Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الإثنين 22 مارس 2010

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

الإيمان بالله جل جلاله (33)

 

د. عـلي محمد الصلابي

 

5 ـ موانع التكفير:

إن الحكم على الشخص المعين يتوقف على وجود شروط وإنتفاء موانع، ومن موانع التكفير، الخطأ، الجهل، العجز، والإكراه.

أ ـ فالخطأ: لقوله تعالى: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" (البقرة ، آية : 286).

وقال تعالى: "وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ" (الأحزاب ، آية : 5). ووجود الخطأ من المسلم أحد موانع تكفير المعين، كما أن الله أمر الناس أن يطلبوا الحق على قدر وسعه وإمكانهم، فإن لم يصيبوا الحق في إجتهادهم، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والواجب في حقه أن يعبد الله بحسب ما توصل إليه إجتهاده، إن كان مؤهلاً للإجتهاد وبذل وسعه في طلب الحق.

أن الأدلة من الكتاب والسنة متضافرة على أن المجتهد المخطئ معذور، كما دل الإجماع والقياس على ذلك[1].

ب ـ الجهل: قال تعالى: "رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء ، آية : 165)، وقال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء ، آية : 15).

فالجهل أحد موانع تكفير المعين لأن الإيمان متعلق بالعلم، ووجود العلم بالمؤمن به شرط من شروط الإيمان به[2].

ج ـ العجز: قال تعالى:" وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" (النساء ، آية : 75). فأولئك كانوا عاجزين عن إقامة دينهم فقد سقط ما عجزوا عنه[3].

وقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا" (النساء ، آية : 97ـ 99). فهذه الآيات في جماعة من المؤمنين كانوا يستخفون بإيمانهم، وهم عاجزون عن الهجرة، فعذرهم الله تعالى[4].

ومثال آخر على موانع التكفير، العجز، أن النجاشي كان ملك النصارى في الحبشة، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، ولم يدخل معه سوى نفر يسير منهم، فلما مات، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى، فصفهم صفوفاً، وصلى عليهم وأخبرهم بموته يوم مات فقال: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه[5]. وكثير من شرائع الإسلام لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك يظهر عند قومه فينكرون عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم ويعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، لأن قومه لا يقرونه على ذلك، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:" وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (آل عمران ، آية : 199).

وقال بعض العلماء هذه الآية: إنها نزلت في النجاشي، ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه[6]، وكذلك ما أخبر به عن حال مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وعن حال إمرأة فرعون، وكما كان يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفاراً ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، لأنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه[7].

إن من عجز عن أداء ما شرع الله عليه، واتقى الله ما أستطاع، فإنه معذور، غير مؤاخذ على ما تركه.

س ـ الإكراه: قال تعالى:" مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (النحل ، آية : 106). كل ما أدى بشخص لو لم يفعل المأمور به إلى ضرب أو حبس، أو أخذ مال، أو قطع رزق يستحقه أو نحو ذلك[8] وشروطه أربعة:

ـ أن يكون فاعله قادراً على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزاً عن الدفع، ولو بالفرار.

ـ أن يغلب على ظن المكره أنه إذا امتنع أوقع به ما هدده به.

ـ أن يكون ما هدده به فورياً، أو بعد زمن قريب جداً، أو جرت العادة أنه لا يخلف ما هدده به.

ـ أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره[9].

6ـ ما يمحو الكفر بعد ثبوته على المعين:

التوبة: هي رجوع العبد إلى الله، ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين[10].

والله سبحانه وتعالى يقبل توبة العبد من جميع الذنوب، الشرك فما دونه، كما قال تعالى:" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (الزمر ، آية : 53). وقال تعالى:" لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المائدة ، آية : 73، 74). وقال تعالى:" قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ" (الأنفال ، آية : 38).

والتوبة تمحو جميع السيئات وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين، وقال: هو ساحر، أو شاعر أو مجنون، أو معلم، أو مفتر، وتاب، تاب الله عليه، وقد كان طائفة يسبون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الحرب، ثم أسلموا وحسن إسلامهم وقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم، منهم أبو سفيان بن الحارث بن بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله ابن أبي السرح، وكان قد ارتد، وكان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا كنت أعلمه القرآن، ثم تاب، وأسلم وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك[11]، فالتوبة هي الأمر الوحيد الذي يمحو الله به الكفر بعد ثبوته، وقد انعقد الإجماع على ذلك[12].

ثالثاً: الأمثال القرآنية للكافرين:

1ـ السراب وأعمال الكفار: قال تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (النور ، آية : 39).

يبين الله سبحانه وتعالى أن مثل أعمال الذين كفروا بالله مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماء، فإذا أتاه ملتمساً الشراب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئاً، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماء، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله الجزاء الذي يستحقه[13].

وتلاحظ خلال المثل صورة السّراب، ثم صورة الظامي، الذي ظنه ماء، ثم خيبته عند وصوله إليه، وحذف ما عدا ذلك لأن الخيال يتمُّ رسمها وفي الممثل له لم يُذكر إلا عمل الذين كفروا وطُوِى ما عدا ذلك لأن الفكر قادر على أن يستدعيه وهذا من بلاغة القرآن[14].

2ـ ظلمات الكفر: قال تعالى:" أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ" (النور ، آية : 40). هذه الآية مثل آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة وعلى غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جداً كثير الماء، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقها سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات[15].

فهذا المثل يصور الحالة النفسية والفكرية والقلبية للذين كفروا بعد أن تركوا نور  الهداية الربانية، إنهم يطلبون سعادتهم في الظلمات، فقلوبهم مظلمة بالكفر، ونفوسهم  تائهة في بحر من ظلمات الأهواء والشهوات، وأفكارهم تسبح في ظلمات أسباب لذات الدنيا، وإرادتهم تحت كلّ هذه الظلمات، فمثلهم كمن في ظلمات قاع بحر عميق، فوقه أمواج في العمق الظلمة، فوقها أمواج في السطح تُضاعف الظلمة، فوقها سحاب يزيد الظلام ظلاماً، ظلماتُ بعضها فوق بعض[16].

إن مثل الظلمات في سورة ((النور)) دل على حقائق علمية تتصل بالعلوم الدنيوية المادية التطبيقية أو النظرية، وإن هذه الحقائق تنقسم ثلاثة أقسام:

ـ القسم الأول: دلالة المثل على معجزة علمية للنبي صلى الله عليه وسلم تتمثل في الإخبار بوجود أمواج في باطن البحار العميقة اللجية ((المحيطات)) والتي لم تكن معلومة في ذلك الوقت، بل لم تكن بمقدور البشر اكتشافها لكونها على عمق لا يصله إلا الغواصات أو الغواصون المزودون بالأكسجين.

ـ القسم الثاني: الإخبار عن حقائق علمية في العلوم المادية الدنيوية بما يطابق ما ثبت عند المتخصصين فيها، وقد اشتمل المثل على فائدتين من هذا القسم، هما:

أولاً: إفادة المثل أن أعماق البحار العميقة مظلمة ظلمة شديدة مع بيان سبب ذلك، وهو وجود حُجُب حجبت الضوء هي عبارة عن أوساط شفافة متعددة أسهمت مجتمعة في منع الضوء عن تلك الأماكن وتسببت في ظلمتها واتفاق ذلك مع ما تقرر في علم البحار، وعلم الضوء.

ثانياً: دلالة المثل على التفسير العلمي للرؤية وأنه يشترط له وصول الضوء من مصدر مضيئ إلى الجسم المرئي، وإذا انعدم الضوء ولم يصل منه شيء إلى الجسم فإنه يظلم ولا يُرى واتفاقه مع التفسير الصحيح المتقرر عند المتخصصين في ذلك الشأن، كما تضمن المثل ـ أيضاً ـ إبطال التفسير القديم القائم على أن سبب الرؤية خروج أشعة من العين تسقط على الأجسام فتحدث رؤيتها.

القسم الثالث: إفادة المثل حقائق علمية ثابتة في نفسها وإن لم تكن مسلمةعند كل المشتغلين بتلك العلوم، وذلك في الأمور العقلية التي تبحث عادة فيما يسمى بعلم النفس والسلوك والاجتماع.

وقد دل المثل على حقيقتين من هذا القسم، هما:

أولاً: حقيقة أن الكفار يتقلبون في ظلمات حالكة وضلالات لا ينفكون عنها.

ثانياً: حقيقة أن الكفار في خوف وقلق وحيرة دائمة[17].

3ـ الرماد وأعمال الكفار: قال تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ" (ابراهيم ، آية : 18)، شبه الله تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلاً كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره، برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال تعالى:" لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ" لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون له أثراً من ثواب ولا فائدة نافعة.

فإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه موافقاً لشرعه... وفي تشبيهه بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشيئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة ناراً وعذاباً كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيماً وروحاً، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رماداً، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار[18].

4ـ نفقة الكفار والريح الشديدة: قال تعالى:" مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (آل عمران ، آية : 117).شبه الله سبحانه ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله هو مشرك بالله وجاحد به ومكذب لرسله وأن ذلك غير نافعة وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد ما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أملوا إدراكه ورجوا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيئ منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة[19].

وهذا مثل ـ أيضاً ـ ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة البرد جداً يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته[20].

5ـ قلب الموحد وقلب الكافر: قال تعالى:" وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ" (الأعراف ، آية : 58). بين سبحانه وتعالى في هذا المثل أن البلد الطيب تربته العذبة مشاربه يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث طيباً ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة، ومشاربه مالحة، ويخرج نباته بعسر وشدة، فهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، لأن قلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان ففاض بالنكد والشر والفساد[21].

وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث فقال تعالى:" لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" (الأنفال ، آية : 37). فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون[22].

هذه بعض الأمثلة القرآنية التي ضربت للكفار، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.


[1] منهج ابن تيمية في مسألة التكفير (1 / 249 ، 257).

[2] المصدر نفسه (1 / 261).

[3] الفتاوى (19/220، 221).

[4] الفتاوى (19/220).

[5] مسلم (3/55) كتاب العجائز.

[6] فتاوى (19/217ـ 219).

[7] تفسير الطبري (4/218ـ 219).

[8] مناهج ابن تيمية في مسألة التكفير (1/266).

[9] فتح الباري (12/311).

[10] مدارج السالكين (2/199).

[11] مجموع الفتاوى (3/291).

[12] منهج ابن تيمية في مسألة التكفير (1/273).

[13] الشرك في القديم والحديث (2/1382).

[14] أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع عبد الرحمن حبنكة صـ 133.

[15] الشرك في القديم والحديث (2/1383).

[16] أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع صـ 133.

[17] الأمثال القرآنية (2/755) د. عبد الله جربوع.

[18] إعلام الموقعين (1/170).

[19] الشرك في القديم والحديث (2/1386).

[20] إعلام الموقعين (1/186).

[21] تفسير الطبري (8/211) ، تفسير ابن كثير (2/222).

[22] تفسير القرطبي (7/401) ، الشرك في القديم والحديث (2/1375).

 

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home