Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Boukhzam al-Anani
الكاتب الليبي بوخزام العناني

Friday, 9 May, 2008

ذكرى عـصية عـلى النسيان

السيد حسين مازق.. في ذكراه الثانية

بوخزام العـناني

النسيان من لطائف الباري سبحانه وتعالى على خلقه .. لايقل في أهميته عن خاصية التذكر والذاكرة التي أنعم سبحانه بها علينا وجعلها حافظة لما نتعلم في هذه الحياة ، فالله الذي لاينسى ولايغفل ولاينام رحم مخلوقاته بأن جعل من طبيعتها النسيان والغفلة كي تسلو عن من وما تحب عندما يكون بعيدا بفعل صروف الحياة أو عندما تغيّبه يد المنون عن هذه الدنيا غيابا مطلاقا . الا أن بعض من بني الإنسان تبقى ذكراهم آمادا طويلة – بعد غيابهم عن هذه الدنيا - لاتنسى ولاتبلى نيرة تحكي سيرهم الجميلة وخلالهم الرائعة.. باهرة بمكارم اخلاقهم ونبل طباعهم وشمائلهم .. تضوع كما يضوع المسك تزداد طيبا ودكاءا كلما تقادمت بمرور السنين .

ذكرى عصية - حقا- على أن تغفل أوتنسى على من يحب ليبيا الوطن الذي أحبه حسين مازق وتشبّث به والتصق بأرضة مهما قست صروف الدهر وتبدلت أحوال الزمان الى أن ووري جثمانه الطاهر فى ثرى الوطن لتمتزج عظامه وانسجته بتراب الوطن في محبة دائمة وعشق أبدي لا يحدهما حد ولاينقضيان بزمن . فقد أمضى حسين مازق عمره في ليبيا مكث بها طوال حياته لم يغادرها مهاجرا الى بلاد أخرى مع أن الظروف التي مرت بها ليبيا ابان شباب حسين مازق وكهولته أجبرت الكثيرين على شد رحال الهجرة مكرهين ، ولانعني بهذا الاستطراد أن الهجرة أمر مذموم أو معيب فقد أمر الله بها عباده عندما تضيق بهم البلدان تحت سطوة الجور والعسف ، وهي سنة أكرم الخلق الذي كانت هجرته – علية أفضل الصلوات والتسليم – حدث مهم في تاريخ البشرية . وقد عنيت بهذا القول : أن هناك من البشر من لايقوى على فراق الوطن من فرط حبه له فيصبر على أشد أنواع الأذى والظلم والابتلاء اذا كان البديل فراق الوطن وهذا يصدق على حالة السيد حسين مازق .

تمر هذه الايام الذكرى السنوية الثانية لرحيل السيد حسين مازق لأحضى مجددا بالكتابة عن هذه الشخصية الوطنية المهمة .. فعندما انتويت الكتابة عن هذا الرجل العظيم تداعت أمامي العديد من الخواطر والأفكار حول شخصيته وسيرت حياته فوجدت نفسي في حيرة من أمري من اين ابتدي واين انتهي .. وزاد من احتياري أنني لست من أرباب القلم ولا فرسان البيان فلا تنصاع لي الكلمات بيسر وتذلل وامتثال كما يحدث مع الكتاب المحترفين ، ولذلك نحوت في كتابتي الى تدوين خواطري الشخضية ليس بلغة الباحت أو المؤرخ وانما بلغة عشق الاوطان والترنم بمعان محبتها والاشتياق لها ولذكريات ايام جميلة خلت عشناها في ربوعها ولاتزال ذكرها حية وجميلة في النفس .. وعند الحديث عن مثل هذا الرجل الكريم الخلق الذي رحل عنا منذ عامين فاننا نذكر علما مهما من أعلام تلك الحقبة الجميلة من تأريخ الوطن . ومع الحجر المفروض على ارشيف الدولة الليبية والوثائق الرسمية تظل الكتابة مسألة ليست باليسيرة لأن المعلومات الموثقة الصحيحة هي أساس الكتابة الموضوعية العلمية النزيهة . وكون الواجب يقتضي أن لاتمر مناسبة كهذه دون ذكر أو اشادة - لتبقى هذه الذكرى العزيزة حية وحاضرة بقوة في وجدان الأمة خاصة فئة الناشئة من الليبيين - رايت أن يكون تناولي لهذا الموضوع على النحوالذي ذكرت ولوتوافرت معلومات موثقة من واقع ارشيف الدولة ومن مصادر موثوقة سأعود - بمشيئة الله تعالى - لتناول هذا الموضوع ليس بعبارت الشجون والخواطر فحسب بل ستكون معززة بحقائق ووقائع التأريخ الموضوعية التي تحكي سيرة وتاريخ رجل الدولة المتميز السيد حسين مازق رحمه الله.

في وقت أضحت فيه النزاهة والعفة وطهارة اليد ومكارم الأخلاق مسائل مدعاة للتندر والسخرية والاستخفاف - في مجتمعنا - وصارت السرقة والنهب والاعتداء على المال العام والارتشاء وفساد الذمم نياشين تعلق على صدور مرتكبيها ينالون بها الحضوة والتبجيل ويقدمون على انهم من وجهاء المجتمع وصفوته حيثما حلوا لانهم يملكون أموالا طائلة وحسب .. لايهم من أين أكتسبوها أو أغتصبوها أو سرقوها.. في وقت سادت فيه هذه القيم حري بنا أن نذكر شخصية مثل حسين مازق وزملاءه من رجال دولة الاستقلال الذين لم نعرف قيمتم الا بعد فوات الآوان للأسف الشديد . أولائك الرجال الذين كانوا واقعين وعقلايين وموضوعيين يخشون المسؤلية ويهابون الحق العام ويخلجون ويستحون عندما تبدر منهم أي أخطاء حتى في سياق اجتهادتهم لآداء الواجب العام .

عندما كتبت خواطري حول السيد حسين مازق بعد وفاته مباشرة وفي ذكراه الأولى فوجئت بكم هائل من الرسائل الألكترونية والمكالمات الهاتفية من العديد من الليبيين نساءا ورجالا جمعيهم شاطروني الرأي فيما قلت حول الرجل وأضافوا على ماقلت المزيد . أذكر مثالا واحدا مما ورد :- فمنهم من قال " صحيح انه زعيم سياسي من طراز فريد ولكنه فوق ذلك هو رجل دولة نادر المثال" . – أوردت هذا سبيل المثال فقط ، فالمجال والوقت لايسمحان بسرد نصوص كل ما ورد – وصف حسين مازق بالزعيم والسياسي والدبلوماسي والوجيه والاداري والتكنوقراط والأب والأبن البار ووصف بأنه متميز في كل هذه الصفات ، ومن أهم ما أسترعاني في شخصية هذا الرجل أنه عندما كان يتقلد المناصب التي تقلدها لم يظهر جبروت السلطة وسطوة الحكم في سلوكة وتعامله مع من حكمهم ، بل كان لين مجامل متواضع لطيف ، ولم يفقده لينه – آنذاك - الحزم والجدية فكان مجاملا دون أن يضيّع حق .. ومتواضع في غير انكسارأوذل ودون أن يتساهل في واجب ، ولطيف في غير ضعف أو تهاون . أعتبره بعض من جهلوه انه ضعيف هياب يتفادى المواجهة ويتحاشى المواقف المحرجة ويتجنّب احراج الأخرين معتقدين أن ذلك راجع الى ضعف في شخصيته ، ولم يهدهم تفكيرهم الى ان حسين مازق رجل حفيظ الجناح خافت الصوت عندما كان معززا بقوة السلطة وسطوت الحكم غير أنه بدا شامخا قويا امام الجميع في موقف - لم يقوى عليه سواه – عندما أضحى مثقلا بالقيود وكابوس قفص الاتهام الكئيب - ليبين على رؤس الأشهاد ومن خلال شاشات التلفزيون وبعد مغادرته لكرسي راسة الحكومة بخمس سنوات - ليبين للجميع – دون مزايد أو استكبار – قوة الرجال وعزيمة الأفذاد في مواطن قد يتفهم فيها ضعف من يضعف امام نوائب الدهر وتقلباته خاصة في الوضعية التى حكم بها رجالات العهد الملكي بعد انقلاب سبتمبر 1969م.

أمام ما عرف بمحكمة الشعب - وبجفوة وصلافة هيئتها بشقيها - وفي عنفوان انعماء الليبين وجهلهم بترهات وأراجيف صغار العسكر، في تلك الفترة العصيبة الكالحة وقف حسين مازق في قفص الاتهام وكأنه واقف وراء مكتبة برأسة الحكومة ليقول كلمته بقوة وثبات منصفا لعهد الاستقلال والحرية .. وفيا لوطنه ومليكه ودستوره وزملاءه .. مسجلا بذلك ضربا من ضروب الرجولة والفحولة بل الزعامة التي لاتزول ولا تنتهي بترك المنصب السياسي .. تاركا - بذلك - وصمة على وجه حكم الانقلاب لاتمحى أبد الدهر.

من ضمن ما أردت بهذه الكلمات الموجزة الاجابة على بعض من تساؤلات وملاحظات قراتها أو سمعتها من بعض من علقوا على ماكتبت ، حاولت أن اسديها بين الأسطر وفي ثنايا الكلمات أمل أن يدركها من عنيت ، لأني لم ارد الرد المباشر خاصة وأن من عنيت على قدر كبير من المعرفة والعقل و يكفيهم التلميح دون التصريح .

بوخزام العـناني
boukhzam@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home