Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi

د. عـلي محمد الصلابي

Sunday, 22 June, 2008

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

           
           
           
                                      

السيـرة النبوية (43)

الدكتور عـلي محمد الصلابي

دعائم دولة الإسلام في المدينة
المبحث الثالث
الوثيقة أو الصحيفة

ثالثاً: موقف اليهود في المدينة:

5- طعن اليهود في من آمن من الأحبار (عبد الله بن سلام) رضي الله عنه:

عندما بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكل أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خبرني بهن آنفا جبريل» قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقه ماؤها كان الشبه لها» قال: أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» فقالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه(1) فكانوا يؤذون من آمن من أحبارهم، ويثيرون حولهم الشكوك، ويقذفونهم بتهم باطلة قبيحة، وقد حدثنا القرآن الكريم عن هذه الوسيلة ودافع عن هؤلاء المؤمنين الذين وجه اليهود ضدهم تلك الحملات الظالمة(2) قال تعالى: ( لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ` يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ` وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ).آل عمران: 113-115.

قال الواحدي في أسباب النزول: «قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن أسعد، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود، قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا لما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره، فأنزل الله تعالى ( لَيْسُوا سَوَاءً )(3).

6- بث الإشاعات والشماتة بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين:

كان اليهود يتحينون الفرص للنيل من المسلمين والبحث عما يفرق كلمتهم، ومن ذلك استغلالهم- في الأشهر الأولى من الشهر- لوفاة أحد النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة وهو أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي رضي علي عنه فعندما أخذته الشوكة(4) فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: «بئس الميت ليهود – مرتين – سيقولون: لولا دفع عن صاحبه، ولا أملك له ضراً ولا نفعاً، ولأتمحَّلنَّ (5) له» فأمر به فكوي بخطين فوق رأسه(6) فمات وفي رواية: فكواه حوران(7) على عنقه فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس الميت لليهود، يقولون: قد داواه صاحبة أفلا نفعه»(8). ولم تكن حادثة أبي أمامة هي الحدث الوحيد الذي أبان الحقد اليهودي على المسلمين، فقد أشاعوا في أول الهجرة أنهم سحروا المسلمين فلا يولد لهم ولد، أشاعوا ذلك ليضيقوا على المسلمين الخناق، ويفسدوا عليهم حياتهم الجديدة التي عاشوها في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعكروا ذلك الجو الصافي الذي يملؤه الحب والتآلف بين المسلمين، ومما يدل على مقدار ما فعلته تلك الإشاعة بين المسلمين، شدة الفرحة التي اعترتهم حيث ولد بينهم أول مولود ذكر من المهاجرين وهو عبد الله بن الزبير رضي علي عنه (9) فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أنها حملت بعبد الله بن الزبير في مكة قالت: فخرجت وأنا مُتِمٌّ فأتيت المدينة فنزلت قباء، فولدت بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له فبرّك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام، ففرحوا به فرحاً شديداً، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم(10).

وفي رواية: «وسماه عبد الله، ثم جاء بعد وهو ابن سبع أو ابن ثمان سنين ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأمره الزبير رضي علي عنه بذلك، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه مقبلاً وبايعه، وكان أول من ولد في الإسلام بالمدينة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت اليهود تقول: قد أخذناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد ذكر، فكبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد عبد الله»(11).

7- موقفهم من تحويل القبلة:

تكاد تكون حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة هي الفاصل بين الحرب الكلامية وحرب المناوشات، والتدخل الفعلي من جانب اليهود لزعزعة الدولة الإسلامية الناشئة(12)، فعن البراء بن عازب رضي علي عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال: أخواله، من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلي أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك(13) وقد نزلت في هذه الحادثة آيات عظيمة فيها عبر وحكم ودروس للصف المسلم، قال تعالى: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ` وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ` كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ` فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) البقرة: 149-152.

أ- أخبر الله تبارك وتعالى بما سيقوله اليهود عند تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة من إثارة الشكوك والتساؤلات قبل وقوع الأمر، ولهذا دلالته فهو يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ هو أمر غيبي، فأخبر عنه قبل وقوعه ثم وقع، فدل ذلك على أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول ونبي يخبره الوحي بما سيقع، إذ من الأدلة على صدق رسالة الرسول أن يخبر بأمور غيبية ثم تقع بعد ذلك.

وهو يدل أيضاً على علاج للمشاكل قبل حدوثها حتى يستعد المسلمون ويهيئوا أنفسهم لهذه المشاكل للتغلب عليها، والرد عليها ودفعها؛ لأن الامر حين يكون مفاجئا لهم يكون وقعه على النفس أشد، ويربك المفاجأ به، أما حين يحدثون عنه قبل وقوعه، فالحديث يطمئنهم ويوطن نفوسهم ويعدها لمواجهة الشدائد(14) قال أبو السعود في تفسيره: «وأخبر بالأمر قبل وقوعه لتوطين النفوس وإعدادها لما يبكتهم، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد، والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أرد» (15) وقد وصف الله تعالى اليهود بالسفه لاعتراضهم على تحويل القبلة وللكيد ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو السعود: «والسفهاء الذين خفت أحلامهم، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر وقولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسيج، وقيل: السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم، وقيل: الظلوم الجهول، والسفهاء هم اليهود»(16).

ب- ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) البقرة: 143.

فالآية تذكر أن الصلاة نحو بيت المقدس كانت فتنة، أي اختبار، والتحول من بيت المقدس إلى الكعبة كان أيضاً اختباراً وامتحاناً قال البيضاوي في تفسيره: «وما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا لنمتحن به الناس، ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه، أو لنعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، وما كان لعارض، يزول بزواله، وعلى الأول معناه: ما رددناك إلى التي كانت عليها إلا لنعلم الثابت على الإسلام ممن ينكص على عقبيه لقلة وضعف إيمانه»(17).

فالصلاة إلى الكعبة في بداية الأمر، ثم الصلاة إلى بيت المقدس، ثم العودة إلى الكعبة واستمرار ذلك لا شيء فيه، ما دام الباري سبحانه أمر بذلك، ومن ثم فالتوجه في كل حالة هو عبادة، وما على الناس إلا أن ينقادوا لأمر الله تبارك وتعالى، ويلتزموا بأمره، فالذي يتبع الرسول وينقاد لأوامره في القبلة يعد فائزاً في الاختبار والامتحان، والذي يجد في نفسه على حكم من الأحكام الشرعية كان ساقطاً وهالكا، والإيمان الحق هو الذي يلزم صاحبه بالاتباع ومخالفة الهوى(18)، ولهذا ثبت الصحابة الكرام واستجابوا لأوامر الله تعالى، فعن ابن عمر رضي علي عنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يسقتبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلي الشام فاستداروا إلى الكعبة(19).

جـ- ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) البقرة: 143.

وتبين الآية الكريمة كذلك حرص المؤمنين على إخوانهم وحب الخير لهم: حينما نزلت الآيات التي تأمر المؤمنين بتحويل القبلة إلى الكعبة تساءل المؤمنون مشفقين على مصير عبادة إخوانهم الذين ماتوا، وقد صلوا نحو بيت المقدس، فأخبر الله عز وجل أن صلاتهم مقبولة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما وُجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس(20)؟ فأنزل الله: ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) البقرة: 143. وبين لهم أنه رءوف رحيم «وبها يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة، ويذهب عنها القلق ويفيض عليها الرضا والثقة واليقين»(21).

د- ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ` وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إذا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ` الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ` الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ` وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة: 144-148.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يتوجه في صلاته إلى كعبة أبيه إبراهيم عليه السلام، فهو أولى الناس به؛ لأنه من ثمرة دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام، وحامل لواء التوحيد بحق كما حملها إبراهيم عليه السلام، وهو صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يكون مستقبلا ومتميزا على أهل الديانات السابقة الذين حرفوا وبدلوا وغيروا كاليهود والنصارى؛ ولهذا كان ينهى عن تقليدهم والتشبه بهم، بل يأمر بمخالفتهم ويحذر من الوقوع فيما وقعوا فيه من الزلل والخطل والانحراف، ومقتضى هذا الحرص أن يتوجه في صلاته بشكل دائم إلى قبلة أبي الأنبياء، وهو أول بيت وضع للناس(22).

إن لحادثة تحويل القبلة أبعاداً كثيرة: منها السياسي: ومنها العسكري، ومنها الديني البحت، ومنها التاريخي، فبُعدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور الأحداث، وبعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبعدها العسكري أنها مهدت لفتح مكة وإنهاء الوضع الشاذ في المسجد الحرام، حيث أصبح مركز التوحيد مركزاً لعبادة الأصنام، وبعدها الديني أنها ربطت القلب بالحنيفية، وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان(23).

هـ- ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ` وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ` كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ` فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) البقرة: 149-152.

كأن الله تعالي يقول للمؤمنين: إن نعمة توجيهكم إلى قبلتكم، وتمييزكم بشخصيتكم من نعائم الله عليكم، وقد سبقتها الآلاء من الله كثيرة عليكم ومنها:

* ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ ) فوجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المربين والدعاة، هو من خصيصة هذه النخبة القيادية، التي شرفها الله تعالى بأن يكون هو المسئول عن تربيتها، فقيه النفوس، وطبيب القلوب، ونور الأفئدة، فهو النور والبرهان والحجة.

* ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) فالمادة الأساسية للبناء والتربية كلام الله تعالى، وكان يرافقه شحنة عظيمة لنزوله أول الأمر غضًّا طريًّا، فكان جيلاً متميزاً في تاريخ الإنسانية.

* ( وَيُزَكِّيكُمْ ) فالمعلم المربي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المسؤول عن عملية التربية، وهو الذي بلغ من الخلق والتطبيق لأحكام القرآن الكريم، ما وصفه الله تعالى به من هذا الوصف الجامع المانع الذي تفرد به من دون البشرية كافة ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم: 4 وهو الذي وصفته عائشة رضي الله عنها بأعظم ما يملك بشر أن يصف به نبي فقالت: «كان خلقه القرآن» فكان الصحابة يسمعون القرآن الذي يتلى من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرون القرآن الذي يمشي على الأرض متجسداً في خلقه الكريم.

* ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) فهذه المهمة الثالثة تعليم الصحابة الكرام الكتاب والحكمة، فالقرآن الكريم لكي يكون مؤثراً في الأمة لا بد من المربي الرباني الذي يزكي النفوس ويطهر القلوب ويعلمها شرع الله تعالى من خلال القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فيشرح للمسلمين غامضه ويبين محكمه، ويفصل مجمله، ويسأل عن تطبيقه، ويصحح خطأ الفهم لهم إن وجد، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلِّم ويربي أصحابه لكي يعلموا ويربوا الناس على المنهج الرباني فتعلم الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهج التعليم، ومنهج التربية ومنهج الدعوة، ومنهج القيادة للأمة من خلال ما تسمع وما تبصر، ومن خلال ما تعاني وتجاهد فاستطاع صلى الله عليه وسلم أن يعد الجيل إعداداً كاملاً، ومؤهلاً لقيادة البشرية، وانطلق أصحابه من بعده يحملون التربية القرآنية، والتربية النبوية إلى كل صقع، وأصبحوا شهداء على الناس.

* ( وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) ماذا كانوا قبل الوحي، والرسالة وماذا أصبحوا بعد ذلك؟ كانوا في حروب وصراع وجاهلية عمياء، وأصبحوا بفضل الله ومنه وكرمه أمة عظيمة لها رسالة وهدف في الحياة، لا همَّ لها إلا العمل ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى، وحققوا العبودية لله وحده، والطاعة لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم وانتقلوا من نزعة الفردية والأنانية والهوى إلى البناء الجماعي، بناء الأمة، وبناء الدولة وصناعة الحضارة واستحقت بفضل الله ومنه أعظم وسامين في الوجود(24): ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) آل عمران: 110 ووسام ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) البقرة: 143.

* ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) البقرة: 152 فهذه المنن، وهذه العطايا وهذه الخيرات تحتاج لذكر الله في الغدو والآصال وشكره عليها، وحثهم المولى عز وجل على ذكره، وبكرمه يذكرون في الملأ الأعلى بعدما كانوا تائهين في الصحاري ضائعين في الفيافي.

* ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) البقرة: 152 وحقَّ لهذه النعم جميعاً أن تشكر(25).

وهكذا، الآيات الكريمة تربي الصحابة من خلال الأحداث العظيمة، وتصوغ الشخصية المسلمة القوية التي لا ترضى إلا بالإسلام ديناً والتي تعرفت على طبيعة اليهود من خلال القرآن الكريم، وبدأت تتعمق في ثناياها طبيعتهم الحقيقية، وانتهت إلى الصورة الكلية النهائية التي تربوا عليها من خلال القرآن الكريم والتربية النبوية قال تعالى: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) البقرة: 120.

عـلي محمـد الصلابي
Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

(1) البخاري، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم (6/362، 363) رقم 3329.
(2) انظر: الصراع مع اليهود (1/59).
(3) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص114.
(4) الشوكة: حمرة تعلو الوجه والجسد.
(5) أتمحلن: أي لأحاولن له في حيلة يشفى بوسطتها، انظر: النهاية (4/303).
(6) انظر: مستدرك الحاكم، كتاب الطب، (4/214) صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على تصحيحه
(7) حوران: هي كية مدورة من حار يحور إذا رجع، وحوره إذا كواه هذه الكية وتسمى حوراء أيضا، انظر النهاية 1/459.
(8) انظر: مصنف عبد الرزاق (10/407) رقم 19515.
(9) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/265).
(10) البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود (9/587) ومسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود (3/1619).
(11) انظر: الحاكم في مستدركه، كتاب معرفة الصحابة، (3/548) صحيح على شرط الشيخين.
(12) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/258).
(13) البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة رقم 40.
(14) انظر: الصراع مع اليهود (1/102).
(15) انظر: تفسير أبي السعود (1/171).
(16) نفس المصدر (1/170).
(17) انظر: تفسير البيضاوي نقلا عن الصراع مع اليهود (1/101).
(18) انظر: الصراع مع اليهود (1/101).
(19) انظر: تفسير ابن كثير (1/337).
(20) انظر: سنن الترمذي (5/208) رقم الحديث 2964.
(21) في ظلال القرآن: م1ج2/131: 133.
(22) انظر: الصراع مع اليهود (1/100).
(23) انظر: الأساس في السنة (1/440).
(24) انظر: التربية القيادية، (2/438: 442).
(25) انظر: التربية القيادية، (2/442).


           
           
           
                                      

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home