Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الجمعة 28 ديسمبر 2011

الحلقات ( من 1 إلى 24 )

الحلقة 25 الحلقة 26

فقه القدوم على الله تعالى (26)


د. عـلي محمد الصلابي

الفصل الثالث

البعث والحشر وأهوال يوم القيامة وأحوال الناس 

المبحث الرابع: الحساب والميزان والحوض والصراط: 

سادساً: اقتصاص المظالم بين الخلق:

في ذلك اليوم يُقتص للناس بعضهم من بعض، فالحساب شامل لظلم العبد نفسه، وظلمه لغيره من الناس، وما أعظم خيبة الذي وقع في ظلم الناس، لأن القصاص يومئذ لا يكون بالمال ولا السجن ولا غير ذلك، بل يكون بالحسنات والسيئات([1])، قال تعالى:" وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" (طه ، آية : 111).

ــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه قدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"([2]).

ــ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار([3]).

ومن كمال عدل الله تعالى في ذلك اليوم أنه يقتص للبهائم بعضها من بعض([4])، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق: الأنس والجن والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل القصاص بين الدواب حتى تقتص الشاة الجماء من القرناء بنطحها فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني تراباً، فتكون تراباً، فيراها الكافر فيقول:" يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" (النبأ ، آية : 40)([5]).

1ـ عظم شأن الدماء: من أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله تبارك([6]) وتعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب، هذا قتلني، فيقول: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: أي رب، إن هذا قتلني، فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه"([7]).

ــ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماء فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش"([8]).

2ـ أول ما يقضى بين العباد في الدماء: ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"([9])

سابعاً: الحوض:

قال تعالى:" إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" (الكوثر ، آية : 1، 3).

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى([10]) إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ"بسم الله الرحمن الرحيم. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير عليه حوض تَرِد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فُيختلج([11]) العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك([12]). فقوله (عليه حوض) يدل على أن الحوض يتفرع من النهر، ويدل الحديث ـ أيضاً ـ أن الحوض موجود في عرصات يوم القيامة قبل دخول الجنة، لقوله: فيختلج العبد منهم ... وهذا لا يكون في الجنة، لأنهم في الجنة لا يمنعون من شيء يشتهونه([13]). وقد جاءت الأحاديث النبوية في بيان حوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله عز وجل به وهو في عرصات القيامة، وهو غير الكوثر، بل الكوثر يكون مدداً له والذي يتخلص في صفته أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر، وماؤه أشد بياضاً من اللبن والورق، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وكيزانه عدد نجوم السماء، ترد عليه أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرطهم عليه من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً([14])، ولقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة اللذين يردون على حوضه واللذين يُذادون عنه، فيمنعون من الشرب منه، فمن تلك الأحاديث:

1ـ عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن حوضي لأبعد من أيْلَة([15]) من عدن([16])، والذي نفسي بيده إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه، قالوا: يا رسول الله وتعرفنا؟ قال: نعم، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم"([17]).

2ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم إرتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أرى يخلص منهم إلا همل النعم"([18]).

3ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض من مر عليّ شرب، ومن لم يشرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي"([19]).

وقال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله صلى الله عليه وسلم: هل تدري ما أحدثوا بعدك، المراد به على أقوال:

أ ـ إن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيمة التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.

ب ـ إن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن عليهم سيمة الوضوء لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.

ج ـ إن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع بهؤلاء الذين يذادون بالنار يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب([20])، ونقل هذه الأقوال، أو قريباً منها، القرطبي وابن حجر رحمهما الله تعالى([21]).

ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فأقول أصحابي) أو (أصيحابي) ـ بالتصغير ـ وفي بعضها يقول:( سيؤخذ أناس من دوني) فأقول: يا ربي مني ومن أمتي، وفي بعضها يقول( ليردن عليّ أقوال أعرفهم ويعرفونني([22])) وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب([23]).

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله:" إنهم ارتدوا على أدبارهم" أو الإحداث في الدين كما في قوله:" إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"([24])، فمقتضى ذلك هو أن يذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب، أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة، وهذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم([25]).

فالذود عن الحوض إنما هو بسبب الردة أو الإحداث في الدين والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تصدى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم، فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك أهل البدع كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أشد الناس إنكاراً عليهم، لهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤوا منها ومن أهلها([26])، وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم وقوة إيمانهم وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب من رماهم بالردة والإحداث في الدين والذود عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته ولا يشكل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليردن عليّ ناس من أصحاب الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني([27])، فهؤلاء هم من مات النبي صلى الله عليه وسلم وهم على دينه ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قيائل العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء في علم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته، ولذا يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على ادبارهم القهقري([28])، فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيراً من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم، وهؤلاء المرتدون لا يدخلون في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح الصحبة إذا ما أطلق، فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام([29]).

فاللهم أرزقنا شربة هنيئة مريئة من حوض النبي صلى الله عليه وسلم لا نظمأ بعدها أبداً.


([1]) المصدر نفسه صـ343.

([2]) البخاري، ك المظالم رقم 2317.

([3]) مسلم، ك المظالم رقم 2317.

([4]) اليوم الآخر في القرآن العظيم صـ344.

([5]) أخرجه الحاكم بإسناد صحيح، اليوم الآخر المطيري صـ344.

([6]) اليوم الآخر القيامة الكبرى للأشقر صـ240.

([7]) صحيح الجامع الصغير (6 / 324) رقم 7885.

([8]) صحيح الجامع الصغير (6 / 324) رقم 7887.

([9]) جامع الأصول لابن الأثير (10 / 436) رقم 7968.

([10]) أغفى: أي نام نومة خفيفة، أو نعس.

([11])الاختلاج: الحركة والاضطراب.

([12]) مسلم رقم 53 شرح النووي (4 / 112).

([13]) اليوم الآخر في القرآن العظيم صـ360.

([14]) اللباب في شرح العقيدة على ضوء السنة والكتاب د. محمد الزبيدي صـ286.

([15]) أيلة: مدينة على بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل هي آخر الحجاز وأول الشام.

([16]) العدن: باليمن.

([17]) مسلم على شرح النووي (3 / 136).

([18]) أي فلا يرد الحوض إلا القليل، لأن الهمل من الإبل قليل بالنسبة لغيره.

([19]) مسلم، ك الفضائل (4 / 1793).

([20]) شرح صحيح مسلم (3 / 136 ، 137).

([21]) المفهم للقرطبي (1 / 504)، فتح الباري (11 / 385).

([22]) الروايات في البخاري، ك الرقاق، فتح الباري (11 / 463).

([23]) الانتصار للصحب والآل صـ354 للرحيلي.

([24]) مسلم، ك الفضائل، إثبات الحوض (4 / 1792 ـ 1082).

([25]) شرح النووي على صحيح مسلم (3 / 137)

([26]) السنة لعبد الله بن أحمد (2 / 420) علي بن أبي طالب للصلابي صـ684.

([27]) البخاري رقم 6582.

([28]) مسلم، ك الفضائل (5 / 1796).

([29]) الإصابة في تمييز الصحابة (1 / 7).

 


الحلقات ( من 1 إلى 24 )

الحلقة 25 الحلقة 26

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home