Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Boukhzam al-Anani
الكاتب الليبي بوخزام العناني

الثلاثاء 11 مايو 2010

السيد حسين مازق في ذكراه الرابعة

تأملات... وخواطر

بوخزام العـناني

نبذة عن حياة السيد حسين مازق          قصيدة "ومازلت يا مازق عليهم غالي"

تحل هذه الأيام الذكرى السنوية الرابعة لرحيل السيد حسين مازق رئيس الحكومة الليبية الأسبق ، ومع مقدم هذه الذكرى تكرّم علي أحد المحبين للسيد حسين مازق - والذي لازمه لسنوات طويلة - ببعض المعلومات والوثائق موحييا اليّ - بطريقة لبقة - بالكتابة في هذه المناسبة ، وكان من ضمن مازودني به بعض النصوص الشعرية التي قيلت في السيد حسين مازق في حياته وبعد وفاته . واثناء حديثي مع ذلك السيد استفهم بطريقة غير مباشرة عن ما اذا كنت انظم الشعر ، فلم أرد على سؤاله في تلك الجلسة ولكن أقول له اليوم :- وددت لو انصاعت لي القوافي هذه المرة – فحاولت ذلك - رغم قناعتي باني لا أحسن النظم - ولكن بنات الشـعرأبت اسعافي بما أبتغيته قائلة أن هذا الشأن أكبر من أن تحتوية القافية اويحوزه الوزن .. فصاحبه أطول هامة وارفع شأنا وارحب ساحة من أن تحاط سيرته وذكراه بسياج الوزن والقافية فجأرت ساعيا الى القلم لعلي أجد في النثر مراغما وسعة لأشفي بعض ما في النفس من وجد، خاصة وقد تضافرت عليّ أشواق الوطن وعذاباتها .. وخيبت الأمل في انفسنا - كليبيين وكشعب - ومراراتها .. وفاجعتنا في اختفاء شخصيات وطنية مثل شخصية موضوعنا اليوم وعدم قدرتنا على تعويضها واخلافها بقيادات في مستواها ، وما لهذه الفاجعة من ألآم ومعاناة وشجون.

السيد حسين مازق الشخصية الوطنية المرموقة المتميزة الذي اجمع كل من كتب عنه مؤبنا او معزيا أوموثقا اجمع الجميع على وطنيته وحبه للوطن ونزاهته في خدمة الوطن وحرصه على مال ووقت الوطن وتواضعه وانكاره لذاته من أجل الوطن . أثار اشواقي للكتابة عن هذا الموضوع حلول هذه الذكرى ، لأعيد مجددا وأقول :- ما من وصف حميد ذكر به الرجل الا وكان فيه وزيادة ولكن وصفه بأنه وطني محب لوطنه ومخلص له أمر له دلالاته الخاصة في وقت هانت فيه ليبيا على أهلها ورخصت على ابنائها وذلت وأهينت وسحقت بتفريط ابنائها وتخاذلهم . لقد كان حسين مازق وطنيا بعقله وفكره ونظراته الثاقبة وادراكة الشامل لمعنى الوطنية وما يقتضيه الإخلاص للوطن والتفاني في القيام بالواجبات الوطنية - بعقلانية وحسن تدبير- من استحقاقات ومتطلبات والتزامات وتضحيات. كانت وطنية السيد حسين مازق ترتكزعلى حبه لوطنه وانتمائه له ، وتجدّرحب الوطن في وجدانه وعواطفه وقلبه وقد احاط هذا الحب وحفزه بعقل واعي وفكر مستنير ورؤى موضوعية واقعية قائمة على معرفة واطلاع وخبرة عملية في ممارسة الشأن العام الذي تمرّس على مداولتة منذ صباه ، وشمل السيد حسين مازق كل تلك المعاني – في صميم ذاته - بسياج منيع من حسن الخلق والأمانة والنزاهة والعفة والترفّع عن الأطماع .

لقد كان معيار الوطنية في مرحلة مابعد الاستقلال - عند الكثير من الناس في عالمنا العربي – يتمثل في مدى القدرة على المزيادة بالخطابات الجوفاء والإنفعالات الهوجاء العمياء تجاوبا- مع اداعات حكومات الانقلابات العسكرية المستبدة مثل صوت العرب وماعلى شاكلتها من ابواق الدعاية المرجفة المزايدة والتي اثبت الأيام فيما بعد مدى فقدانها للمصداقية وبعدها عن النزاهة والإخلاص .

كان حسين مازق اداريا منضبطا ..وتكنوقراطيا راتبا .. وصاحب قرارا يتوخى الصواب ويجتهد ما استطاع الى ذلك سبيل .. كان قليل الكلام .. يعمل أكثر مما يتكلم .. ولا يتيح لأجهزة الدعاية أي فرصة لتظخيم ما يقوم به من أعمال .. وكان يجتهد في أي موقع يتولى العمل فيه لأثقان عمله في حدود المستوى الإداري لاختصاصاته وفي الحدود الجهوية والأقليمية لمهمته . فعندما كان مدير ناحية ركّز جهده وعمله في حدود المديريات ، ويوم اصبح واليا لبرقة اهتم بولايته واستمات في الدفاع عن مصالحها بكل جدية وحزم ليس انتصارا لأقليم بعينه ولكن أداءا للواجب وكما ينبغي أدائه ، وعندما تولى وزارة الخارجية كان وزيرا لخارجية ليبيا بكاملها بل كان المع واقدر وأكفاء وزراء الخارجية في تاريخ ليبيا بعد الاستقلال على الاطلاق .. وتقلد رئاسة الحكومة فكانت مشاريعه لكل ليبيا من أقصاها الى أقصاها .. أمتد الطريق الساحلي من الحدود التونسية الى الحدود المصرية .. وعمّت وحدات مشروع ادريس للإسكان كافة المحافضات والمتصرفيات والنواحي على اتساع رقعة الوطن . واستفادت البلاد بكاملها من النتائج التي تحققت بتعديل قانون البترول .

وعندما نتحدث عن وطنية حسين مازق لابد وأن نقف عند بعض المحطات والحوادث خلال مسيرته العملية .

ألاستقالة من ولاية برقة :-

عندما انقضى العقد الأول من عمر دولة الأستقلال برزت لكثير من الوطنيين بوادر تحديات ومحادير أضحت تواجه مسيرة الدولة الفتية وتهددها ، تزامنت تلك التخوفات مع احتفالات الذكرى العاشرة للإستقلال ، فدارت حوارات عديدة وكتابات وندوات حول الاستقلال والدولة ونظام الحكم والتحديات التي تواجه البلاد .. وعلت دعوة الى وجوب توخي الحذر والتحوط للمستقبل المجهول والتسلح باليقضة والانتباه للتسيّب والغفلة التي عمّت المجتمع والنخبة ورجال الدولة آنذاك .. فكان عدد من المهتمين بالشأن العام يتسأل الى أي اتجاه تسير دفة سفينة البلاد...,؟ وكيف وأين سيكون مرساها ؟ جرت عدة مناقشات في الجامعة وخارجها كان ابرزها محاضرة الاستاذ عبد المولى دغمان الأستاذ بالجامعة الليبية آنذاك بعنوان استقلالنا في عيده العاشر.. وحوارات أخرى اذكر أن من ضمن المشاركين فيها – على سبيل المثال لا الحصر - طالب الرويعي يرحمه الله وعديدين غيره من المثقفين ، كان الكثيرون آنذاك في انشغال وجزع على مستقبل البلاد. ومن علامات تأزم الأمر في البلاد آنذاك ما يلي:-

1- النتائج السلبية الكثيرة التي انتجتها ست سنوات من تولي البوصيري الشلحي ناظر الخاصة الملكية لمهامه وطبيعته الشاطة المتسمة بالهوج والاندفاع والبعد عن التعقّل والمرعاة .. وتجاوزه في كثير من الأحيان لأحكام الدستور والقوانين .. مستغلا حظوته لدى الملك والعقدة النفسية التي غرسها مقتل والده في نفسية الملك وتصرفاته ، كانت تصرفات السيد البوصيري وبعض من بني السيد ابراهيم الشلحي سببا لكثير من الحرج والارباك الذي اعترى مؤسسات الدولة آنذاك ، وبدل السيد حسين مازق جهدا كبيرا كي يبعد حكومة ولاية برقة عن تأثيرات البوصيري قدر المستطاع ، ولم يلتقي بالبوصيرى منذ سنة 1954م وحتى وفاة الأخير، وكان ذلك التباعد بين الرجلين بسبب الموقف العادل للسيد حسين مازق من موضوع ترحيل عائلات ابناء السيد أحمد الشريف بعد مقتل السيد ابراهيم الشلحي .. ووقوفه الحازم أمام تدخلات البوصيري في شؤون حكومة الولاية . ورغم التجافي الذي كان بين السيد حسين مازق والبوصيري خلال السنوات العشر من عمر الأخير.. رغم ذلك : كان السيد حسين مازق يذكر السيد ابراهيم الشلحي بتقدير واحترام ويصفه بأنه وطني مخلص وصاحب رؤية نافذة وتعقل وحسن تدبير واخلاص للملك والوطن .

أراد السيد البوصير الشلحي - من ضمن ما اراده بالغاء النظام الفيدرالي – التخلص من وجود السيد حسين مازق وموقفه الحازم من أجل تطبيق القانون ومقاومة الإنحراف الاداري والفساد ساعده على ذلك نزاهته ونظافة ذمته وأمانته خاصياته التي لم يستطيع أن يطعن فيهما أى مزايد . كان السيد حسين مازق يعبّر بصراحة أنه من الأفيد للوطن استمرار الحكم الفيدرالي لأسباب موضوعية تتعلق بمصلحة الوطن كله وليس لصالح أقليم بعينه كما يحلو للبعض ان يؤول هذا الأمر برؤية غير سياسية سادجة وسطحية .

ويرى السيد حسين مازق أن النظام الفيدرالي لم يأتي جزافا على غير هدى بل كان اقرارا لواقع البلاد غداة الاستقلال ، وهو واقع يستحيل تجاوزه واذا ثم تجاوزه جزافا سيكون ثمن تجاوزه باهضا .. وقد حدث التجاوز بالوحدة المرتجلة وغير المدروسة فدفع المواطن والبلد ثمنا باهظا لازال الوطن يعيش معاناة دمار ذلك القرار المرتجل خاصة بعد وقوع الانقلاب العسكري سنة 1969م وحتى اليوم .

كانت وجهت نظر السيد حسين مازق : أن ليبيا تكونت كدولة بحدودها وولاياتها لأول مرة في التاريخ بعد الاستقلال .. وأن ولاياتها متباعده تفصلها صحاري شاسعة .. ومساحات الولايات – فضلا عن ذلك - متسعة.. ولم يكن هناك تواصل بين الولايات .. فلايعرف من يقطنون برقة المشاكل الحياتية لأهل طرابلس والعكس صحيح .. ناهيك عن وضعية فزان ، وبالحكم الاتحادي يكون مركز التخطيط ورسم السياسات الأقليمية والمحلية ومركز اتخاذ القرار قريب من المواطنبن وهمومهم مطلع على أحوالهم يعرف مشاكلهم عن قرب وذلك يهئ قدرة أفضل على التخطيط واتخاذ القرار والتنفيذ ، وثمت تحدى أخرمهم يواجه الدولة الحديثة التكوين آنذاك وهو أن روح المواطنهة ما كان لها وجود يذكر في نفسية وذهن المواطن الليبي ، وو جود الدوله والحكومة قريبا من المواطن بحظورها الخدمي والتنموي والتعليمي يغرس في المواطن روح الانتماء للوطن وحب الوطن والاحساس بقيمة الحكومة الوطنية بعد سنوات الاستعمار خاصة اذا وضعنا في الاعتبار أن أول مرة تحكم فيها ليبيا من قبل الليبين كانت باعلان الاستقلال سنة 1951م ، فالمواطن محتاج لحكم وطني قريب منه يتأتر به ويحس بايجابياته فتتعزز بذلك قيمة وجود الدولة في وجدان المواطن وتتعمق . وقد أولى السيد حسين مازق – في هذا السياق - اهتماما خاصا للتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وللمرأة والطفولة وذلك ادراكا منه لقيمة وأهمية المواطن الفرد ووجوب الإهتمام به .. ومن مقضيات ذلك – في نظره - غرس وترسيخ روح الانتماء للوطن وقيمة المواطنة في وجدانه وذهنه باشعاره بأن وجود الدولة والحكومة أمر مهم ومفيد . وبكل تأكيد كانت حكومات الولايات بصلاحياتها الواسعة أقدر على تحقيق ذلك من حكومات الوحدة ذات الطبيعة المركزية ، ويصدق الأمر ذاته على السياسات الأمنية للحفاظ على سلامة الدولة وأمن المواطن من أخطار كانت محدقة وواضحة للجميع وقد تحقق الخطر الذي يخشاه العارفون آنذاك بحدوث الانقلاب العسكري عام1969 م بسهولة تامة وحكومة الوحدة المركزية في عفلة تامة عن ماحدث وما كان لللأنقلاب أن يحدث بتلك السهولة لوكان الحكم الفيدرالي الولائي موجود آنذاك .

2- بعد استقالة حكومة السيد عبد المجيد كعبار رحمه الله أسهم البوصيري الشلحي بقوة في تمكين السيد الحاج محمد بن عثمان الصيد في الوصول الى رأسة مجلس الوزراء وذلك لكون السيد الصيد به كثير من جوانب الضعف تجعله سهل التسيير من قبل البوصيري الشلحي . فوجد البوصيري في السيد الصيد ظالته وكانت فترة حكومته من أطول فترات الحكومات الليبية بعد الاستقلال وأحد أسباب ذلك دعم البوصيري له . والسيد بن عثمان شخص محدود التعليم والقدرات غير مؤهل لهذا المنصب صب جل اهتمامه الى مصالحه وشؤونه الخاصة و حساسيته مع آل سيف النصر حكّام فزان آنذاك فبدل جهد مستميت من موقعه كرئيس حكومة من أجل الغاء ولاية فزان مستفيدا من وجود البوصيري ورغبة شركات النفط الجامحة في الغاء النظام الاتحادى ، ومع ذلك لم يتمكن السيد بن عثمان من تحقيق كل مايريد فقد بقي آل سيف النصريحكمون فزان حتى نهاية عهد الحكم الملكي عام 1969م .

3- بعد اكتشاف النفط وظهور بوادر استثماره كأهم مصدر دخل للدولة قوي نفوذ شركات النفط وأصبح لها دور ملحوظ على مسيرة الدولة من خلال بعض المتعاونين معها من ذوي النفوذ وقد تضايق السيد حسين مازق من استغلال بعض الشخصيات من قبل الشركات بالقدر الذي قد يؤثر سلبيا على سياسات الدولة وادارة شؤونها ، واعتبر ذلك من مظاهر خلل سيؤتر سلبيا على الدولة وينحى بها الى وجهات تضر بمصالح الوطن ، وقد حاول درء ذلك بالنصح والتنبيه صراحة وتلميحا ، وعندما وجد أن الأمر لم يعد محتملا قدم استقالته .. كان ذلك من الأسباب المهمة وراء استقالته من الولاية.

4- تجاوز الملك ادريس مع نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين السبعين سنة من العمر، وسمي السيد حسن الرضاء وليا للعهد ، وهوشخص محدود القدرات والإمكانيات ، وكان رأي السيد حسين مازق أن تسند ولاية العهد للسيد الصديق الرضاء فهو أقوى شخصية و أكفاء وأقدر على هذه المهمة ، هذا فضلا عن كون السيد الحسن غير مؤهلا لذلك على الإطلاق .. ومع تعاظم نفوذ البوصيري وضعف رأسة الحكومة وعدم ادراك رجالات الدولة وأهل الحل والعقد – آنذاك - للخطر المحدق بالبلاد والتأتر العاطفي السادج للرأي العام بين الشباب والنخبة - ( بمن فيهم ابناء السيد ابراهيم الشلحي ) - بمايجري في مصر عقب انقلاب عبد الناصر دون ادراك منهم لكون عبد الناصر وانقلابه من أهم الحوادث السياسية السلبية الضارة بالمصلحة الوطنية الليبية على مستوى الوطن والمواطن . أمام كل هذا وجد السيد حسين مازق نفسه غير قادر على مواصلة مهمته كوالي فكانت الاستقالة.

الاستقالة من رئاسة الحكومة :-

عندما هاجمت الطائرات الاسرائيلة يوم الخامس من يونية 1967م القوات المصرية ، كانت تلك الواقعة هزة عنيفة للمنطقة بأسرها وكان الشارع الليبي غاية في التونر والهيجان، غيرأن هذا التوتر كان مبنيا على جهل مطبق بحقيقة الحكم الناصري في مصر وقدرات جيشه الفعلية على مواجهة اسرائيل ، فلم يكن بوسع أحد – ذلك الوقت - أن يطعن في شخص عبد الناصر ومشاريعه السياسية والحربية في الشارع الليبي ، كان تيارا عنيفا لا أحد يستطيع الوقوف في مواجهته أو حتى مخالفته الرأى. كان السيد حسين مازق رئيسا للحكومة آنذاك وكان الشارع الليبي شارع دهماوي التفكير يصدّق كل مايصدر عن صوت العرب من أقاويل وهي في الغالب معلومات غير صحيحة احيكت من اجل اطراء الزعيم وستر أخطأه وقرارته العشوائية . اقترف عبدالناصر ما اقترف من أخطاء وسوء ادارة للدولة في الحرب والسلم واتهمت جماهير الدهماء المغفلة في ليبيا – ظلما - حكومتها بالتقصير في دعم المعركة هكذا كانت الوضعية . عندما بدأت الاعمال الحربيه صوّرت ألة الاعلام الناصرية تلك الهزيمة الشنيعة نصرا مؤزرا ، وصدّقت الجماهير الواهمة المغرر بها تلك الأخبار المخالفة للحقيقة . غير أن رجال الدولة في ليبيا آنذاك – وفي مقدمتهم رئيس الحكومة حسين مازق - على اطلاع ومعرفة بحقيقة أن القوات الجوية المصرية ضربت في الساعات الأولى – من أول أيام الحرب - وهي جاثمة على مدارج مطاراتها والقوات الأسرائيلية تطارد القوات البرية المصرية المنسحبة من سيناء وتواصل عملية احتلالها بيسر حيث أن قوات عبد الناصر تعاني من ضعف التسليح وسوء التنظيم والإهمال الإداري واللوجستي والتعبوي ، وفقدت القيادة العليا المصرية الإتصال بقواتها المشّردة المبعترة في سيناء ، وتحققت الهزيمة بسرعة فضعية وكيفيه لم تخطر للجماهير الواهمة على بال . وجدت حكومة السيد حسين مازق نفسها أمام ضغوطات هذا الوضع الحرج .. نخبة موهومة سادجة .. وجماهير مغفّلة هائجة خرجت للشوارع تلوم الحكومة الليبية على تقصير لم يحدث منها ..وعلى جرم لم ترتكبه .. وتخادل هي منه براء .. فمصر رغم انها جارة وشقيقة هي في واقع الأمر دولة مستقلة ذات سيادة لايسنطيع أحد أن يفرض عليها مساعدته لها اذا لم توافق هي على ذلك وترتب لاستلام المساعدة ، كان السيد حسين مازق – رغم كل الضغوط والإحراجات – غاية في الثبات والتريث والتعقل والحكمة لم تدفعه تلك الدوامة الى الإرتجال أو اتخاذ أي قرار غير مدروس كان حريصا في تصرفاته متحكّم في انفعالاته لم يندفع لاتخاذ أي قرار تحت ضغوط الشارع مراعيا مصلحة الوطن وسلامته وعدم تعريض البلاد لأي ضرر .. خاصة وأن أي عمل ستقوم به ليبيا – آنذاك - لن يغير شيئا في حجم الكارثه وسلبياتها . وقد بادر السيد حسين مازق باتخاذ كل ماهو ممكن ماديا ومعنويا لتأييد مصر ونصرتها بتنسيق مع من تمكنت الحكومة من الاتصال به في الجانب المصري ، ورغم الربكة والغيبوبة التي كانت فيها الدولة المصرية حتي يوم العاشر من يونية 1967م .

لقد كان السيد حسين مازق في تعامله مع تلك الأزمة وطنيا مراعيا لمصلحة الوطن بوثوق واصرار.. وداعما للمصلحة العربية بعقلانية وتبصّر دون مزايدة أومغالات وتلك عاداته طوال حياته العملية كانسان مسؤل ورجل دولة من طراز نادر. وعندما رأى أن الأمر يقتضي أن يترك رأسة الحكومة قدّم استقالته للمك واعتزل العمل السياسي البثة بعد مايزيد على ثلاث عقود ونيف قضاها في مداولة الشأن العام كان فيها مخلصا ونزيها ومثابرا وكفؤا وفعّالا دون مزايدة أوتباهي.

ملف القواعد الأجنبية :-

من الخطوات الوطنية الجريئة والشجاعة التي أقدمت عليها اول حكومة بعد الاستقلال - برأسة الشخصية الوطنية الرائعة السيد محمود بي المنتصر- توقيع معاهدة القواعد العسكرية مع كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة كان قرار الحكومة آنذاك قرار سياسي عبر عن بعد نظر الحكومة ووثوق موقفها وثقتها بنفسها وادراكها للمصلحة الوطنية وحرصها عليها في تلك الظروف الصعبة التي واجهت دولة الاستقلال، وتشاء الأقدار أن يعود السيد محمود المنتصر مجددا لرأسة الحكومة معضّدا بالشخصية الوطنية الكفؤة والنزيهة السيد حسين مازق وزيرا للخارجية ، وتقرر حكومة السيد المنتصر مناقشة ملف وجود القواعد الاجنبية مع كل من بريطانيا وأمريكا بحكم أقتراب موعد انتهاء مدة الاتفاقيات ، ومع بدية انتاج البلاد للنفط تجاريا فتحقق دخل يغنيها عن مردود عقود استئجار القواعد المالي فتم اعلان ذلك ورتبت الحكومة للشروع في المفاوضات ، وتزامن هذا التحرك مع خطاب القاه عبد الناصر ارجف فيه بتعليق فشله في ادارة وتسيير الأمور في بلاده الى وجود القواعد الأجنبية في ليبيا .. وبعد هذا الخطاب أكدت الحكومة الليبية لحكومة مصر أن ليبيا حريصة على انهاء وجود القواعد .. وانها بصدد التفاوض من اجل انهاء المعاهدات مع الدولتين .. في تلك الاثناء زار وزير الخارجية الليبي السيد حسين مازق القاهرة واستقبل من قبل الرئيس عبد الناصر وفي تلك الجلسة بخظور السفير الليبي السيد محمود الخوجة قال الرئيس عبد الناصر للسيد حسين مازق باللهجة المصرية ( بلاش اتزعلوا الجماعة الأمريكان في موضوع القواعد ذه ) وعندما رد السيد حسين مازق بأن موعد انتهاء المعاهدات قد قرب ولانود أن تستمرالقواعد لأننا لم نعد في حاجة للعائد المالي من وجودها خاصة وانكم عبرتم في خطابكم الأخير بأنها تشكل تهديدا لأمن مصر الجارة والشقيقة فرد الرئيس عبد الناصر بأن ( ذه كلام للإستهلاك المحلي أحسن بلاش اتزعلوا الجماعة واسيبوا موضوع القواعد ذالوقتي ) حمل السيد حسين مازق للحكومة رأي الرئيس عبد الناصر واستمرت الحكومة الليبة في موضوع المفاوضات خاصة وانها من البداية كانت تنوي السير في موضوع التفاوض بهدوء على ان ينجزالأمر بكيفية طبيعية بانتهاء مدة الاتفاقيات في وقتها المتفق عليه تجنبا لدفع أي تعويضات قد تطلبها الدولتان مقابل المنشأت . وقد حاول السيد حسن مازق الادلاء بحيثيات هذه القضية امام ما عرف بمحكمة الشعب - اثناء مرافعته عن نفسه- الا أن هيئة المحكمة منعته من الحديث عن عبد الناصر بطريقة فجة هوجاء تنم عن سداجة هيئة المحكمة وعدم أهليتها.

حاول السيد حسين مازق معالجة ملف اتفاقيات القواعد يتؤدة وتعّقل واضعا في حسبانه ان المعاهدات كانت مع دولتين ترتبط معهما البلاد بمصالح مهمة لاينبغي الاستهانة بها تحت أي ضعط من اطراف خارجية ذات نوايا مغرضة مضادة للمصلحة الوطنية الليبية كنظام عبد الناصر في مصر. تعامل السيد حسين مازق مع ملف المعاهدات - عندما كان وزيرا للخارجية ثم ريئسا للوزراء – تعاملا مسؤلا حرص فيه على المصلحة الوطنية ولم يلتفت للمزايدات الغوغائية المغرضة في الداخل او في دول الجوار كان ذلك بكل وثوق ووكود .

السيد حسين مازق وطني يولي المصلحة الوطنية الليبية أهمية كبرى وأولية مطلقة .. وعربي يؤمن بالتضامن العربي القائم على المصلحة المتبادلة بين الدول العربية على أسس موضوعية وواقعية في اطار الأحترام المتبادل بين الدول ودون تدخّل في الشؤون الداخلية.

و لعل في ثناء محمد حسنين هيكل مؤخرا على السيد حسين مازق ووصفه بأنه صاحب موقف ونزيه - في احاديثه في برنامج ( مع هيكل ) المذاع على حلاقات عبر قناة الجزيرة القطرية : ان في ذلك الثناء والإشادة ردا على من يصفون السيد مازق بالجهوية والأقليمية من الموهومون بالقومية والوطنية على غير هدي والمخدرون بالشعارات الواهمة وغير الواقعية ، هذا مع يقيني أن كلمة شخص مثل هيكل لن تضيف شيئا لقيمة السيد حسين مازق عند بني وطنه الذين يعرفون قيمته ووطنيته حق المعرفة ولاحاجة لهم بشهادة مزايد مثل هيكل والذي سوّق ديكتاتورية عبدالناصر ردحا من الزمن ولازال يسوقها.

كان السيد مصطفى بن عامر- الشخصية الوطنية المرموقة وأحد أهم قادة جمعية عمر المختار- كان يتردد على السيد حسين مازق في منزله ببنغازي قبل عجز الاستاذ نصطفى بفعل المرض . وذات يوم ابدى له تدمّره واستياءه مما يحدث في البلاد من تهميش لأقاليم عديده من الوطن وحرمانها من التنمية والأعمار واقتصار التطوير على مدينتي طرابلس وسرت الأولى من أجل تبييض وجه الحكم أمام الأجانب والثانية لأنها مسقط رأس من بيده قرار الصرف المالي والحكم : فاجابه السيد حسين مازق لقد نبهنا الى امكانية حدوث مثل هذا الأمر منذ زمن ولكن لم تستمعوا لنا آنذاك فأقره السيد مصطفى بن عامر- بتحسر - على ما قال ولكن بعد فوات الآوان .

من ضمن خطط السيد حسين مازق اثناء توليه رأسة الحكومة أنه كان ينوي لواستمرت حكومته لأشهر أن يكلف شخصية وطنية تكنوقراطية مهنية محترمة من قبل الجميع هو الزعيم محمد المنصوري أحد كبار ضباط الأمن ومن المشهود لهم بالكفأة والوطنية والأخلاص وهو أحد أعيان مدينة زوارة وينتمي لأحد العائلات المعروفة بها .. كان ينوي السيد حسين مازق تكليف السيد محمد المنصوري بحقيبة وزارة الداخلية ليحدث تطورا نوعيا في تلك الوزارة غير أن تبعات كارثة 5 يونيو 1967م عصفت بالحكومة فاستقال السيد حسين مازق ولم يتحقق تعيين السيد محمد المنصوري لهذه المهمة وربما لوكان السيد المنصوري وزيرا للداخلية سنة 1969م ما كان ليحدث الانقلاب بالسهولة التي حدث بها ، والسيد المنصوري زواري أمازيغي ليس من ولاية برقة وليس من قبيلة البراعصة .. وهذا دليل مهم على رؤية السيد حسين مازق الوطنية الشاملة التي ترمي لاحتواء الوطن بكليته وليس أقليما بذاته ودون غيره . وقد عين السيد المنصوري عضوا بمجلس الشيوخ واستمر به حتى قيام الانقلاب .. والسيد المنصورى في رأيي جدير بذلك.

أمام محكمة الشعب تحدث السيد حسين مازق بقدر كبير من الإحترام عن السيد أحمد عون سوف ووصفه بانه وطني وأحد أعيان طرابلس وجدير بتعاون الحكومة معه وان كان لايشغل أي منصب رسمي أو يحمل حقيبة وزارية فهو مواطن ليبي وحري بالحكومة أن تطلب العون من أي مواطن ليبي اذا أقتضى الأمر ذلك.

وكذلك الحال عندما تحدث عن الزعيم سالم بن طالب مديرالأمن العام - في ذات المرافعة - وصفه بانه كفؤ ووطني ومحل ثقة ويعرف صلاحياته جيدا وقادر على ادارة أمن البلاد وتطبيق قانون الطوارئ وليس في حاجة للرجوع الى رئيس مجلس الوزراء يوميا لأنه مخولا في حدود مهمته و يتملك الصلاحيات الكاملة التي يقضيها منصبه ومحل ثقة . والزعيم سالم بن طالب أمازيغي من منطقة الجبل الغربي .

كان حديث السيد حسن مازق في مرافعاته امام ماسمي بمحكمة الشعب بارادة ورؤية الوطني الليبي وارادة الزعيم الواثق الرصين الذي يعي المصلحة العليا للوطن ببعد نظر وبرؤية رئيس الحكومة الذي يعتبر كل العاملين في الشأن العام مرؤسيه ومن واجبه حمايتهم ودعمهم ما داموا على الاستقامة والانضباط في أداء الواجب كان حريصا على هذا المبداء حتى بعد خروجه من منصب رأسة الحكومة ووقوفه متهما أمام محكمة الانقلابيين التي تحدث امامها بقوة وثباث .. لم يجرؤ عليهما أحد من الليبيين غيره في وقت ذلت فيه الرؤس وصمتت الافواه وخرست فيه الألسن وذعنت الغالبية لسطوت الانقلابيين ..رحم الله السيد حسين مازق رحمة واسعة .. ولاعقرت ليبيا عن انجاب فحول من امثاله .

بوخزام العناني
boukhzam@googlemail.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home