Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

السبت 27 فبراير 2010

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

الإيمان بالله جل جلاله (31)

 

د. عـلي محمد الصلابي

 

2ـ الشرك الأصغر: وهذا النوع لا يخرج صاحبه من الملة ولكنه ينقص من توحيده، وهو وسيلة للشرك الأكبر وهو ينقسم إلى نوعين: ظاهر وخفي.

أـ فالظاهر: مكون من ألفاظ قولية وأفعال عملية، فمن الألفاظ الحلف بغير الله، وقول الإنسان لولا الله وأنت أو هذا من الله ومنك ما شاء الله وشئت، فإن هذا يقتضي المساواة بين الله وبين العبد، وهذا محال، ولكن الصحيح ألا يحلف إلا بالله عز وجل، وأن يقول لولا الله ثم أنت أو هذا من الله ثم منك وما شاء الله ثم شئت.

ومن الأفعال، لبس الحلقة والخيط وتعليق التمائم خشية العين، أو الجن فمن فعل ذلك معتقداً أنها سبب يستدفع بها البلاء وأن الدافع للبلاء هو الله وحده فقد أشرك شركاً أصغر، وإذا فعل ذلك معتقداً أن هذه الأشياء تدفع البلاء بعد نزوله أو تمنعه قبل حلوله فقد أشرك شركاً أكبر حيث أعتقد شريكاً مع الله في الخلق والتدبير[1].

ب ـ وأما الخفي من الشرك الأصغر: فهو شرك الإرادات، والمقاصد والنيات، وذلك مثل الرياء، والسمعة، ومثال ذلك أن يعمل المسلم عملاً الأصل فيه أنه لله تعالى، ثم بعد ذلك يدخل فيه شئ من الرياء أو السمعة، فيريد من الناس الثناء عليه، كأن يقرأ مسلم القرآن لله تعالى وتقرباً له، وعندما يرى الناس تنصت له يُلحن في صوته ابتغاء الثناء عليه، أو يتصدق إنسان بمال لكي يُمدَحَ ويثنى عليه، أو يحسن الرجل صلاته التي يتقرب بها إلى الله لما يرى من نظر الناس إليه، وغير ذلك من الأعمال والعبادات التي تصرف لله تعالى، وإلا لو صرفـ ابتداءً لغير الله لأصبح ذلك شركاً أكبر يخرج من الملة، ولكن بعد البدء فيها يدخل عليه حب المدح والثناء على فعله وعبادته وعاقبة الرياء الذي يخالط العمل هو إبطال أجر وثواب هذا العمل، قال تعالى: " فَمَن ; كَانَ  َيرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف ، آية : 110)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال الرياء[2].

إن الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى به شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته وهذه هي الحنيفية، ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام وهي ملة إبراهيم عليه السلام[3].

والعبد المؤمن يخشى على نفسه من الرياء وأن تصير أعماله هباءً منثوراً، فقد قال الله تعالى عن أقوام: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا" (الفرقان ، آية : 23).

وقال الفضيل في هذه الآية: " وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات[4].

وقريب من هذا أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره، ويستهوِن به فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى: " وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ" ( النور ، آية : 15).

وقال بعض الصحابة، إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبوقات[5].

وأصعب من هذا من زين له سوء عمله فرآه حسناً قال تعالى: "ُقلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف ، آية : 104 ـ 105).

قال سفيان بن عيينة لما حضرت محمد بن المنكدر الوفاة جزع فَدَعوا له أبا حازم فجاء فقال له ابن المنكدر: إن الله يقول: "وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"، وأخاف أن يبدوا لي من الله ما لم أكن احتسب، فجعلا يبكيان جميعاً، فقال له أهله: دعوناك لتخفِّف عليه فزدته فأخبرهم بما قال[6]، وقال الفضيل بن عياض أُخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل له: أنت أنت ومن مثلك؟ فقال: مه، لا تقولوا هذا، لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: " وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"[7]. وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية، ويلٌ لأهل الرياء من هذه الآية، وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، العالم، والمتصدِّق، والمجاهد[8].

وكذلك من عمل أعمالاً صالحة وكانت عليه مظالم فهو يظن أن أعماله تنجيه فيبدو له ما لم يكن يحتسب فيقتسم الغرماء أعماله كلها ثم يفضل لهم فضل فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار[9].

وقد يناقش الحساب فيُطلب منه شكر النعم فتقوم أصغر النعم فتستوعب أعماله كلها وتبقى بقية النعم فيُطالب بشكرها فيعذَّب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من نوقش الحساب عُذِّب أو هلك"[10].

وقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله أو أعمال جوارحه سوى التوحيد، فيدخل النار وقد يحبط العمل بآفة من رياء خفي أو عُجُب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه[11]. قال ضيغم العابد، إن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران،، هم الدنيا وشقاء الآخرة، فقيل له: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدنيا ويدأب؟ فقال: كيف بالقبول، كيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح عمله يُجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه ومن هنا كان بعض الصالحين يقلقون من هذه الآية "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" (المائدة ، آية : 27).

ولذلك فالمسلم لا يثق بكثرة العمل، لأنه لا يدري يقبل منه أم لا، ولا يأمن ذنوبه فإنه لا يدري هل كفَّرت عنه أم لا؟ لأن الأعمال مُعَيَّبة عن العبيد لا يدرون ما الله صانع بهم[12].

ومن تأمل هذا حق التأمل أوجب له الخوف والخشية والقلق، فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة من الموت والقبر وأهوال البرزخ وأهوال الموقف، كالصراط والميزان وأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله عز وجل ودخول النار، ويخشى على نفسه الخلود فيها بأن يُسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئاً من هذه الأمور ، قال تعالى: " فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" (الأعراف ، آية : 99).

قال الشاعر:

                أما والله لو علم الأنام

                                                لِمَا خُلقوا لما غفلوا وناموا

                لقد خلقوا لما لو أبصرته

                                                عيون قلوبهم تاهوا وهاموا

                ممات ثم قبر ثم حشر

                                                وتوبيخ وأهوال عظام

                ليوم الحشر قد عملت رجال

                                                فصلوا من مخافته وصاموا

                ونحن إذا نهينا أو أمرنا

                                                كأهل الكهف أيقاظ نيام[13]

3 ـ الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:

ـ الشرك الأكبر يخرج صاحبه من الإسلام بخلاف الشرك الأصغر.

ـ الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، أما الشرك الأصغر فإنه يحبط العمل الذي خالطه فقط.

ـ الشرك الأكبر يبيح الدم والمال، والشرك الأصغر ليس كذلك.

ـ الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، أما الشرك الأصغر فلا يخلد صاحبه في النار وإن دخلها.

ـ الشرك الأكبر يوجب المعاداة وقطع الموالاة فلا يجوز موالاته مهما كانت قرابته، أما الشرك الأصغر فلا يقطع الموالاة على الإطلاق، وإنما يوالي بقدر ما لديه من التوحيد ويعادي بحسب ما فيه من الشرك[14].

4ـ آثار الشرك:

إن الشرك الذي يقع فيه الإنسان له آثاره الوبيلة في دنياه وآخرته، سواء أكان الواقع فيه فرد أم جماعة فمن تلك الآثار:

ـ إطفاء نور الفطرة.

ـ القضاء على منازع النفس الرفيعة.

ـ القضاء على عزة النفس ووقوع صاحبه في العبودية الذليلة.

ـ تمزيق وحدة النفس البشرية.

ـ إحباط العمل[15].


[1] عقيدةى أهل السنة والجماعة للقحطاني صـ142.

[2] مسند الإمام أحمد (5/428).

[3] العقيدة الصافية صـ406.

[4] المحجة في سير الدُّلجة لابن رجب الحنبلي صـ90.

[5] البخاري، ك الرقائق (7/187).

[6] صفوة الصفوة (2/167) ابن الجوزي.

[7] المحجة في سيرة الدلجة لابن رجب صـ92.

[8] المصدر نفسه صـ93.

[9] المصدر نفسه صـ94.

[10] البخاري، ك الرقائق (7/197).

[11] المحجة في سير الدلجة صـ96.

[12] المحبة في سير الدلجة صـ98.

[13] المحجة في سير الدلجة صـ101.

[14] عقيدة أهل السنة والجماعة صـ 143.

[15] فقه النصر والتمكين صـ 203.

 

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home