Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الإثنين 21 سبتمبر 2009

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

الإيمان بالله جل جلاله (12)

د. عـلي محمد الصلابي

5ـ من لوازم استحقاق الله تعالى لصفات الكمال وحده

تفرده بالحاكمية: فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله:" وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ" (الشورى ، آية : 10)، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم:" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ*لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (الشورى ، آية : 10، 11، 12).

ذكر سبحانه وتعالى صفات الرب الذي تفوض إليه الإمور ويتوكل عليه، وإنه فاطر السموات والأرض وخالقها ومخترعها، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً خلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة[1]. وإنه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " وإنه:" لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (الشورى ، آية : 12)، وأنه سبحانه وتعالى:" يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ" (الشورى ، آية : 12)، أي يضيقه على من يشاء وهو بكل شيء عليم، فعلى المسلم أن يتفقه صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم[2].

6ـ نفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها: ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد قال تعالى:" وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (الأعراف ، آية : 180).

لأنها لو لم تكن تدل على معاني وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها ولكن الله أخبر عن نفسه، بمصادرها، وأثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ" (الذاريات ، آية : 58)، فعلم أن "القوي" من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة. وكذلك قوله تعالى:" فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا " (فاطر، آية : 10)، فالعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قوياً ولا عزيزاً وهكذا في سائر أسمائه، وحقيقة الإلحاد فيها أي في أسمائه تعالى العدول فيها عن الصواب فيها وإدخال ما ليس من معانيها عنها:

ـ  أن تسمى بعض المعبودات باسم من أسماء الله تعالى أو يقتبس لها اسم من بعض أسمائه تعالى، كتسمية المشركين بعض أصنامهم "اللات" أخذاً من "الإله" و"العزى" أخذاً من "العزيز" وتسميتهم الأصنام أحياناً "آلهة" وهذا إلحاد واضح كما ترى لأنهم عدلوا بأسمائه تعالى إلى معبوداتهم الباطلة .

ــ تسميته تعالى بما لا يليق به، كتسمية النصارى له (أب)، وإطلاق الفلاسفة عليه "موجباً لذاته" أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك.

ـ وصف الله تعالى بما ينزه عنه سبحانه، كقول اليهود عليهم لعنة الله إنه فقير وقولهم أنه استراح وبعد أن خلق خلقه، وقوله أيضاَ يد الله مغلولة، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقها أعداء الله قديماً وحديثاً.

ـ تعطيل أسمائه تعالى عن معانيها وهي الصفات وجحد حقائقها، كما فعلت بعض الفرق المبتدعة حيث جعلوا أسماء الله ألفاظاً مجردة لا تدل على الصفات، كقولهم سميع بلا سمع، وعليم بلا علم.

ـ تشبيه الله تعالى بصفات خلقه[3].

7 ـ آثار الصفات الإلهية في النفس والكون والحياة: ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف أن الوجود متعلق خلقاً وأمراً بالأسماء الحسنى والصفات العلا، ومرتبط بها وإن كل ما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها.

فإسمه الحميد، المجيد، يمنع ترك الإنسان سدى، مهملاً معطلاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه(الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات وله صفات، فلا ينبغي تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها، والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماؤه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه فرحاً لا يخطر بالبال، وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه بموجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك، وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سماواته وأهل أرضه، وما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما.

ومن آثارهما، مغفرة الزلات وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات والمسامحة على الجنايات مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها فحلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته[4]. كما قال الله على لسان عيسى عليه السلام في القرآن:" إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (المائدة ، آية : 118). أي فمغفرتك عن كمال قدرتك، وحكمتك ليست كمن يغفر عجزاً ويسامح جهلاً بقدر الحق، بل أنت عليم بحقك، قادر على استيفائه حكيم في الأخذ منه، فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر، تبين له إن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها: هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها أيضاً مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته فلله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة والله سبحانه دعا عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأمرهم بشكره ومحبته وذكره وتعبدهم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى لأن كل اسم له تعبد مختص به، علماً ومعرفة وحالاً وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا يحجبه عبودية اسم عن اسم آخر، كما لا يحجبه التعبد باسمه "القدير" عن التعبد باسمه "الحليم الرحيم" أو يحجبه عبودية اسمه "المعطي" عن عبودية اسمه "المانع" أو عبودية اسمه "الرحيم والعفو والغفور" عن اسم "المنتقم" أو التعبد بأسماء "البر والإحسان واللطيف" عن أسماء "العدل والجبروت والعظمة والكبرياء" وهذه طريقة الكمال من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن الكريم قال تعالى:" وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ" (الأعراف ، آية : 180). والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء، ودعاء التعبد[5]. وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالله سبحانه وتعالى يُحب موجب أسمائه وصفاته، فهو "عليم" يحب كل عليم وهو "جَوَادٌ" يحب كل جواد، "وتر" يحب الوتر "جميل" يحب الجمال، "عفو" يحب العفو وأهله "حيي" يحب الحياء وأهله "بر" يحب الأبرار "شكور" يحب الشاكرين "صبور" يحب الصابرين "حليم" يحب أهل الحلم، فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة، والعفو والصفح. خلق من يغفر لهم ويتوب عليهم ويعفو عنهم، وقدر عليهم ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له المرضي له[6]، وظهور أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي النفس البشرية وفي الكون كله واضح، لا يحتاج إلى دليل، إلا أن الإهتداء إلى تلك الآثار أو الإنتباه لها يتوقف على توفيق الله تعالى، بل أن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي وسعت كل شيء، فلو فكر الإنسان في هذا الكون الفسيح وفي نفسه لرجع من هذه الجولة الفكرية، بعجائب واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة لرأينا أموراً تعجز عن التعبير عنها قال تعالى:" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" (المؤمنون ، آية : 115، 116).

ومما يؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المجرمة[7].

فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة فكل اسم من أسماء الله له تأثير في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها مقتضياتها فالأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضاها لآثرها من العبودية وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فمثلاً: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه وبصره وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطناً، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره، وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية[8]، الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه وكذلك معرفته بجلال الله وعزه تثمر له الخضوع والإستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعاً من العبودية الظاهرة هي موجباتها وكذلك علمه لكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت تلك العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها[9]، وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب: هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية فسأل الله أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين[10].

___________

[1] أضواء البيان بتصرف (7/ 163).

[2] من عقيدة المسلمين صـ 141.

[3] بدائع الفوائد لابن القيم (1 /169).

[4] مدارج السالكين صـ 417، 418.

[5] مدارج السالكين  (2/419).

[6] المصدر نفسه (2/420).

[7] انظر: دراسات في مباحث الأسماء والصفات صـ 14، 15.

[8] مفتاح السعادة (2/90).

[9] مفتاح دار السعادة (2/90).

[10] القواعد الحسان لتفسير القرآن للسعدي صـ 130.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home