سأحاول في هذه الورقة تناول بعض ما جاء بالمحور الثالث لهذه الندوة، الواردِ تحت عنوان: مطلب إعادة ترسيخ الشرعية الدستورية في ليبيا بين الحُلم والحقيقة.

ولا يخفى على حضراتكم مدى سعةِ وتشعُّبِ وطُول عناصر هذا المحور، الذي يكون من العبثِ القولُ باحاطته من خلال ندوة أو محاضرة أو ماشابه ذلك من أوجه وآليات التناول.

ولذا فإننا سنحاول لظم بعض المعلومات والإستشهادات التاريخية ببعضها، بغيةَ طرحِ صورةٍ معينة، لواقعٍ معيَّن، بمعطياته الماديةِ والمعنوية، تعامَلَ مع وثيقةٍ هامة، تتناولُ موضوع أهمّ، ألا وهو الدستور، وأنا أعطي لنفسي، وقد لا أذهب في ذلك بعيداً، الحقَّ في التصرّف في صياغة عنوان المحور المراد مناقشته: ترسيخ الشرعية الدستورية في ليبيا بين الحُلم والواقع.

ليصبح:

الدستور بين الوجود والإلغاء

وأن أُقسِّم نقاش المحور إلى النقاط الأربع التالية:

1) الحقبة الجهادية/التاريخية.

2) الحقبة الملكية.

3) حقبة إنقلاب سبتمبر 1969م.

4) الحُلم بالدستور.

 

أولاً: الحقبة الجهادية/التاريخية:

قد يعتقد البعض بأن موضوعة الدستور قد زُرِعت ونمت في تربة وطننا منذ بدايةِ الفترةِ السياسيةِ النشطة، لمرحلةِ ما قبلَ الإستقلال، وما حدث خلالها من معارك دبلوماسيةٍ طاحنةٍ، داخلَ وخارجَ أروقةِ الأممِ المتحدة. وهذا كلام حقيقي وصحيح لا غُبار عليه، ولكن الأمر الأكثر صواباً ودقةً في شأن الدستور، هو إن الحديث عنه وعن شجونِه والتضلُّع بقيمِه ومعانيه، يمتدُ في سَفْرِ تاريخنا الوطنيِّ لمراحلَ أكثر عمقاً وبُعداً، أي إلى ما يصل إلى حوالي المئةِ عام، أي قرن من الزمان. بما في ذلك بالطبع المشارَكة الليبية في التجربة البرلمانية التركية (الديموقراطية) من خلال مجلس المبعوثان.

لقد كان الدستور مطلباً رئيساً للمقاومة الليبية في الداخل والخارج، فعلى سبيل المثال:

= بعد هزيمة تركيا في الحرب الكونية الأولى، وانسحاب قواتها من ليبيا، دعا سليمان الباروني إلى مؤتمر يجمع كل أعيان وشيوخ قبائل المنطقة الغربية. واتفق المؤتمرون على إعلان الجمهورية الطرابلسية في 16 نوفمبر 1918م. في عاصمتين –كما يقول الشيخ الطاهر الزاوي1- العزيزية  في الساحل وغريان في الجبل الغربي. وهي بذلك، كما يشير د.علي عبد اللطيف حميده، في كتابه (المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا): "... أول جمهورية أُعلِنت في شمال أفريقيا، وربما ثاني جمهورية في منطقة الشرق الأوسط بعد [جمهورية زحلة] في لبنان.

ونظراً لما واجهه الكيان السياسي للجمهورية الطرابلسية من مشاكل  جمَّة، فقد دُعِيَّ كل أعيان وشيوخ منطقة طرابلس إلى مؤتمر عام، عُقِدَ –كما يذكر الشيخ الزاوي- في شهر نوفمبر من عام 1920م. في بلدة غريان عاصمة الجمهورية الطرابلسية. واختار المؤتمرون أحمد بك المريِّض رئيساً للمؤتمر. واصدر المؤتمر بعد انتهاء جلساته قراراً جاء في بعضٍ منه ما يلي: (إن الحالة التي آلت إليها البلاد، لا يمكن تحسينها إلاَّ بإقامة حكومة قادرة، ومؤسَّسَة على ما يحقق الشرع الإسلامي، بزعامةِ مسلمٍ يُنتخَب من الأمة، لا يُعزَل إلاَّ بحجَّة شرعية وإقرار مجلس النواب، وتكون له السلطة الدينية والمدنية والعسكرية بأكملها بموجب دستور تقرُّه الأمة بواسطة نُوابها...). ولنا أن نتأمل هذا الفكر السياسي المتقدم على زمانه، وهذه الرؤية السابقة على عصرها. والتي ينبغي أن يتوقَّف عندها كلّ المهتمين بالفكر السياسي والراصدين للتطور الدستوري في البلاد. كما انتَخب المؤتمر (العام) هيئة سياسية لملء فراغ القيادة السياسية للجمهورية الطرابلسية، وتكونت هذه الهيئة من 21 عضواً برئاسة الشيخ أحمد المريِّض، سمّيَت هيئة الإصلاح المركزية. وقد بادر الشيخ المريِّض رئيس الهيئة بإرسال رسالة ودّية للأمير إدريس السنوسي، وبادله الأمير برسالة مماثلة، وترتَّب على تلك الخطوة عَقد اجتماع بقصر سرت بين وفدين من برقة وطرابلس [كما يقول الطاهر الزاوي]. وقد اسفر ذلك الاجتماع التاريخي عن إبرام وثيقة هامَّة مؤرَّخة في 21 يناير 1922. ومن ضمن ما جاء فيها: (يرى الطرفان أن مصلحة الوطن وضرورة الدفاع ضد العدو المشترَك، تقضي بتوحيد الزعامة على البلاد، ولذلك يجعلان غايتهما انتخاب أميرٍ مسلمٍ، تكون له السلطة الدينية والمدنية داخل دستورٍ ترضاه الأمة).

"كان من بين التجمّعات الليبية المهاجرة النشطة، تجمّع الليبيين في سوريا، فقد تمكن هؤلاء في عام 1928م. من تأسيس [جمعية الدفاع الطرابلسي والبرقاوي بالشام]2 وكان مقرُّها دمشق، وانتُخِب بشير السعداوي رئيساً وعمر فائق شنّيب سكرتيراً للجمعية. وقد وضعت الجمعية عام 1929م. الميثاق الوطني للشعب الطرابلسي البرقاوي، وتضمَّنت النقاط (الثانية والثالثة) من موادُّه:

= دعوة جمعية تأسيسية لسنّ دستور البلاد.

= انتخاب الأمة مجلساً حائزاً على الصلاحية التي يخوله إياها الدستور.

 هذا وقد قامت [جمعية الدفاع الطرابلسي والبرقاوي بالشام] بفتح فرع لها في تونس عام 1930م. برئاسة محمد عريقيب الزليتني.3 ما يشير إلى تنامي الوعي بالدستور لدى المواطنين الليبيين وفي مختلف أماكن إقامتهم أو تواجدهم.

 

الغَرضُ من هذا العرضِ الوجيز هو ملاحظة كيف أن الدستور كان منذ القدم مطلباً وطنياً مشروعاً وغاية يُراد تحقيقها، عبر الكفاح والجهاد الذي جسَّده الآباء والأجداد، وكيف استطاعوا رغم شتى الحواجز، وبمختلف تسمياتها، الوصول إلى مثل تلك الوثائق التاريخية التي سطّروها خلال نضالهم الطويل والمرير. فالمطالبة بالدستور إذن ليست بالشىء الجديد على شعبنا، بكافة قطاعاته، داخلاً وخارجاً.

 

ثانياً: الحقبة الملكيَّة:

لقد كانت أولى الخطوات نحو ضمان تحقيق مستقبل بالبلاد، تتمثَّل في إقامة الدستور، وقد تجلّىَ ذلك من خلال تحرّك وفاعلية الجمعية الوطنية التأسيسية المنبثقة عن الخطة التي أقرّها مجلس الأمم المتحدة، التي تقدم بها السيد إديان بلت لتنفيذ قرار الأمم المتحدة، والمتعلّقة في مجمل خطواتها بوضع الدستور. وقد عَقدت الجمعية الوطنية التأسيسية أول اجتماعاتها بتاريخ 25 نوفمبر 1950م. "...وقد حضر أعضاؤها الستون، وعدد كبير من الشخصيات الوطنية، وحضر الاجتماع كذلك مندوبين عن الإدارات البريطانية والفرنسية وأعضاء السلك القنصلي، وممثِّل عن مندوب الأمم المتحدة (كان السيد أدريان بلت في نيويورك يحضر اجتماع الدورة الخامسة للأمم المتحدة)، كما حضر الجلسة الإفتتاحية للجمعية الوطنية جميع أعضاء مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا، فيما عدا مندوبي مصر والباكستان. وقد تحرّكت الجمعية الوطنية بسرعة –رغم محاولات العرقلة التي واجهتها- وقامت بمهامها وأنجزتها، فشكَّلت لجنة فرعية لصياغة مواد الدستور، وأقرَّت شكل الدولة والعَلَمْ...".4 مجسِّدةً الإرادة الوطنية الواعية، في هذه الخطوة بالذات، وما تميّزت به من بُعدِ نظرٍ وتقديرٍ كاملٍ للمسؤولية، تلخَّص وتبلور لاحقاً في أهم إنجازات (الجمعية الوطنية التأسيسية)، التي انتهت من وضع الدستور، بعد أن وافق الأعضاء على جميع المواد، مادة مادة، ثم تم التصويت بالإجماع على الدستور بكامله، وتم إقراره وإصداره، في مدينة بنغازي، في اليوم السابع من شهر أكتوبر لعام 1951م. "... ولعلَّ الذي أضفى التميُّز على الدستور الليبي، أنه لم يصدر بناءً على إرادة ملك أو رئيس، أو حكومة، وإنما صدر بناءً على إرادة شعب بكامله. فقد أصدرته الجمعية الوطنية التي تمثِّل جميع سكان ليبيا، والتي كانت تضم خيرة العناصر الوطنية المشهود لها بالكفاءة والإخلاص، فحينما صدر الدستور في 7 أكتوبر 1951م.لم يكن في ليبيا ملك أو حكومة يمكن لها أن تملي إرادتها على واضعي الدستور، أو تحاول أن تقتنص السلطات والصلاحيات على حساب مصلحة الشعب والوطن. فالدستور الليبي –على خلاف الدساتير الأخرى- لم تنشئه الدولة، بل كان هو الذي أقام الدولة وأسسها. وكانت إرادة أعضاء الجمعية الوطنية طليقة من كلِّ قيود، متحررة من كلِّ ضغوط. وكان رائدها الصالح العام وتحقيق رغبة الشعب في تكوين دولة عصرية ديموقراطية، ترعى الحقوق وتصون الحرّيات...".5 ولذا قِيل أن الدولة الليبية هي التي وُلِدَت في حُضن الدستور. هذا الدستور الذي يَعُدّه بعض فقهاء القانون الدستوري وثيقة دستورية متَّزنة ومتكاملة، والذي قال عنه السيَّد إدريان بِلت -مندوب الأمم المتحدة في ليبيا- آنذاك، في مقالة مطوَّلهَ نُشِرَت له بجريدة (برقة الجديدة) يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر لعام 1953م. ما يلي: "… إن دستور ليبيا قد توَخَّى تطبيق الروح الديموقراطية واحترام الحرّيات الإنسانية. وقد يعترض البعض عليه بأن فيه من الموادّ ما يلائم أكثر الدول الديموقراطية تطوّراً، وهو لا يصلح للشعب الليبي في مرحلته الحاضرة. إنني لا أشاطرهم هذا الرأي، إذ عندما يحصل شعب حديث العهد سياسياً على حكم دستوري، فإن الحكمة تقتضي بأن نفسح أمامه المجال في الحقل السياسي بدلاً من أن نُضَيِّق عليه الخِناق. وأعود فأكرر القول بأن قوة الشعب الليبي ترتكز في رغبة أبنائه في أن يعيشوا ضمن دولة مستقلَّة. والمسألة التي تقتضي الحل هي في مساعدته على تعزيز وتقوية وحدته الجديدة. ولقد انضمَّت ليبيا إلى أسرة الشعوب دون أية قيود تمنع تقدّمها في المستقبل. …".

وقد تمَّ في إطار هذا الإنجاز (الدستوري) العظيم تحديد شكل وأبعاد الراية الوطنية (العَلَم) حيث حرِصَت الجمعية الوطنية التأسيسية، على أن يكون للراية الوطنية مكان الصدارة في الدستور الليبي، فأقرَّت بتاريخ الرابع من شهر ديسمبر لعام 1950م. بالإجماع قانوناً أساسياً أصبح المادّة السابعة من الدستور الليبي، التي تنصُّ على التالي: "يكون العلَمُ الوطني على الشكل والأبعاد الآتية: طوله ضعف عرضه. ويُقَسَّمُ إلى ثلاثة ألوان متوازية، أعلاها الأحمر فالأسوَّد فالأخضر. على أن تكون مساحة اللون الأسوَّد تساوي مجموع مساحة اللونين الأخيرين. وأن يحتوي وسطه على هلال أبيض بين طرفيه كوكب أبيض خماسي الأشِعَّة".

وبعد… فإن "… تلك هي الراية الوطنية [راية الإستقلال]. وهي الراية الشرعية الوحيدة التي عرفتها ليبيا، لأنها أُقِرَّت مِن قِبَلِ الجمعية الوطنية التأسيسية، ولم تخضع للأهواء والنزوات…". وقد تغنّى بها الليبيون فرحاً من خلال أغانيهم وأشعارهم الشعبية، حيث شاعت في أوائل الستينيات –في هذا السياق- الأغنية التي نظمها القاضي الشاعر عبد ربه الغنّاي (أبو فْضَيْل) وقام بآدائها بإتقان الفنّان الطّاهر عمر:

عَيْنَيك خضرا والشّعَرْ مترَامِي             أسْوَدْ، وْخدِّكْ بالْحمُورَه دامِي.

                              …………

   ليـبـيا معروفَه  حتىَّ بعَدْ حَطّ الزمان ظْروفَه.

وْحتَّى وْهِي في قَيدْها مكتوفَه             ما بطّلَت يوماً شديد، خْصامِي.

                              …………

 بِنت أَجْهادِي                       تَرْكَب الخَيل وْما تْهاب عوادي

تضرِبْ علىِ مَقْتَلْ وبنتْ اَجوادي               تْزَكّي مْيادِين الِقْتَال كلامي.

 

ثالثاُ: حقبة إنقلاب سبتمبر 1969م:

في الوقت الذي أولت فيه كل تلك العناصر الوطنية للدستور، وللجهود المبذولة حياله، كل التقدير والتثمين اللازم، نرى –فيما سيَرِدُ أدناه- كيف تعاملت فئة من رجال الإستخبارات (المصرية)، وحفنة إنقلاب سبتمبر، مع معنى الدستور، وما يندرج تحت بندِه من متعلّقات. فعند قراءة مذكّرات فتحي الديب وصلاح السعدني، مثلاً، يكتشف المرء أنه كانت هناك مأساة فعلاً، بشأن اعدادِ وثيقةٍ هامّةٍ، تهمّ مصير شعب بأكمله، تمَّ التلاعب بها بين ثلاثة "خبراء" اثنان منهم مصريان والثالث سوداني، وليس بينهم ليبي واحد، بل وأن تُعدّ (طبخة) هذه الوثيقة داخل مبنى السفارة المصرية ببنغازي. ونعرف من خلال سياقات مذكرات رجال الإستخبارات، أن تلك الوثيقة لم تُحَط بأية مناقشات مستفيضة تُذكَر، من جانبِ الهياكل التي قامت في ظل السلطة الحاكمة، مثل مجلس قيادة الثورة، بل إن كل ما قام به هذا المجلس  في هذا الخصوص، هو فقط إبداء الملاحظات الطفيفة ثم الموافقة الفورية على الشكل والمضمون (الذي أعدَّه الخبراء). !!!

في البدء، يُشير رجل الإستخبارات المصري، فتحي الديب (في مذكراته مع انقلابيي سبتمبر)،6 إلى أنه قد تمت تزكيته من الرئيس جمال عبد الناصر –شخصياً- للتعامل مع الوضع الجديد في ليبيا "... لم يتردد جمال عبد الناصر في ركوب المخاطرة، وأن يرمي بكل ثقل وامكانات وسمعة ثورة 23 يوليو ومستقبلها، لدعم هذه الثورة، ليؤمن لها الاستقرار والاستمرار..".   

ص 34: يشير الديب إلى أنه كان (بالسفارة المصرية ببنغازي) يوم 6 سبتمبر 1969م. فيقول: "...  بقي معنا السيد أمين الشبلي (سوداني/قانوني)، ليتعاون معنا في وضع الإعلان الدستوري، والقوانين المترتبة عليه، للسير في الإجراءات التنفيذية".

ص 37: يتحدَّث الديب عن (آرائه ومقترحاته لتثبيت النظام) التي أعدّها بناءً على طلب الرئيس عبد الناصر وأرسلها إليه يوم 7 سبتمبر، ويسرد جملة من المشاكل والمعوقات التي تحكم بعض جوانب مسار العلاقة بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، والتي يعزو معظمها كما يقول، إلى (انعدام خبرتهم في كيفية ممارسة السلطة، وإلى أن أعضاء مجلس قيادة الثورة ككل، ليس لديهم أية صورة من المعرفة أو الإلمام، بما كان يجري في الجهاز التنفيذي)، وليشير من خلالها قائلاً: "...للتغلّب على هذه المشكلة، أصبح اتجاهي أن أقدّم المشورة مشفوعة بمقترحات محدَّدة، وإجراءاتها تنفيذية. (...) وقد أتممنا بالفعل الإعلان الدستوري –لعله يقصد هنا بالذات النسخة غير النهائية للإعلان- وقانون الأحكام العرفية، وقانون الحراسة، وقانون التعامل المصرفي...".

ص 41: يقول الديب أن المقدّم آدم الحواز اجتمع به (بالديب) في مكتبه بمبنى السفارة المصرية يوم 8 سبتمبر، ويُضيف: ".. في ختام الجلسة سلّمت المقدّم آدم الإعلان الدستوري، والقرارات الجمهورية، والقوانين المترتبة عليه، لأخذ موافقة مجلس الثورة عليها، وسرعة إعلانها، لتسبق اعلان التشكيل الوزاري. وقام على الفور آدم بالإتصال بمعمر بطرابلس، وطلب منه الحضور فوراً ومعه رئيس الوزراء لاتخاذ بنغازي مقراً للقيادة. وأرسل لهم طائرة خاصَّة لإحضارهم، وليبدأ في إذاعة الإعلان والقرارات بعد التصديق عليها اعتباراً من مساء يوم الثامن من سبتمبر...".

ص 46: يقول الديب أنه في يوم  9 سبتمبر "... تفاهمت مع العقيد معمر على اللقاء مساء اليوم ذاته بالسفارة، لبحث كافة الشؤون المتطلِّبة موافقة مجلس قيادة الثورة، بما فيها قرارات وقوانين تأمين الثورة. ثم اتصل بي العقيد ليطلب حضوري لاجتماع مجلس الثورة ومعي الخبير القانوني، في الساعة العاشرة مساءً. وتم الإجتماع وحضره العقيد، والنقيب عبد السلام جلّود ممثِّل طرابلس، والنقيب بشير، ليستفسروا عن بعض مواد الإعلان الدستوري التي دلَّت على دراستهم الدقيقة للإعلان قبل الإجتماع بنا. وقد طلبوا إضافة بند يُعطي لمجلس قيادة الثورة الحق في منح النياشين والأوسمة، وفقاً للقانون الذي يصدر بذلك. كما أثاروا موضوع العلم الجديد للدولة، وتمَّ اختيارهم لعلَم الجمهورية العربية المتحدة بدون نجوم، معبّرين عن ذلك بأنه بداية على طريق التحام العلمين، كما اتخذوا النسر شعاراً للدولة...".

ونشير إلى جانب آخر من الصورة، يتولى تقديمه لنا المقدِّم صلاح الدين السعدني،7 رفيق الديب في المطبخ الإنقلابي السبتمبري، حيث يتولّىَ دفة الحديث عن بعض جوانب معاصرته لأعضاء مجلس قيادة الإنقلاب خلال أيامه الأولى ويقف بنا -في اسلوب ساخر- عند النقطة التي أشار إلى بعض جوانبها رفيقه فتحي الديب آنفاً، وهي المتعلِّقة بموضوع شِعار وعَلَم الدولة (الليبية) بُعيد الإنقلاب. ليقول الخبير السعدني:

"..أذكر أنه حدث موقف طريف بعد أن تم الإتفاق على أن يكون النسر شعار ليبيا، فقد كان مطلوباً أن يُوضع رَسم النسر مع بيان الإعلان الدستوري، حتى يتم تنفيذه عند نفصيل الأعلام الجديدة. ولم يكن معنا أي نسخة لصورة النسر، وذهبت أبحث في السفارة عن كتب أو نشرات لهيئة الإستعلامات المصرية، قد يكون عليها صورة للنسر، ولم اُوفَّق إلى ذلك. وأخيراً لم أجد أمامي إلاَّ أحد الكتب المدرسية لأحد أبناء العاملين في السفارة، ملصَقاً عليه صورة للنسر في الصفحة الأولى، فقمت بنقلها على ورقة بيضاء، مستخدِماً الألوان المتوافرة بقدر الإمكان. وقدّمت صورة النسر إلى العقيد معمر القذافي، الذي وافق عليها، وأُضِيفت إلى الأعلام...". * !!!

وشتّان هنا، في التعامل مع القيَّم العليا، كالدستورِ وشِعارِ وعَلَمِ الدولة، ما بين الجمعية الوطنية التأسيسية (لجنة الستين)، ورجال المخابرات (2+1)، وما يشير إليه تعاطيهم مع تلك الوثيقة من استخفاف واستهتار.

 

حول الإعلان الدستوري، وما بعده:

          جاء في ديباجة الإعلان الدستوري (الصادر يوم 11 ديسمبر 1969م.): "... يصدر هذا الإعلان الدستوري ليكون أساساً لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديموقراطية، وحتى يتم إعداد دستور دائم يعبِّر عن الإنجازات التي تحققها الثورة، ويحدد معالم الطريق أمامها".

ونتوقف قليلاً عند المادّة الثامنة عشر من الإعلان الدستوري، التي تنص على أن:

"مجلس قيادة الثورة هو أعلى سلطة في الجمهورية العربية الليبية، ويباشر أعمال السيادة العليا، والتشريع، ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب، وله بهذه الصفة أن يتخذ كافّة التدابير في صورة إعلانات دستورية أو قوانين أو أوامر أو قرارات، ولا يجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة من تدابير أمام أية جهة".

فمن هم هؤلاء الذين تُعطى لهم كل هذه الصلاحيات العظيمة، التي تجعلهم يتحكمون في مصير شعب بأكمله؟ إنهم عبارة عن حفنة من الملازمين المغمورين الذين لا يمتلكون أية مؤهلات تؤهلم لقيادة بلد وتجعلهم يتحكمون في مصير شعب. ويكفي في هذا الصدد ما ذكره في حقهم أحد أبائهم الروحيين الإستخباراتي المصري فتحي الديب، مُعِدّ الإعلان الدستوري، وما اتهمهم به –خلال احتكاكه بهم وتعامله معهم- من قصور وانعدام خبرة، وغياب تجربة ووعي، بأمور السياسة والحكم.

وجاء في المادة الختامية 37 (من الإعلان الدستوري):

"يبقى هذا الإعلان الدستوري نافذ المفعول، حتى يتم اصدار الدستور الدائم، ولا يُعدَّل إلاَّ بإعلان دستوري آخر من مجلس قيادة الثورة، إذا رأى ذلك ضرورياً، وفق مصلحة الثورة".

وعلى الرغم من ذلك التأكيد في البدء والخاتمة، إلاَّ أن هذه الوعود والتأكيدات ذهبت أدراج رياح سبعةٍ وثلاثين عاماً، دون أن يرف لسلطة سبتمبر جَفن أو ينتابها خجلٌ وخَفَر، مما قطعت على نفسها من وعود وعهود.

هناك نقطة أودّ اللفت إليها عند الحديث عن حقبة انقلاب سبتمبر 1969م. وهي أنه يتبيَّن لنا من خلال القراءة المتأنّية للبيانَين الأول والثاني للإنقلابيِّين، "...أنه لم يرِد فيهما إلغاء صريح أو مباشر لدستور عام 1951م. لا بل لم يُشيرا له اطلاقاً من خلال أي نصٍّ مكتوب. والإشارة الوحيدة في هذا الخصوص وردت في البيان الثاني، وتحدّثت عن إلغاء المؤسسات الدستورية وليس الإطاحة بالدستور...".8

لعلَّ بعض مما ذُكر آنفاً يشير في بعض ثناياه إلى اشكالية تاريخية وقانونية (دستورية). وبالتالي فإنه يترتَّب على ذلك أن أغلبية القوانين والقرارات -إن لم تكن كلّها- إضافة إلى الإعتقالات والمحاكمات، التي صدرت منذ قيام الإنقلاب (في 1 سبتمبر 1969م.) وإلى حين صدور الإعلان الدستوري، تعتبر غير شرعية، وباطلة وغير قانونية، ولم تستند إلى دستور. وهذا بقدر ما هو اشكالية (قانونية/دستورية)، فإنه يعتبر دليلٌ بيِّنٌ على ما مارسه الإنقلابيون من غيّ واستخفاف بوثيقة سامية، تُعنى بالوطن والمواطن على السواء، وبجميع أمور الدولة التي تخصّهما أو تتعلّق بهما. وهذه في حدِّ ذاتها، نقطة جديرة بالتوقف عندها مِن قِبل القانونيين الليبيين، وبخاصَّة إذا ما تم خلال هذه الفترة القيام بأية جرائم أو أفعال تضر بالوطن والمواطن بأية صورة من الصور. ويتحققُ جلاء هذا الأمر بالطبع من خلال التقصّي والمراجعة للكثير من الملفّات الوطنية وعلى رأسها بالطبع ملف حقوق الإنسان، وما طاله من تعديات خلال تلك الفترة بالذات.

وسواء أخذنا بذلك القول (الإشكالية) أم لا، فإن ما اتخذه الإنقلابيون من قوانين وقرارات في تلك الفترة، لم تعبِّر عن طموحات وآمال الأمة، ولم تستند إلى دستور، على الرغم من تعهداتهم ووعودهم بصدور دستور دائم، وقولِهِم بشرعيةٍ دستوريةٍ، وأن إعلانهم الدستوري إجراء مؤقت لا غير. فهذا الكلام ظل مجرّد كلام وهُراء وخِداع، حاول الإنقلابيون من خلاله الإلتفاف على معنى الدستور بمختلف الحيَّل، سواء بالإدعاءات والمزاعم الخادعة أو بالإصدارات الباهتة، بدءاً من الإعلان الدستوري (11 ديسمبر 1969م.)، ومروراً بصدور النظام الأساس للإتحاد الإشتراكي العربي (11 يونيو 1971م.)، وإعلان الثورة الشعبية (15 أبريل 1973م.)، وصدور الكتاب الأخضر (النظرية العالمية الثالثة 1976م.)، وإعلان وثيقة سلطة الشعب (2 مارس 1977م.)، واستخراج، أو الإعلان عن، مقولة القرآن شريعة المجتمع –في نفس الفترة تقريباً-. والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير" التي حصُلت –بإيعاز من العقيد القذافي شخصياً- على موافقَة معتمَدة من (مؤتمر الشعب العام) خلال شهر يونيو من عام 1988م. وإصدار ما عُرِف بوثيقة (الشرعية الثورية) 9 مارس 1990م. و"قانون رقم (20) لسنة 1991م. بشأن تعزيز الحرية"، في يوم 1 سبتمبر لعام 1991م.

ونعود لنقول على جانب –افتراضي- آخر، أنه حتى إذا أَلغت وثيقة إعلان سلطة الشعب، الإعلان الدستوري (المؤقت)، فمعنى ذلك أن الدولة ظلّت بدون دستور منذ 2 مارس من عام 1977م –تاريخ إعلان وثيقة سلطة الشعب- وإلى الآن، ولن يُغيِّر من هذه الحقيقة النّص في هذه الوثيقة أن القرآن شريعة المجتمع، حيث إن هذا المصطلح غامض –ولم يُعمَل به أصلاً- وقابل لشتّى التأويلات، ويحتاج إلى تقنين، وإلى أن يُفرَّغ في عدة صياغات، تحدِّد شكل الحكم، وحقوق وواجبات المواطن، وسلطات وحدود الحاكم، والصلاحيات التي تُمنح له، والفصل بين السلطات الموجودة في الدولة بعامَّة، وغير ذلك من الأمور الهامة التي تعارَف على أن يتضمّنها أيَّ دستورٍ عصري.   

 

رابعاً: الحُلم بالدستور:

وعن معنى الحُلم بالدستور التي جاءت في عنوان أحد محاور الندوة، وهو الذي تناولته هذه الورقة، نقول أن التعامل مع الدستور لا ينبغي أن يُضمَّن في خانة الأحلام السامية المراد تحقيقها فقط، بل يجب أن يوضَع في صورةٍ أو رؤيةٍ واقعيةٍ يتم تنفيذها عبر تنسيق فصائل المعارّضة الوطنية -وهو ما حدث فعلاً- وترسيخ مبدأ العمل المشترَك، وتنمية القناعات المشتَرَكة والوعي بالدستور، والإصرار على أن يكونَ موضوعاً مِن قِبَل ممثّلي الشعب، وليس مِن قِبَل أفراد أو حكّام يمثّلون أنفسهم فقط.

ولا يسعنا -بعد عرض ما سلف، وفي ظِلِّه أيضاً-  إلاَّ أن نستشهد ببعض ما ورد في (إعلان التوافق الوطني) الصادر عن المؤتمر الوطني للمعارَضة الليبية في الفترة ما بين 25-26 من يونيو عام 2005م. حيث "يؤكِّد المؤتمر بأن إعادة الشرعية الدستورية إلى الحياة السياسية الليبية، أمرٌ أساسٌ لبناءِ حياةٍ سياسيةٍ مستقرَّةٍ وواعدة، يمارِس من خلالها المواطن الليبي دوره في البناء والتنمية، بكل حرّية وفاعلية.

          إن الشرعية الدستورية الوحيدة تتمثَّل في دستور عام 1951م. بتعديلاته اللاحقة، الذي أقرّته وصادقت عليه الجمعية الوطنية التأسيسية تحت إشراف مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا. وإن ما أقدم عليه الإنقلابيون باصدار قرار تعسُّفي يقضي بإلغاء الدستور هو إجراء غير شرعي، ولا يُعتَّد به.

          ويؤكد المؤتمرون أن العودة إلى الشرعية يتطلَّب إعمال الخطوات التالية:

          1) تنحّي العقيد معمر القذافي عن كافّة سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية والعسكرية والأمنية. ورفضِ أسلوب التوريث.

          2) تشكيل حكومة انتقالية، في داخل البلاد، من عناصر مشهود لها بالوطنية والنزاهة، لإدارة البلاد لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، تكون مهمتها الأساس العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية، عن طريق الدعوة إلى انتخاب جمعية وطنية تأسيسية، تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة، وإحداث التعديلات المناسبة حيالِه، وعرضِه على الشعب الليبي في استفتاء عام.

          3) إقامة دولة دستورية ديموقراطية، مؤسَّسة على التعددية السياسية والثقافية، والتداول السلمي للسلطة، تكفل الحرّيات الأساسية وحقوق الإنسان، وتُرسي قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكافّة أبناء الوطن، بدون تمييز، وتصون الثروات الوطنية وتنمّيها، وتقيم علاقات خارجية متوازنة، مؤسَّسَة على الإحترام المتبادَل".


1 الطاهر الزاوي، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب. ط 2 (دار الفتح للطباعة والنشر 1970م.

2 محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة ص 373-375. دار الفكر (1948م.) القاهرة – مصر.

3 د. محمد يوسف المقريَّف. ليبيا بين الماضي والحاضر. الجزء الأول/المجلد الأول. ميلاد دولة الإستقلال. الطبعة الأولى 2004م. مركز الدراسات الليبية. اكسفورد.

4 المعركة الدبلوماسية (صراع من أجل الحرية والوحدة والسيادة). ابرهيم صهد. مجلة الإنقاذ - العدد 39 (السنة العاشرة) – ديسمبر 1991م.

5 ليبيا دولة الدستور. خالد خليفة. مجلة الإنقاذ العدد 39 (السنة العاشرة) – ديسمبر 1991م.

6 فتحي الديب (عبدالناصر وثورة ليبيا) الطبعة الأولى 1986م. دار المستقبل العربي –41 شارع بيروت. القاهرة- مصر.

7 عن الحلقة الثانية من مذكرات المقدّم (صلاح الدين السعدني)، أول سفير مصري في ليبيا بعد الإنقلاب. صيفة (الرأي العام) الكويتية. العدد (11058) 30 سبتمبر 1997م.

8 المجموعة المفهرَسة لكافّة المبادىء الدستورية والإدارية والإنتخابية والشرعية والجنائية والمدنية، التي قررتها المحكمة العليا في عشر سنوات 1964م.-1974م. الجزء الأول. المبادىء الدستورية والإدارية والإنتخابية [ص:147-148]. إعداد عمر عمرو. المستشار المساعد بمجلس الدولة المصري، والمستشار بادارة الفتوى والتشريع بوزارة العدل الليبية.

 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home