Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali Ben Zaidan
الكاتب الليبي علي بن زيدان

Friday, 11 May, 2007

نجـٌك لي يا عكازي

حسين مازق الأنسان في ذكرى رحيله الأولى

علي بن زيدان

مررت بشحات ساريا ـ احد المرات - فوصلتها وقت السحر رأيتها ـ آّنذاك ـ متألقة لزائرها غيداء ساحرة.. وروضة غناء ..يكتنفها الحسن من شتي النواحي.. تزدان باخضرارها اليانع الغض المنساب على السفح ليلتقي عند اقدام الجبل بشاطئ البحر وقد غمره الافق بضباب ندي خفيف البس الطبيعة حلة رمادية تنقشع مع امتداد خيوط أشعة الشمس وقد كست سطح مياه البحر بلون ذهبي امتزج مع زرقة البحر و غمر سفح الجبل ليجلي بنوره بهجة الصباح فيغدوالسفح أكثر اخضرارا وتزداد لجة البحر زرقة فتنبتق من هذا التلاقي لوحة فنية رائعة تصور عرسا زاخرا للطبيعة الساحرة يعطره أريج الفل والياسمين ورائحة الصنوبر والشماري فيستنشق المرء هواءا عليلا ممتزجا بأريج الازهار وهي تضوع بعبق البكور مع تنفس الاصباح التدئ. ويمتد ذاك المنظر البهيج الرائع نحو الشمال الشرقي ليكتنف سوسة الرئعة لتحاكي رأس الهلال الجميل الحاضن الشرقي لذلك المكمن الجمالي الأخاذ .. شحات، سوسة وراس الهلال ثلاثة جواهر في عقد جمالي فريد وبديع. في هذه الرياض الرائعة والطبيعة الرائقة الملهمة ترعرع المرحوم حسين مازق، فاكتسب من تلك الطبيعة الكثير من السمات والمزايا:ـ فكان فيه من هدوئها هدؤ الطبع والصمت وحسن الاستماع ورجاحة العقل والاتزان.. ومن طلاقتها وانشراحها:ـ سعة الصدر وبعد النظرواتساع الافق ووضوح الرؤى والصبر الجميل،ومن بحرها الازرق العميق بعد الغور والتكتم وحفظ الاسرار وصونها والاصطبارعليها ، ومن جمالها الرائع الاناقة وحسن الهندام والنظام ورتابة الاداء ورفق المسلك والمعشر ، ومن نداءتها وطلاوتها رقة المشاعر وجم الادب والتواضع الطبيعي ولين الجانب والجناح الخفيظ .هكذا كان حسين مازق مزيج جمع ما بين ما حباه الله به من استعدادات ومواهب وما رسخت تلك البئة فيه من شمائل وخلال .
من أروع ما تسمع في شحات ـ حكاية يرددونها أهلها عن سيرة فتى كان يشاهد مع والده الضرير في شوارع المدينة وأسواقها وأزقتها مطلع عشرينات القرن العشرين، فتا غضا ممشوق القوام حسن الوجه يحمر حياءا عندما يتحدث الى الناس .. كان خفيظ الصوت بنبرات قوية وواثقة تنم عن اعتداد بالنفس واعتزاز بالذات ، يسير بمحادات والده وأحيانا يتقدمه قليلا الى الأمام ليوجهه ذات اليمين أو ذات الشمال .. منتبه تمام الانتباه لما يصدر عن والده من كلمات ليحيب على الفور بتذلل وامتتال ( حاضر يا باتي ) فيرد الوالد بنبرة قوية وصوت رخم فيه أمتنان ورضى ( نجك لي ياعكازي ) والعكاز هو العصا التي قال عنها موسى عليه السلام هي عصاى أتوكاء عليها وأهش بها على عنمي ولي فيها مأرب أخرى، فالعكاز ( أو العصاه ) للأنسان الضرير تعتبر كل شئ ..و حسين مازق ( الفتى ) كان لوالده ـ آنذاك كل شئ ـ . حبا الله المرحوم حسين مازق برضاء الوالدين كليهما فكان ـ ذلك ـ له نبراسا أضاء له الدرب.. وواجاءا حقق له الحفظ والسلامة ..وكسبا هيأ له السكينة والطمانينة والرضى بما قدره الله . كانت الآمهات في شحات يتغنين لأطفالهن في مراحل الطفولة ـ مرحلة المهد ـ ,, بما يعرف بالترجيب ,, يعددن مناقب الفتئ حسين مازق نجابته ونباهته وأدبه وبره بوالديه .. ويتضرعن الى الله أن يكبر الوليد ويصير رجلا كحسين مازق بكل ماله من سجايا ومناقب .. ويمضين في هذا السياق لتصبح سيرة حسين مازق تحكى لمن وصل سن الدراسة من أطفال شحات لشد همهم لتلك المناقب وتشجيعهم لبلوغها.. فكان حسين مازق نجيبا متابرا مجتهدا تواقا للنجاح والتفوق والتالق مما دفع سلطات المستعمر اًٌلإيطالي الى حرمانه من الدراسة في بداية اللمرحلة الأبتدائية وذلك تبعا لما درجت تلك السلطات من اعاقة تألق أي طفل ليبي وانطلاقه في مجال التحصيل العلمي امعانا في تحطيم الليبين واعاقتهم عن التأهل والتقدم العلمي .كان حسين مازق في طفولته مثال يحتدى وقدوة لجيله ، وعندما بلغ مبلغ الرجال كان رجل دولة من طراز فريد ـ وصفته مخابرات دولة مجاورة بالعقدة الصماء لأنه حير خبرائها بسلوكه وأداءه الرصنين ـ ، وفوق كل ذلك كان ـ رحمه الله ـ في كل حياته بين عموم الناس أنسان بكل ماتعني كلمة الأنسانية .
اليوم يشرف المرء بمعاودة الكتابة عن هذ الزعيم الوطني المتميز في ذكرى رحيله الأولى وكان ألأمل أن يكون في متناول اليد شئ من أرشيف الولاية أو أرشيف وزارة الخارجية أو رأسة الوزراء أبان تولي المرحوم حسن مازق قيادة هذه المرافق ولكن حالت الحوائل دون ذلك .. فمالم يدرك كله لايترك كله ، الواجب يقتضي أن لاتمر هذه المناسبة دون مقال ، والحديث عن دولة الأستقلال ورجالها حديث ذو شجون خاصة عندما يكون عن شخص السيد حسين مازق .
حسين مازق والى برقة الأوحد الذي تولى الولاية منذ تكون النظام الاتحادي مع الاستقلال حتى انتهاءه باعلان الوحدة سنة 1963م . فكان موفقا الى حد كبير في تسيير الولاية واستيعاب استحقاقات تلك المرحلة واحتواء مشاكلها.. بقبائلها وعائلاتها.. بواديها وحضرها.. سعاديها ومرابطيها.. حرابيها وجبارنتها ..حدودها الشرقية .. علاقتها بولاية طرابلس ..علاقتها بالحكومة الأتحادية .. العلاقة بالديوان والقصر والحاشية.. كل هذه العوامل كانت تشكل تحديا كبير لمن يتولى مهمة والي برقة آنذاك .. وكان لحسين مازق بمواصفاته الخاصة وكفاءاته المتميزة وخبرته العملية ومعرفتة بالولاية وأهلها ومصداقيتة ومشروعيته عندهم كان له الدور الأكبر في استقرار الولاية وانسياب سياق ادارة شؤنها .
وصف السيد حسين مازق بأنه متواضع بطبيعته يزين تواضعه تودد وبشاشة يبدى ذلك بعفوية لايشوبها التكلف والمجاملة المفتعلة فيسبي قلوب من يقابلهم بهذا الخلق الأنساني الرفبع .. تراه سائر بهدوئه المعهود في أحد شوارع بنغازي فيستوقفه فتية على ناصية الشارع مخاطبينه ( بسي حسين) فيقف مع الصبية ويتحدث اليهم ويبدي لهم كل الأهتمام ويجيب على أسئلتهم بصبر وتفهم . حدثني أحد شباب بنغازي بأنه دخل في مشاجرة في أحد الأماكن العامة بالمدينة وتدخلت قوات ألأمن وأوقف هذا الشاب على ذمة التحقيق وعندما أخذت أقواله تبرم من شدة الاجراءات وقال للمحقق ( اليوم بعد تعاملكم هذا معي شعرت أني غريب في وطني وأني لست مواطن ينتمي لهذا الوطن) وانتهى التحقيق وعاد الشاب الى حياته العادية وبعد يومين استدعي الى مقر جهاز ألأمن في بنغازي واستقبله أحد مسؤلي الجهاز وبادره بالقول ان حسين بي مازق والي برقة أستاء كثير من أن يشعر مواطن ليبي بأنه غريب في وطنه ولازال متأثر من قولك للمحقق وأصدر لنا تعليمات مشددة بأن نسترضيك بكل الممكن ولن يهداء له بال الا بعد أن يطيب خاطرك .. هذ حكاية سمعتها من الشخص نفسه خمس سنوات قبل وفاة السيد حسين مازق .. وبعد سماع خبر وفاة السيد حسين مازق اتصلت بأحد الليبين وهو طريح الفراش يعالج باحد المستشفيات بالخارج وأخبرتة بوفاة السيد حسين مازق أجابني بجزع شديد خسارة خسارة خسارة ، وعندما قلت له قل انا لله وانا اليه راجعون، بادرني بالقول,, أنه رجل عنده تواضع عجيب .. قابلته أربع مرات وهو رئيس للوزراء وأنا متصرف لمتصرفية نأئية فكان يستقبلني عند باب مكتبه ويجالسني مجالسة الند مقابل لي على كرسي الضيف وليس من وراء مكتبه وعند التوديع يصحبني حتى باب المكتب .. ويستطرد ذات الرجل فيقول بعد انتهاء الحكم الملكي مضت عشرون سنة لم أذهب الى بنغازي، ولكن كان في نيتي لوزرت بنغازي أول شئ أقوم به زيارة حسين مازق وعند ما زرت بنغازي أول عمل قمت به بعد وصولي الى الفندق أخذت تاكسي وطلبت منه أن يوصلني الى سكن حسين مازق، وعند وصولي الى بيته سألوني من أنت فقلت فلان فادخلت على الفور ، وقادني مرافقي الى غرفة نومه فوجدته طريح الفراش يحاول الاستفاقة من المخذر بعد عملية أجريت له على قدمه .. ورغم التخدير ورغم عقدين من الزمان ورغم ما طراء من أحداث تذكرني حسين بي وسلم بكلتي يديه وذكرني بمناسبات التقيت بها معه ومواضيع أنا نسيتها وهو مازال يذكرها رحمه الله" .. انتهى كلام الرجل ..
أوردت هاتين الحكايتين لأني سمعتهما من صاحبيهما مباشرة وهما لازالا على قيد الحياة ـ سلمهما الله ـ ولو أراد المرء أن يورد حكايات من تعاملوا مع حسين مازق لدون مجلدات عن سيرة هذالرجل العظيم .. لم يعرض حسين مازق نفسه على الجمهور من خلال صندوق الأقتراع ولم يعد الجماهير بشئ قد يضطر للاخلاف به ، لكنه تقلد هذه المراكز بكفاءة واقتدار.. بحرص ونزاهة واستقامة وكأن وراءه ناخبين يخشى محاسبتهم ، غير ان ضميره وحرصه على مصالح الوطن كان أقوى من رقابة الناخبين عليه ..حسين مازق شخص متواضع ولكنه في ذات الوقت عزيز النفس حريص على كرامته .. صامت قليل الكلام ولكنه اذا تكلم فحجته قوية مقنعة ..مرن يحسن الموازنة وتحقيق التوافق ولكنه حازم اذا عزم على أمر ما واقتنع به .. كان مجاملا للناس يواسيهم في ماماتهم ويشاركهم مناسباتهم السارة عندما كانت ظروفه الصحية تسمح بذلك .
لقد تحدثت في مناسبة سابقة عن حسين مازق الزعيم المتميز واليوم أردت ـ في هذه العجالة الحديث عن حسين مازق الأنسان .. كما عرفه أهل شحات وسوسة وبنغازي وكما عرفه الكثير من الليبيين وهو يتقلد أرفع المناصب السياسية السيادية في دولة الاستقلال هذا قدر من واجب تجاه الوطن أبتداءا.. وتجا رجل يعتز الوطن بانتمائه اليه .

رحم الله حسين بي مازق رحمة واسعه وأسكنه فسيح جناته .

عـلي بن زيدان
ميونخ بافاريا 11 مايو 2007م
alibenzeidan@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home