Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdelmajid al-Sghayer
الكاتب الليبي الدكتور عبدالمجيد الصغيّر

Sunday, 2 September, 2007

محكمة أمن الدولة :
انتكاسة كبيرة لأحلام الانفراج على صعيد الحقوق السياسية

د. عـبدالمجيد الصغيّر

جميع الذين انخرطوا في السنوات الأخيرة في الحديث والحوار حول حقوق الإنسان في ليبيا، واختلفوا ما بين متفائلين رحبوا ببعض الخطوات الخجولة التي تمت على هذا الصعيد، ومتشائمين لم يروا في تلك الخطوات إلا تلاعباً على جوهر القضية والتفافاً على أبعادها الحقيقية، جميع أولئك لم يكن يغيب عن أذهانهم أن القوانين التي تمثل العائق الأكبر أمام حدوث أي انفراج ذي معنى في هذا المجال، أي القانون رقم 17 لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية، وقرار مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة الصادر في 11/12/1969 ما زالت نافذة وسارية المفعول، ومن ثم فإنهم لم ينفكوا يؤكدون على قناعتهم الراسخة بأن الخطوة الأولى الضرورية في أي طريق نحو تحقيق أي انفراج على صعيد الضمانة الحقيقة لحقوق الإنسان السياسية: حق الرأي والتعبير والعمل السياسي السلمي، لابد أن تكون خطوة إلغاء هذين القانونين، الذين يجعلان مجرد امتلاك المواطن رأياً مختلفاً عن رأي العقيد القذافي (الذي بات هو ذاته ما يسمى الثورة) جريمة يعاقب عليها بما ينص عليه القانونان من عقوبات تبلغ بالفعل حد عقوبة الإعدام.

ولقد اتجه من أسميناهم المتفائلون إلى استقبال أي بادرة، ولو كانت ضئيلة وخجولة، على صعيد إعادة النظر في ملف حقوق الإنسان وما حفل به من انتهاكات لكافة الحقوق الأساسية للمواطن، بنوع من الترحيب، من منطلق الأمل في أن تقود تلك البادرة إلى بوادر أخرى تتلوها وتؤكدها، عسى أن نصل في النهاية، ولو بعد حين، إلى انتهاء عصر "الجريمة السياسية" عندما نعيش لحظة صدور قرار من العقيد القذافي أو قانون من أي جهة مخولة بالتشريع، حسب نظام سلطة الشعب، بإلغاء هذه القوانين المجرمة للرأي السياسي المخالف، والمترصدة لأي قول أو فعل من المواطن، كي تصدر حكمها بأنه من الأفعال أو الأقوال المضادة للثورة، فتطبق عليه بنود ذلك القانون سيئ السمعة، الذي تتسع عباءته، كما فصلها ذلك الفقيه القانوني الذي قام بصياغته، لتشمل كل كلمة أو همسة أو حتى سانحة تخطر ببال المواطن، وكل لقاء يجمعه مع أكثر من شخصين، ومن ثم توجه إليه الاتهام، وتباشر نحوه مختلف أصناف الملاحقة، التي كثيراً ما تنتهي بالمواطن المتهم إلى أقبية السجون، حيث يجد ما رصدت له زبانية النظام من أصناف العذاب والمعاملة المهينة، وربما فقد حياته تحت التعذيب، أو صدر ضده حكم بالإعدام، بدون محكمة ولا قاض، ونفذ الحكم فيه تنفيذا علنياً يبث على شاشة التلفاز.

وقد أدى بروز سيف الإسلام على الساحة السياسية في ليبيا، وما صدر عنه من تصريحات ومواقف، تدين تلك الممارسات المضادة لحقوق الإنسان، إلى إنعاش تلك الآمال بتحقق بعض الانفراج على هذا الصعيد. والحقيقة إن تصريحات سيف الإسلام كانت تحمل الكثير من المعاني المهمة الجديرة بالتوقف عندها، وخاصة حديثه شديد اللهجة عن "محكمة الشعب" و"المحاكم الثورية"، التي قال عنها إنه "ما أنزل الله بها من سلطان"، ثم حديثه عن مختلف الانتهاكات التي تمت بالفعل ضد حقوق الإنسان في الماضي، وتأكيده على ضرورة أن يتم إغلاق تلك الملفات، وما أحرز على صعيد الفعل من تقدم في هذا المضمار، من قبيل إطلاق سراح مساجين سياسيين، وتعويض عدد منهم، والسماح لهم بالعودة إلى أعمالهم السابقة، كل ذلك ساعد على إنعاش الآمال والأحلام في نفوس المتفائلين حول إمكانية حدوث اختراقات متتالية في هذا المجال، عسى أن يحدث من خلالها تراكم في الخطوات لا يعود من السهل التراجع عنه، وعسى أن تظل الأمور تسير إلى الأمام في هذا الاتجاه، حتى تبلغ غاية الطريق وهي التي لا يختلف الجميع، من متفائلين ومتشائمين، على أنها ينبغي أن تكون إنهاء ما سميناه "عصر الجريمة السياسية"، ومن ثم فتح السبيل لبداية عصر جديد، يكون عنوانه بالفعل وبالقانون كفالة حقوق الإنسان السياسية، وهو ما لا يتحقق إلا بإلغاء التشريعات النافذة التي تجرم الرأي السياسي، وتعاقب عليه.

ولكننا نفاجأ بدلاً من ذلك بهذا القرار الجديد الذي ينص على إنشاء محكمة ونيابة أمن الدولة المختصتين بالنظر في الدعاوى الناشئة عن الجرائم الواردة في قانون تجريم الحزبية و قرار حماية الثورة. وهو ما يمثل بكل المقاييس انتكاسة فاجعة ومؤلمة لتلك الآمال التي كان البعض يعلقونها على ما تم من إجراءات، مثلت بالفعل إنجازاً على صعيد حقوق الإنسان، وعلى ما صدر عن سيف الإسلام من أقوال وتصريحات لها علاقة بهذه المسألة. فها نحن أولاء نشهد تراجعاً مؤلماً عن قرار إلغاء محكمة الشعب، بإنشاء محكمة ونيابة "أمن الدولة"، ونشهد انتكاسة كبيرة للآمال التي كنا نعلقها على رؤية ذلك اليوم الذي نسمع فيه عن قرار إلغاء تلك القوانين البشعة؛ إذ نجد هذا القرار الجديد يعيد التأكيد، لمن عساه كان قد غفل أو نسي أو أراد أن ينسى، أن القوانين المجرمة للرأي والعمل السياسي ما زالت نافذة وقائمة وفعالة، وما زالت سيفاً مسلطاً على رقاب من له رأي أو يجرؤ حتى على التفكير في أن يكون له رأي.

ولكن سؤالاً مهماً يرد على الذهن، ولا نملك إلا نعبر عنه بالصيغة التالية: هل تبادر نيابة أمن الدولة برفع دعوى ضد المهندس سيف الإسلام معمر القذافي، بسبب أقواله وتصريحاته التي هي بكل المعايير تختلف عن رأي معمر القذافي، ومن ثم فهي تقع تحت طائلة مواد قانون حماية الثورة؟ أم أن هذه النيابة سوف تقتصر على مباشرة اختصاصها ضد المواطنين العاديين الذين لا يملكون الحصانة التي يملكها سيف الإسلام؟

وفي الختام نظن أن العقيد القذافي، بصدور هذا القرار، يغلق بيديه أي احتمال لأن يكون عنصراً من عناصر حل الأزمة الليبية، إذا ما بلغ الدرجة المطلوبة من رؤية الحق، والحد الضروري للاعتراف به والعودة إليه، ونراه يكرس بنفسه تلك القناعة بأنه هو ذاته الأزمة، ومن ثم فلا يكون ثمة أمل في حل إلا باختفائه من الساحة.

ومع ذلك فطالما ظل العقيد القذافي على قيد الحياة، وطالما ظل يملك بيده مقاليد الأمور وسلطة القرار، فسوف تظل أمامه الفرصة سانحة ومفتوحة لأن يختار لنفسه أي الطريقين هو الأمثل له: أن يكون جزءاً من الحل أو يكون هو الأزمة.

د. عبدالمجيد الصغير
2 سبتمبر 2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home