Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Abdelsalam al-Tarhouni
الكاتب الليبي الدكتور علي عبدالسلام الترهوني

Friday, 13 April, 2007


Dr. Ali al-Tarhouni

الحقائب : أمة فقدت رشدها

د. عـلي الترهـوني

ولدت في يوم ما لا أعرفه وبعد ولادتي اهديت الى مجموعة من الحقائب الجميلة، ترعرعت مع حقائبي، حملتها معي اينما ذهبت، وكلما نسيتها - وهي مرات قليلة - كان دائما احد بجواري يذكرني بحملها والاهتمام بها والحفاظ عليها. قيل لي ان حقائبي هي انا اذا نسيتها فأنا كمن نسى نفسه... قيل لي انها هويتي.
شعرت بطمأنينة اكثر عندما اكتشفت ان جميع ابناء وبنات طائفتي الجميلة يحملون نفس الحقائب ومع مرور الزمن تعودت لا شعوريا ان احافظ على حقائبي... فولدت لدى ألفة نحوها مثل ألفة كل طائفتي الجميلة.
كنا نتغنى ونحتفل بحقائبنا... كان ناظر المدرسة وشيخ الجامع وسلطان الامر يقيمون احتفالات بمناسبات مختلفة... ما هو مشترك بينها اننا نتغنى بحقائبنا. كان جموع البشر في تلك الاحتفالات يعددون مناقبي واهمية وروعة وتاريخ وقداسة حقائبي. ياحاكم الامر.
قيل لي وزرع في ذهني ونفسي في ان لا افتح حقائبي... تربيت على هذا القانون. لك ان تحملها، تتلمسها، تفاخر بها ولكن لا تفتحها. لماذا! لان ما بداخلها لا يحتمل الهواء والشمس، ولكن لماذا! لان فتحها يعرضها للطحالب والجراثيم التي سرعان ما ثلوتها. كيف يا مولاي!؟ الله اعلم.
تعودت ان احمل حقائبي وان كنت لا افتحها، وعبر السنين سمعت قصصا مرعبة عن عدد محدود من "المارقين" من ابناء طائفتي الذين تمالكهم الفضول ففتحوا بعض حقائبهم... ماذا وجدوا بها! ما هو نوع ورائحة الاشياء التي اكتشفوها عندما تجرأوا على فتح حقائبهم، وماذا فعل الله بهم؟
هنا تنتهي قصة هؤلاء الشواذ، وما تلى ذلك كان غامضا عما حصل لهم... قصص وروايات في اغلبها تتناقل بنوع من الهمس، وحتى هذا الهمس لا يحدث في بستان طائفتنا. يقال أن هذا اللغو يحدث في مقاه بعيدة عنا، وكل ما اعرفه ان هؤلاء لم يعودوا جزءا من طائفتنا.
تربيت علي ان لا افتح حقائبي...
كان الهلع والخوف يمتلكني عندما يمر بذهني مجرد خاطرة ان افتح أحدى حقائبي...
كان لي صديق اسمه حسن، كان وسيم الخلق ممتع اللقاء، نشأنا معا نلعب لعب الاطفال وننسج خيال المستقبل في لحظات زهونا، وعندما تخمد الحياة في قريتنا، كنا نصعد الى حافة الجبل ونجلس نحدق في السماء والقمر، ونرمي الحجارة في البحيرة الراكدة... كنا نتهامس بريبة في بعض الاحيان عن حقائبنا. تبدو متماثلة لكن لونها يختلف. كان ذلك مصدرا للقلق فيما بيننا، لكن مع مرور الزمن وبراءة الطفولة تعودنا على قبول اختلاف حقائبنا.
ياحاكم الامر أذكرك بأن حسن من طائفة اخرى.
تعودنا على ان نرمي الحجارة في البحيرة الراكدة، وننسج خيال المستقبل اكثر اثارة واهمية من الحديث عن اختلاف حقائبنا... اكتشفت بأنه مثلي ممنوع من فتح حقائبه.
تعودت على ان اعتمد عليه كصديق، وتعودت عليه كرفيق، وكأبن قريتي يحمل همومها وطيف خيالاتها ومستقبلها.
تحدثنا عن احلام مستقبلنا في ضوء قمر يضيء جنان قريتنا، ولكن وككثير من صداقات الطفولة ابتعدنا، ومع مرور الوقت كقطرات ماء في نهر افترقنا.
نشأت قوي الخلق والاخلاق مبرزا في طائفتي، وانتخبت لان اذهب الى بلاد الفرنجه... أعجبتني بلاد الفرنجه يا حاكم الامر. رأيت فيها انهارا تحمل كل الحروف الابجدية.
رأيت فيها طرقا ومصانع وضوءا لا يخمد.
رأيت فيها مساجد، وكنائس، ومواقع يعبد فيها الناس الحياة والخالق.
رأيت فيها اصرار وشغفا لمعرفة مدارات القمر والشمس، ومجرات الحياة التي لا نعرفها.
رأيت فيها بشرا يحملون الملح.
رأيت فيها قوة المال.
رأيت فيها الوانا مختلفة متساوية ولا تتساوى.
رأيت فيها عائلة واطفالا يعرفون ما يحمله يومهم الثاني.
ولكن بهجتي لم تستمر... اكتشفت لهلعي ان حقائبهم في اغلبها مفتوحة، وأن جموعهم لا تبالى أن حقائبهم مفتوحة... ازداد اضطرابي عندما اكتشفت أن الناس في بلاد الفرنجه يفتحون حقائبهم علنا ويتحدثون عنها في الميدان العام... رأيتهم يناقشون ويسخرون من محتويات حقائب بعضهم البعض.
سارعت الى حاكم الامر في مدينتي... هو مني وانا منه... شخص عطوف يحمل في داخله قيم طائفتي، اكثر مني علما ووجاهة، له معرفة بأمور الفرنجه، فقد عاش بينهم فترة اطول، يعرفهم بدقة، فهو يعيش على اعانتهم، لا يعمل، يقضي وقته في مفاندتهم، هو عالم يقف بشجاعة في اكبر ميادينهم يفند محتوى حقائبهم ويعيش علي اعانتهم.
سألته: كيف ينسجم فتح الحقائب مع العلم والزهر؟
نظر الي بوداعة العالم " صحيح يابني أن لديهم طرق وأرصفة ومعرفة، لكن حقائبهم خالية. الان وقد فتحوا حقائبهم فكيف يدلون خارطة الطريق... نحن لم نفتح حقائبنا، وما زلنا نمتلك خارطة الطريق، فعد الى طائفتك وحدثهم عن خارطة الطريق".
شعرت بالسكينة، فقد اجاب مولاي على كل اسئلتي ومن ثم عدت الى طائفتي.
وقفت في ميدان طائفتي وأعلنت انتمائي... تحدث عن اصلي وتاريخي واحلامي... خطبت بقوة وعزيمة حتي انتفضوا من الخوف حذرا لما تبقى من الازهار في بستاني... تحدث عن بلاد الفرنجة وكيف أن حقائبهم مملوءة بالطين فارغة. أنا الان أعرف... أملك القوة والوحي.. انتم انا وانا انتم... فبقية البشر منحاها سواد الليل والاثم... انا انتم صفاء الخير والقوة والفخر ورؤية مستقبل لا يعرفه البشر.
امتلأت نشوة بايماني ونظافة حقائبي، وانحنى البشر امامي لقوة معرفتي.
اصبحت الناطق الرسمي باسم الحق في طائفتي، لا اهتم بمصحات وطرق ومراكز علم، فتلك بدع خلقتها الفرنجه لتخمد مشاعر الناس، وتلهيهم عن فراغ حقائبهم.
اعطيت فتوى أن يحجب القمر عن عذارى طائفتي خوفا من الشفق.
وفي يوم تنادت طائفتي لامر لم يكن واضحا لجموع البشر.لاشاعة ان أحدا تجرأ للاعتداء على احدى حقائبنا.. كان يوما مثل بقية الايام، تحبو فيه السلحفاة الى رزقها اليومي، فالامور في بلدي في غالب الايام تمضي كقافلة تبحث عن الرقيق والماء... كان يوما باهتا تصلي فيه الشمس جذور حبات السلفيوم والعرق، كان يوما تمنع فيه الطفلة كالعادة من ان تستشم وترى لون وعطف ورائحة مستقبل الحياة... كان يوما عاديا يختصم فيه العسكر على ملكية الماء.
تنادى القوم الي، رفعت عزتي وخنجري وسيفي ومأساتي... كنت مبتهجا، انا الزعيم القائد المحتكم... كلهم ينظرون الي نظرة المترقب، نظرة القط الباحث عن ملجأ... أنا أقودكم، انا الحل، أنا من يحمل حقائب وقيما.
في ذلك اليوم من اجل سبب لا أعرفه، قتلت صديق طفولتي حسن... مددت يدي وانتزعت قلبه مختلجا، وغطيت قميصي بدمائه مبتسما، وبصقت على حقائبه... ابتسمت طائفتي واحتفلت بقتل عدو كان قابعا في أضلعنا، يحمل لنا الموت وخطر فتح حقائبنا... انا الان احمل في داخلي الموت والعدم.
ياحاكم الامر:
الان وقد قتل حامل الحقائب صديقه حسن مبتسما...
كيف ياخالق الناس يقتل في بلدي الناس الناس؟
كيف يا خالق الخلق يقتل الخلق في بلدي الخلق؟
هل يا ترى في يوم أنت و أنا نرى في وطني قمرا مبتسما ينحني ليحمل قصيدة شعر غزلتها فتاة من مطر ربيع الى عاشقها؟

عـلي الترهوني


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home