Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellbi

Wednesday, 21 December, 2005

       
       
       
 

الوسطية في القرآن الكريم (17)

الدكتور علي محمد الصلابي

الكتب السماوية

تمهيد:

إن من أركان الإيمان الإعتقاد بالكتب السماوية وأنها من عند الله سبحانه وتعالى. إلا أن البشر هناك من أنكر الكتب السماوية جملة وهم الملاحده وهناك من حرف الكتب السماوية وأضاف إليها مالم ينزل الله به سلطان وهم اليهود والنصارى وقعوا في الغلو وفي الإفراط وابتعدوا عن الصراط المستقيم. قد اتضح ذلك عندما تكلمنا عن منهج الوسطية في توحيد الله وأسمائه وصفاته حيث رأينا ما وقع فيه اليهود من التحريف وما وقعت فيه النصارى كذلك.
وقد وضح الله سبحانه وتعالى ما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف والتبديل.
أما اليهود فقد تفننوا في التزوير وأضافوا وحذفوا في كتابهم المقدس بكافة الأساليب الشياطين وقد بين الله في كتابة العزيز أنواعاً من تحريف اليهود للتوراة.

أولاً: إلباس الحق بالباطل:

كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجّل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ"(1) وقال سبحانه "أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ"(2) .
ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون عليه السلام هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل وأشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله، وفي الوقت نفسه يبرؤون السامري فهارون الذي تحمّل المشاق عليه الصلاة والسلام في سبيل إقناع فرعون بالتوحيد جعلوه داعية الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم وبين حقيقة الأمر (3) قال تعالى" فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى"(4) إلى قوله تعالى " وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي(90) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)"(5) فهذا هو الصدق حقا إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه.

النوع الثاني من التحريف : كتمان الحق

لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقاً، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق، لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلاً عليهم فيكتمونها، ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه فقال سبحانه " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" (6) ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ماوجدوه في كتبهم من صفات محمد صلى الله عليه وسلم، واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه (7) قال تعالى " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "(8) " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ "(9) وقد بين عزوجل صفاته صلى الله عليه وسلم الكاملة في التوراة والأنجيل فقال عزوجل فقال عزوجل "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ"(10) ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم ، أنكروا نبوته صلى الله عليه وسلم ، وكتموا ما علموه. النوع الثالث: إخفاء الحق: وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ"(11) ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحض، فقد جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم كيف تفعلون بمن زوى منكم؟ قالوا نحممهما ونفربهما فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لانجد فيها شيئاً. فقال لهم عبدالله بن سلام كذبتم فآتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ مادون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن آية الرجم فقال ه هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.. الحديث (12) ولهذا قال سبحانه " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)"(13) وقال "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ" فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيها من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم.(14)

النوع الرابع: لَيُّ اللسان:

من أنواع تحريف اليهود للتوراة ليُّ اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويقتلون ألسنتهم حيث يقرؤون كلام الله تعالى لإمالته عما أنزله الله عليهم إلى اللفظ الذي يريدونه، قال تعالى: "وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"(15) ومن التحريف بَليِّ اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) ويقصدون معنى أسمع لا سمعت، أي يدعون على النبي صلى الله عليه وسلم راعنا، من المراعاة والمعنى: فرِّغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف، لأن معناها عندهم السبّ والطعن بمعنى: ياأحمق (16)، ولكن الله عزوجل كشف سترهم فقال: " مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً"(17) ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ".(18)

النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:

أثبت الله عزوجل على أهل الكتاب هذا النوع من الترحيف، فقال عزوجل " مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ"(19) "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ"(20)
وقال عزوجل "ومن الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ".(21)
وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي:
1- تحريف التبديل : وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.
2- تحريف بالزيادة : ويكون بزيادة كلمة أو جملة.
3- تحريف بالنقص : وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى عليه السلام.
4- تحريف المعنى : تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم. (22)
وهذه الصورة لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها (23) ومن رحمة الله تعالى وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً"(24) ، فلو آمنوا بالله وملائكته وجميع كتبه ورسله لكفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنة. (25)
قال تعالى " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66)"(26) "وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".(27)

وأمّا النصارى فقد حرفوا الإنجيل وبذلك ابتعدوا عن الصراط المستقيم وإليك مايثبت التحريف في الأناجيل أولاً النتيجة التي لا مضر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ماهي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعاً لذلك معرّضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الإدعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام، فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي، لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (28) لما أجراه من أبحاث، ولما علما من واقع الإنجيل.

ثانياً: الشواهد على التحريف من الأناجيل:

(أ) جاء في إنجيل مرقسى: أن المسيح قال لتلاميذه "اذهبوا إلى العالم أجمع واكروزا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن وأعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين بإسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يجملون حيات، وإن تشربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون"(29) ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين: الوجه الأول: قولهم عن عسى! إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدلّ ذلك على أن إنجيلاً أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايره، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى عليه السلام بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم، لأنهم لايعرفون له أصلاً، وهذا ملا يمكن سواه.
الوجه الثاني: قولهم: نه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلفات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون ، ويحملون الحيات وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم ، وهذا وعد ظاهر الكذب، فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها.
ولا منهم أحد ينفي جنياً، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا من يضع يده على مريض فَيُشفى، ولا منهم أحد يسقي السم فلا يضره وهم معترفون بأن يوحنا – صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم)).(30)
(ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى عليه السلام دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك ، فقال لهم عيسى "الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط ، بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انثقل وانطرح في البحر فيكون".(31)
وهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلوا من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح عليه السلام أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة – وحاشا له من الكذب فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالإنتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر.
وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (32) وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه ما أقترفه النصارى وما أدخلوه على حقيقة النبوة، من تأليه جماعة منهم لعيسى أبن مريم، وقول بعضهم بالتثليث، قال تعالى " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ"(33) وقال تعالى " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "(34) فجاء القرآن الكريم، وتبين هذا التحريف، وبين العقيدة السليمة عن عبس وأمه فقال تعالى " مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75)".(35)
والحق الذي لا يماري فيه منصف أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض كتاب تصلح نسبته إلى الخالق تبارك وتعالى سوى القرآن الكريم.
ومن وسطية القرآن في ركن الكتب السماوية بيانه ما وقعت فيه من الانحراف والابتعاد عن الصراط المستقيم وأعطانا القول الفصل في هذا المجال ولم يترك ما فيدنا وينفعنا فيما يتعلق بهذا الشأن وغيره.
فبين سبحانه وتعالى أن التوراة أصلها من عند الله وحدث فيها التحريف بسبب أحبارهم ورهبانهم قال تعالى " إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"(36) وبين سبحانه وتعالى أن الإنجيل أصلها من عند الله إلا أن علمائهم حرفوها قال تعالى " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)".(37)
وأخبر سبحانه وتعالى أن الزبور أنزلها على داوود عليه السلام فقال تعالى " وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً".(38)
وأخبرنا سبحانه عن الصحف التي أنزلها على إبراهيم وموسى، التي أخبر الله عنها بقوله " أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42)".(39)
وقال تعالى " قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) ".(40)
وأما الكتب الأخرى التي نزلت على سائر الرسل، لم يخبرنا الله تعالى عن أسمائها ، وإنما أخبرنا سبحانه أن لكل نبي أرسله فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهما الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينت بغياً بينهم فهدى الله الذين ءأمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فمن حكمة الله أنه بين لنا مايفيدنا في الدنيا والآخرة فيجب علينا أن نؤمن بهذه الكتب التي لم تسمى إجمالأ، ولا يجوز لنا أن ننسب كتابا إلى الله تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا عنه في القرآن الكريم.
ومن وسطية القرآن في باب الإيمان بالكتب السماوية بيانه أن هذه الكتب نزلت بالحق والنور والهدى، وتوحيد الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإن ما نسب إليها مما يخلف ذلك إنما هو من تحريف البشر وضعهم.
ومن وسطية القرآن ما ميزه الله وخصه به عن سائر الكتب المقدسة التي سبقت نزوله من الكتب المنزلة من أهمها: أنه تضمن خلاصة التعاليم الإلهية، وجاء مؤيداً ومصدقاً لما جاء في الكتب السابقة من توحيد الله وعبادته ووجوب الحسنات والفضائل. وجاء مهيمناً ورقيباً عليها، يقر فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير (41) قال تعالى " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"(42)
ومن وسطية القرآن أنه جاء بشريعة عامة للبشر فيها كل ما يلزمهم لسعادتهم في الدارين، نسخ بها جميع الشرائع العملية الخاصة بالأقوام السابقة وأثبت فيها الأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان. إن القرآن الكريم هو الكتاب الرباني الوحيد الذي تعهد الله بحفظه فقال تعالى " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"(43) وقال تعالى " وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. (42)"(44)
والقرآن الكريم أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وليس خاصاً بقوم معينين كما كانت تنزل الكتب السابقة فكان حفظه من التحريف، وصيانته من عبث الناس، يبقى ما فيه حجة الله على الناس، قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
بعكس الكتب الأخرى، فقد وجه الكلام في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم. وهي وأن اتفقت في أصل الدين إلا أن ما نزل فيها من الشرائع والأحكام كان خاصاً بأزمنة معينة وأقوام معينين قال تعالى "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً."(45)
لذلك لم يتعهد الله سبحانه بحفظ أي منها على مدى الدهور والأيام والأزمان كما هو الحال بالنسبة للقرآن وقد تكلمت عن أوجه الخيرية للقرآن الكريم في باب ملامح الوسطية.

وبهذا أرجو من الله العـلي العـظيم أن أكون وفقت في بيان وسطية القرآن بالنسبة للكتب السماوية.

Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

1- سورة البقرة آية 40-42
2- سورة آل عمران آية 71
3- أنظر الفصل لابن حزم (جـ1/ 256)
4- سورة طه آية 87-88
5- سورة طه الآية 87-91
6- سورة آل عمران آية 71
7- أنظر تفسير البغوى (جـ1/67، 162، 315)
8- سورة البقرة الآية 146
9- سورة الأنعام آية 20
10- سورة الأعراف آية 156/157
11- سورة المائدة آية 15
12- البخاري مع الفتح كتاب التفسير، سورة آل عمران باب (قل فأتوا بالتوراة (جـ8/224)
13- سورة آل عمران آية 23
14- أنظر تفسير أبن كثير (جـ1/356)
15- سورة آل عمران آية 78
16- أنظر: تفسير البغوي (جـ1،102/438)
17- سورة النساء آية 46
18- سورة البقرة آية 104
19- سورة النساء آية 46
20- سورة المائدة آية 13
21- سورة المائدة آية 41
22- التوراة دراسة وتحليل للدكتور/ محمد شلبي شتيوي صـ83
23- أنظر إغاثة اللهفان (جـ2/342/343/344)
24- سورة النساء آية 47
25- أنظر تفسير السعدي (جـ2/319)
26- سورة المائدة آية 65/66
27- سورة آل عمران آية 110
28- أنظر: المناظرة بين الإسلام والنصرانية ص (35/50)
29- أنظر: الفصل لأبن حزم (جـ2/139) وغزاه المخفق إلى إنجيل مرقس، الإصحاح (جـ16/15-18)
30- أنظر: الفصل لأبن حزم _جـ2/139)
31- أنظر: الفصل لأبن حزم _جـ2/139)
32- الفصل في الملل والأهواء والنحل لأبي محمد بن حزم (جـ2/98)
33- سورة المائدة آية 72
34- سورة المائدة آية 73
35- سورة المائدة آية 75
36- سورة المائدة آية 44
37- سورة المائدة آية 14-15
38- سورة الإسراء آية 55
39- سورة النجم آية 36-42
40- سورة الأعلى آية 14 إلى 19
41- أنظر الإيمان محمد نعيم ص (100)
42- سورة المائدة آية 48
43- سورة الحجر آية 9
44- سورة فصلت آية 41-42
45- سورة المائدة آية 48


       
       
       
 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home