Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi

د. عـلي محمد الصلابي

Tuesday, 22 April, 2008

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

           
           
           
                                      

السيـرة النبوية (39)

الدكتور عـلي محمد الصلابي

الفصل السابع
دعائم دولة الإسلام في المدينة

خامسًا: فوائد ودروس وعبر:

1- المسجد من أهم الركائز في بناء المجتمع:
إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المسجد ووحيه(1).
قال تعالى: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة: 108].
قال تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ ` رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ` لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [النور: 36-38].

2- المسجد رمز لشمولية الإسلام:
أ- حيث أنشئ ليكون متعبداً لصلاة المؤمنين وذكرهم الله تعالى وتسبيحهم له، وتقديسهم إياه بحمده وشكره على نعمه عليهم، يدخله كل مسلم، ويقيم فيه صلاته وعبادته ولا يضاره أحد، ما دام حافظاً لقداسته ومؤدياًّ حق حرمته»(2).
ب- كما «أنشئ ليكون ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه والوافدين عليه، طلباً للهداية ورغبة في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته»(3).
ج- وهو قد أنشئ ليكون جامعة للعلوم والمعارف الكونية والعقلية والتنزيلية، التي حث القرآن الكريم على النظر فيها، وليكون مدرسة يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم وثمرات عقولهم، ومعهدا يؤمه طلاب العلم من كل صوب، ليتفقهوا في الدين ويرجعوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين، داعين إلى الله هادين، يتوارثونها جيلاً بعد جيل(4).
د- وهو قد أنشئ ليجد فيه الغريب مأوى، وابن السبيل مستقراً لا تكدره منَّة أحد عليه فينهل من رفده ويعب من هدايته ما أطاق استعداده النفسي والعقلي، لا يصده أحد عن علم أو معرفة أو لون من ألوان الهداية، فكم من قائد تخرج فيه، وبرزت بطولته بين جدرانه، وكم من عالم استبحر علمه في رحابه، ثم خرج به على الناس يروي ظمأهم للمعرفة، وكم من داعٍ إلى الله تلقى في ساحاته دروس الدعوة إلى الله فكان أسوة الدعاة، وقدوة الهداة، وريحانة جذب القلوب شذاها فانجفلت تأخذ عنها الهداية لتستضيء بأنوارها» (5)
وكم من أعرابي جلف لا يفرق بين الأحمر والأصفر، وفد عليه فدخله ورأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله هالة تحف به، يسمعون منه وكأن على رؤوسهم الطير، فسمع معهم وكانت عنده نعمة العقل مخبأة تحت ستار الجهالة، فانكشف له غطاء عقله، فعقل وفقه، واهتدى واستضاء، ثم عاد إلى قومه إماماً يدعوهم إلى الله، ويربيهم بعلمه الذي علم، وسلوكه الذي سلك فآمنوا بدعوته، واهتدوا بهديه، فكانوا سطراً منيراً في كتاب التاريخ الإسلامي»(6).
هـ- وهو «قد أنشئ ليكون قلعة لاجتماع المجاهدين إذا استنفروا، تعقد فيه ألوية الجهاد، والدعوة إلى الله، وتخفق فيه فوق رؤوس القادة الرايات للتوجه إلى مواقع الأحداث، وفي ظلها يقف جند الله في نشوة ترقب النصر أو الشهادة.
و- وهو «قد أنشئ ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركناً في زواياه، ليكون مشفى يستشفى فيه جرحى كتائب الجهاد ليتمكن نبي الله صلى الله عليه وسلم من عبادتهم، والنظر في أحوالهم والاستطباب لهم، ومداواتهم في غير مشقة ولا نصب تقديراً لفضلهم.
ز- وهو «قد أنشئ ليكون مبرداً لبريد الإسلام منه تصدر الأخبار، ويبرد البريد، وتصدر الرسائل، وفيه تتلقى الأنباء السياسية سلماً أو حرباً وفيه تتلقى وتقرأ رسائل البشائر بالنصر، ورسائل طلب المدد، وفيه ينعى المستشهدون في معارك الجهاد ليتأسى بهم المتأسون وليتنافس في الاقتداء بهم المتنافسون.
ح- وهو «قد أنشئ ليكون مرقباً للمجتمع المسلم، يتعرف منه على حركات العدو المريبة ويرقبها ولا سيما الأعداء الذين معه يساكنونه ويخالطونه في بلده من شراذم اليهود وزمر المنافقين ونفايات الوثنية، الذين تمتوا في الشرك فلم يتركوه، ليحذر المجتمع المسلم عاقبة كيدهم وسوء مكرهم وتدبيرهم، ويأمن مغبة غدرهم وخياناتهم»(7).
فالمسجد النبوي «بدأ بتأسيسه وبنائه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ من عمل في مستقره ودار هجرته في مطلع مقدمه ليكون نموذجا يحتذى به في بساطة المظهر، وعمق وعموم المخبر، ليحقق به أعظم الأهداف وأعمها، بأقل النفقات وأيسر المشقات»(8).

3- التربية بالقدوة العملية:
من الحقائق الثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم شارك أصحابه العمل والبناء، فكان يحمل الحجارة وينقل اللبن على صدره وكتفيه، ويحفر الأرض بيديه كأي واحد منهم، فكان مثال الحاكم العادل الذي لا يفرق بين رئيس ومرؤوس، أو بين قائد ومقود، أو بين سيد ومسود، أو بين غني وفقير، فالكل سواسية أمام الله، لا فرق بين مسلم وآخر إلا بالتقوى، ذلك هو الإسلام عدالة ومساواة في كل شيء، والفضل فيه يكون لصاحب العطاء في العمل الجماعي للمصلحة العامة، وبهذا الفضل ثواب من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم كغيره من المسلمين لا يطلب إلا ثواب الله ( 9 ) فقد كانت مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في عملية البناء ككل العمال الذين شاركوا فيه، وليس بقطع الشريط الحريري فقط، وليس بالضربة الأولى بالفأس فقط، بل غاص بعلمية البناء كاملة، فقد دهش المسلمون من النبي صلى الله عليه وسلم وقد علته غبرة، فتقدم أسيد بن حضير رضي الله عنه ليحمل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطنيه؟ فقال: «اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني»(10) فقد سمع المسلمون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، فازدادوا نشاطا واندفاعا في العمل(11).
إنه مشهد فريد من نوعه ولا مثيل له في دنيا الناس، وإذا كان الزعماء والحكام قد يقدمون على المشاركة أحياناً بالعمل لتكون شاشات التلفزيون جاهزة لنقل أعمالهم، وتملأ الدنيا في الصحف ووسائل الإعلام كلها بالحديث عن أخلاقهم وتواضعهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينازع الحجر أحد أفراد المسلمين، ويبين له أنه أفقر إلى الله تعالى، وأحرص على ثوابه منه.
وقد تفاعل الصحابة الكرام تفاعلاً عظيماً في البناء وأنشدوا هذا البيت:
لئن قعدنا والنبي يعمل
لذاك منا العمل المضلل(12)

إن هذه التربية العملية لا تتم من خلال الموعظة، ولا من خلال الكلام المنمق، إنما تتم من خلال العمل الحي الدؤوب، والقدوة المصطفاة من رب العالمين، والتي ما كان يمكن أن تتم في أجواء مكة، والملاحقة والاضطهاد والمطاردة فيها إنما تتم في هذا المجتمع الجديد والدولة التي تبني وكأنما غدا هذا الجميع من الصحابة الكرام كله صوتاً واحداً، وقلباً واحداً، فمضى يهتف:
اللهم إن العيش عيش الآخرة
فانصر الأنصار والمهاجرة

ويهتف بلحن واحد:
لئن قعدنا والنبي يعمل
لذاك منا العمل المضلل

وكان الهتاف الثالث:
هذي الحمال لا حمال خيبر
هذا أبر لربنا وأطهر(13)

فأحمال التمر والزبيب من خيبر إلى المدينة كانت لها مكانتها في المجتمع اليثربي أصبحت لا تذكر أمام حمل الطوب لبناء المسجد النبوي العظيم، فقد أيقنوا: ( مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ) [النحل: 96]. وأما الهتاف الرابع:
لا يستوي من يعمر المساجدا
بدأب فيه قائماً وقاعداً

ومن يرى عن الغبار حائدا(14)

4- الاهتمام بالخبرة والاختصاص:
أخرج الإمام أحمد عن طلق بن علي اليمامي الحنفي، قال بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول: «قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسيساً» وأخرج الإمام أحمد عن طلق أيضاً، قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد وكأنه لم يعجبه عملهم، فأخذت المسحاة، فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: «دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين» وأخرج ابن حبان عن طلق فقال: فقلت: يا رسول الله أأنقل كما ينقلون؟ قال: «لا، ولكن اخلط لهم الطين، فأنت أعلم به»(15).
فقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوافد الجديد على المدينة، والذي لم يكن من المسلمين الأوائل، ووظف خبرته في خلط الطين، وفي قوة العمل، وهو درس للمسلمين في الثناء على الكفاءات والاستفادة منها، وإرشاد نبوي كريم في كيفية التعامل معها وما أحوجنا إلى هذا الفهم العميق(16).

5- شعار الدولة المسلمة:
إن أذان الصلاة شعار لأول دولة إسلامية عالمية: (الله أكبر، الله أكبر) إنها تعني أن الله أكبر من أولئك الطغاة، وأكبر من صانعي العقبات، وهو الغالب على أمره.
(أشهد أن لا إله إلا الله) أي لا حاكمية ولا سيادة ولا سلطة إلا لله رب العالمين (إن الحكم إلا لله) فمعنى لا إله إلا الله: لا حاكم ولا آمر ولا مشرع إلا الله.
(أشهد أن محمدًا رسول الله) أسلمه الله تعالى القيادة، فليس لأحد أن ينزعها منه، فهو ماضٍ بها إلى أن يكمل الله دينه بما ينزله على رسوله من قرآن، وبما يلهمه إياه من سنة(17)، ويعني الاعتراف لرسول الله بالرسالة والزعامة الدينية والدنيوية والسمع والطاعة له(18).
(حي على الصلاة، حي على الفلاح) أقبل يا أيها الإنسان للانضواء تحت لواء هذه الدولة التي أخلصت لله، وجعلت من أهدافها تمتين العلاقة بين المسلم وخالقه، وتمتين العلاقة بين المؤمنين على أساس من القيم السامية.
(قد قامت الصلاة) وقد اختيرت الصلاة من بين سائر العبادات؛ لأنها عماد الدين كله؛ ولأنها بما فيها من الشعائر كالركوع والسجود والقيام أعظم مظهر لمظاهر العبادة بمعناها الواسع التي تعني: الخضوع والتذلل والاستكانة، فهي خضوع ليس بعده خضوع، فكل طاعة لله على وجه الخضوع، والتذلل، فهي عبادة، فهي طاعة العبد لسيده، فيقف بين يديه قد أسلم نفسه طاعة وتذللاً قال تعالى: ( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) [غافر: 16].
وهذا الارتباط بين شعار الدولة الرسمي بحاكمية الله وسيادة الشرع، وسقوط الطواغيت، وقوانينهم، وأنظمتهم وشرائعهم بـ(حي على الفلاح.. قد قامت الصلاة) يشير إلى أنه لا قيام للصلاة، ولا إقامة لها كما ينبغي إلا في ظل دولة تقوم عليها وتقوم بها ولها، فقد كان المسلمون يصلون خفية في شعاب مكة قبل قيام دولتهم، أما وقد قامت تحت حماية سيوف الأنصار، فليجهروا بالأذان، والإقامة، وليركعوا وليسجدوا لله رب العالمين.
إن الواقع التاريخي خير شاهد على أن الله لا يعبد في الأرض حق عبادته إلا في ظل دولة قوية تحمي رعايها من أعداء الدين. ثم تتكرر كلمات الأذان (الله أكبر.. الله أكبر) للتأكيد على المعاني السابقة(19).
إننا بحاجة ماسة لفهم الأذان، وإدراك معانيه والعمل على ترجمته ترجمة عملية، لنجاهد في الله حق جهاده، حتى ندمر شعارات الكفر، ونرفع شعارات الإيمان، ونقيم دولة التوحيد التي تحكم بشرع الله ومنهجه القويم.

6- فضائل المسجد النبوي:
تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن فضائل المسجد النبوي؛ ولذلك تعلق الصحابة به ويمكننا الرجوع إلى صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما؛ للوقوف على هذه الفضائل الميمونة. وسنذكر هنا حديثًا واحدًا لمعناه العميق الذي نحتاجه ونستمسك به وهو عن:

7- فضل التعلم والتعليم في المسجد النبوي: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو يعمله كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له»(20).

عـلي محمـد الصلابي
Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

(1،4) محمد رسول الله، محمد عرجون (3/33).
(5) انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (3/34).
(6) المصدر السابق، (3/34، 35).
(7)انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (3/36) عَسَوا: أسنُّوا وكبروا.
(8) محمد رسول الله، (3/33).
(9) انظر: التاريخ الإسلامي والعسكري، د. علي معطي، ص158.
(10) انظر: صور من حياة الرسول، أمين دويدار، ص261.
(11) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، ص158.
(12) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/496).
(13) انظر: التربية القيادية (2/249).
(14 ) انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (3/15).
(15 ) نفس المصدر (3/15).
(16) انظر: التربية القيادية (2/252).
(17) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، ص114.
(18) انظر: دولة الرسول صلى الله عليه وسلم من التكوين إلى التمكين، كامل سلامة الدقس، ص438.
(19) انظر: دولة الرسول صلى الله عليه وسلم من التكوين إلى التمكين، ص439.
(20) انظر: المصنف لأبي شيبة (2/371)، (12/209) رقم 12567، وفي رواية الحاكم قال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة)، وأقره الذهبي. انظر: تلخيص المستدرك (1/91).


           
           
           
                                      

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home