Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi

د. عـلي محمد الصلابي

Sunday, 19 March, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

السيـرة النبوية (12)

الدكتور عـلي محمد الصلابي

خامسًا: وفاة أمه وكفالة جده ثم عـمه:

توفيت أم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة،(1) ودفنت بالأبواء، وبعد وفاة أمه كفله جده عبد المطلب، فعاش في كفالته، وكان يؤثره على أبنائه أي أعمام النبي صلى الله عليه وسلم - فقد كان جده مهيبً، لا يجلس على فراشه أحد من أبنائه مهابة له، وكان أعمامه يتهيبون الجلوس على فراش أبيهم، وكان صلى الله عليه وسلم يجلس على الفراش ويحاول أعمامه أن يبعدوه عن فراش أبيهم، فيقف الأب الجد بجانبه، ويرضى أن يبقى جالسًا على فراشه متوسمًا فيه الخير، وأنه سيكون له شأن عظيم(2) وكان جده يحبه حبًا عظيمًا، وكان إذا أرسله في حاجة جاء بها وذات يوم أرسله في طلب إبل فاحتبس عليه(3) فطاف بالبيت وهو يرتجل يقول:
رب رد راكبي محمدا       رده لي واصنع عندي يدا
فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وجاء بالإبل فقال له: يا بني، لقد حزنت عليك كالمرأة حزنًا لا يفارقني أبدًا(4).
ثم توفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وسلم في الثامنة من عمره(5)، فأوصى جده به عمه أبا طالب فكفله عمه وحنّ عليه ورعاه(6).
أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيمًا، تتولاه عناية الله وحدها، بعيدًا عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فيلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني(7) وكانت المصائب التي أصابت النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته كموت أمه ثم جده بعد أن حرم عطف الأب وذاق كأس الحزن مرة بعد مرة، كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب مرهف الشعور، فالأحزان تصهر النفوس وتخلصها من أدران القسوة والكبر والغرور، وتجعلها أكثر رقة وتواضعًا.

سادسًا: عمله صلى الله عليه وسلم في الرعي:

كان أبو طالب مُقلاًّ في الرزق فعمل النبي صلى الله عليه وسلم برعي الغنم مساعدة منه لعمه، فلقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه الكريمة وعن إخوانه من الأنبياء أنهم رعوا الغنم، أما هو فقد رعاها لأهل مكة وهو غلام وأخذ حقه عن رعيه، ففي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» فقال: أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»(8)، إن رعي الغنم كان يتيح للنبي صلى الله عليه وسلم الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، ويتيح له المتعة بجمال الصحراء، ويتيح له التطلع إلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ويتيح له مناجاة الوجود في هدأة الليل وظلال القمر ونسمات الأشجار، يتيح له لونًا من التربية النفسية من الصبر والحلم والأناة، والرأفة والرحمة، والعناية بالضعيف حتى يقوى، وزم قوى القوي حتى يستمسك للضعيف ويسير بسيره، وارتياد مشارع الخصب والري وتجنب الهلكة ومواقع الخوف من كل ما لا تتيحه حياة أخرى بعيدة عن جو الصحراء وهدوئها وسياسة هذا الحيوان الأليف الضعيف(9).
وتذكرنا رعايته للغنم بأحاديثه صلى الله عليه وسلم التي توجه المسلمين للإحسان للحيوانات(10) فكان رعي الغنم للنبي صلى الله عليه وسلم دربة ومرانًا له على سياسة الأمم.
ورعي الغنم يتيح لصاحبه عدة خصال تربوية منها:
1- الصبر: على الرعي من طلوع الشمس إلى غروبها، نظرا لبطء الغنم في الأكل، فيحتاج راعيها إلى الصبر والتحمل، وكذا تربية البشر(11).
إن الراعي لا يعيش في قصر منيف ولا في ترف وسرف، وإنما يعيش في جو حار شديد الحرارة، وبخاصة في الجزيرة العربية، ويحتاج إلى الماء الغزير ليذهب ظمأه، وهو لا يجد إلا الخشونة في الطعام وشظف العيش، فينبغي أن يحمل نفسه على تحمل هذه الظروف القاسية، ويألفها ويصبر عليها(12).
2- التواضع: إذ طبيعة عمل الراعي خدمة الغنم، والإشراف على ولادتها، والقيام بحراستها والنوم بالقرب منها، وربما أصابه ما أصابه من رذاذ بولها أو شيء من روثها فلم يتضجر من هذا، ومع المداومة والاستمرار يبعد عن نفسه الكبر والكبرياء، ويرتكز في نفسه خلق التواضع(13)، وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا؟ فقال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس»(14).
3- الشجاعة: فطبيعة عمل الراعي الاصطدام بالوحوش المفترسة، فلا بد أن يكون على جانب كبير من الشجاعة تؤهله للقضاء على الوحوش ومنعها من افتراس أغنامه(15).
4- الرحمة والعطف: إن الراعي يقوم بمقتضى عمله في مساعدة الغنم إن هي مرضت أو كُسرت أو أصيبت، وتدعو حالة مرضها وألمها إلى العطف عليها وعلاجها والتخفيف من آلامه، فمن يرحم الحيوان يكون أشد رحمة بالإنسان، وبخاصة إذا كان رسولاً أرسله الله تبارك وتعالى لتعليم الإنسان، وإرشاده وإنقاذه من النار وإسعاده في الدارين(16).
5- حب الكسب من عرق الجبين: إن الله قادر على أن يغني محمدا صلى الله عليه وسلم عن رعي الغنم، ولكن هذه تربية له ولأمته للأكل من كسب اليد وعرق الجبين، ورعي الغنم نوع من أنواع الكسب باليد.
روى البخاري عن المقدام (رضي الله عنه) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاما قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده» (17).
ولا شك أن الاعتماد على الكسب الحلال يكسب الإنسان الحرية التامة والقدرة على قول كلمة الحق والصدع بها(18) وكم من الناس يطأطئون رؤوسهم للطغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجارونهم في أهوائهم خوفًا على وظائفهم عندهم(19). إن إقبال النبي صلى الله عليه وسلم على رعي الأغنام لقصد كسب القوت والرزق يشير إلى دلائل هامة في شخصيته المباركة منها: الذوق الرفيع والإحساس الدقيق اللذان جمّل الله تعالى بهما نبيه صلى الله عليه وسلم ، لقد كان عمه يحوطه بالعناية التامة، وكان له في الحنو والشفقة كالأب الشفوق، ولكنه صلى الله عليه وسلم ما إن آنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكتسب ويتعب نفسه لمساعدة عمه في مؤونة الإنفاق، وهذا يدل على شهامة في الطبع وبر في المعاملة، وبذل للوسع(20).
والدلالة الثانية: تتعلق ببيان نوع الحياة التي يرتضيها الله تعالى لعباده الصالحين في دار الدنيا، لقد كان سهلاً على الله أن يهيئ للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في صدر حياته من أسباب الرفاهية ووسائل العيش ما يغنيه عن الكدح ورعاية الأغنام سعيًا وراء الرزق.
ولكن الحكمة الربانية تقتضي منا أن نعلم أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بكد يمينه ولقاء ما يقدمه من الخدمة لمجتمعه وبني جنسه (21).

سابعًا: حفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة:

إن الله تعالى صان نبيه صلى الله عليه وسلم عن شرك الجاهلية وعبادة الأصنام، روى الإمام أحمد في مسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثني جار لخديجة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخديجة: «أي خديجة، والله لا أعبد اللات والعزى أبدًا» (22) وكان لا يأكل ما ذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو بن نفيل (23).
«وقد حفظه الله تعالى في شبابه من نزعات الشباب ودواعيه البرئية التي تنزع إليها الشبوبية بطبعها، ولكنها لا تلائم وقار الهداة وجلال المرشدين»(24) فعن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام أهله يرعاها: أبصر إليَّ غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ما هذا؟» فقالوا: فلان تزوج فلانة، رجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته» (25).
وهذا الحديث يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعًا بخصائص البشرية كلها، وكان يجد في نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميول الفطرية التي اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها، فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما في ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشيء من ذلك كما يتمتع الآخرون.
2- أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعن كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوة التي هيأه الله لها(26).

ثامنًا: لقاء الراهب بحيرا بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو غلام:

«خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا(27) على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم(28) فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يسيرون، فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب(29) حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ(30) ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف(31) كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل(32) قال: أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة(33) عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم(34) أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟
قالوا: إنما اخترنا خيره لك لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه.
قال: أنشدكم الله أيكم وليه(35)؟ قالوا: أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب(36). ومما يستفاد من قصة بحيرا عدة أمور منها:
1- أن الصادقين من رهبان أهل الكتاب يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الرسول للبشرية، وعرفوا ذلك لما وجدوه من أمارات وأوصاف عنه في كتبهم.
2- إثبات سجود الشجر والحجر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتظليل الغمام له وميل فيء الشجرة عليه.
3- أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من سفره وتجواله مع عمه وبخاصة من أشياخ قريش، حيث اطلع على تجارب الآخرين وخبرتهم، والاستفادة من آرائهم، فهم أصحاب خبرة، ودراية، وتجربة لم يمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنه تلك.
4- حذر بحيرا من النصارى، وناشد عمه وأشياخ مكة ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا عرفوه بالصفة يقتلونه لقد كان الرومان على علم بأن مجيء هذا الرسول سيقضي على نفوذهم الاستعماري في المنطقة، ومن ثم فهو العدو الذي سيقضي على مصالح دولة روما، ويعيد هذه المصالح إلى أربابها، وهذا ما يخشاه الرومان.

تاسعًا: حرب الفِجَار:

اندلعت هذه الحرب بين قريش ومن معهم من كنانة وبين هوازن، وسببها أن عروة الرحّال بن عتبة بن هوازن أجار لطيمة(37) للنعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ، فقال البرّاض بن قيس بن كنانة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم، وعلى الخلق، فخرج بها عروة، وخرج البراض يطلب غفلته حتى قتله، وعلمت بذلك كنانة فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم، ثم بلغهم الخبر، فأتبعوهم، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أيامًا، وعاونت قريش كنانة(38) وشهد محمد صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم.
وسميت يوم الفجار بسبب ما استحل فيه من حرمات مكة التي كانت مقدسة عند العرب(39)
.وقد قال صلى الله عليه وسلم عن تلك الحرب: «كنت أنبل على أعمامي» أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها(40).
وكان صلى الله عليه وسلم حينئذ ابن أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، وقيل ابن عشرين، ويرجح الأول أنه كان يجمع النبال ويناولها لأعمامه، مما يدل على حداثة سنة.
وبذلك اكتسب الجرأة والشجاعة والإقدام، وتمرن على القتال منذ ريعان شبابه، وهكذا انتهت هذه الحرب التي كانت كثيرًا ما تشبه حروب العرب، حتى ألف الله بين قلوبهم، وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإسلام بينهم(41).

عاشرا: حلف الفضول:

كان حلف الفضول بعد رجوع قريش من حرب الفجار، وسببه أن رجلا من زبيد(42) قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة ونادى بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته           ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته       يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر
إن الحرام لم تمت كرامته            ولا حرم لثوب الفاجر الغُدر(43)
فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تَيْم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه ما بل بحر صوفة، وما بقي جَبَلا ثبير وحراء مكانهما(44).
ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه.
وسمت قريش هذا الحلف حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر.
وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب:
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا        ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا            فالجار والمُعتـرّ(45) فيهم سالم
وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف الذي هدموا به صرح الظلم، ورفعوا به منار الحق، وهو يعتبر من مفاخر العرب وعرفانهم لحقوق الإنسان.(46) وقد قال صلى الله عليه وسلم: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه» (47).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (48).

دروس وعبر وفوائد:

1- إن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية(49).
2- كان حلف الفضول واحة في ظلام الجاهلية، وفيه دلالة بينة على أن شيوع الفساد في نظام أو مجتمع لا يعني خلوه من أي فضيلة، فمكة مجتمع جاهلي هيمنت عليه عبادة الأوثان والمظالم والأخلاق الذميمة كالظلم والزنا والربا، ومع هذا كان فيه رجال أصحاب نخوة ومروءة يكرهون الظلم ولا يقرونه، وفي هذا درس عظيم للدعاة في مجتمعاتهم التي لا تحكِّم الإسلام، أو تحارب الإسلام(50).
3- إن الظلم مرفوض بأي صورة، ولو وقع الظلم على أقل الناس(51)، إن الإسلام يحارب الظلم ويقف بجانب المظلوم دون النظر إلى لونه ودينه ووطنه وجنسه(52).
4- جواز التحالف والتعاهد على فعل الخير وهو من قبيل التعاون المأمور به في القرآن الكريم قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) [المائدة: 2]، ويجوز للمسلمين أن يتعاقدوا في مثل هذا الحال لأنه تأكيد لشيء مطلوب شرعًا، على ألا يكون ذلك شبيهًا بمسجد الضرار، بحيث يتحول التعاقد إلى نوع من الحزبية الموجهة ضد مسلمين آخرين ظلمًا وبغيًا، وأما تعاقد المسلمين مع غيرهم على دفع ظلم أو في مواجهة ظالم، فذلك جائز لهم، على أن تلحظ في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين في الحاضر والمستقبل، وفي هذا الحديث دليل(53). والدليل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحب أن لي به حمر النعم»(54) لما يحقق من عدل، ويمنع من ظلم، أو النكث به مقابل حمر النعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»(55) طالما أن يردع الظالم عن ظلمه، وقد بين صلى الله عليه وسلم استعداده للإجابة بعد الإسلام لمن ناداه بهذا الحلف(56).
5- وعلى المسلم أن يكون في مجتمعه إيجابيًا فاعلاً، لا أن يكون رقمًا من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى ليلقبوه بالأمين وتهفو إليه قلوب الرجال والنساء على السواء بسبب الخلق الكريم الذي حبا الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وما زال يزكو وينمو حتى تعلقت به قلوب قومه، وهذا يعطينا صورة حية عن قيمة الأخلاق في المجتمع، وعن احترام صاحب الخلق ولو في المجتمع المنحرف(57).

عـلي محمـد الصلابي
Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

(1) ابن هشام في السيرة (1/168) وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس، ص101.
(3) صحيح السيرة النبوية للعلي ص 56.
(4) أخرجه الطبراني في الكبير:5524، و صححه إبراهيم العلي في صحيح السيرة النبوية ص56.
(5) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص101.
(6) انظر: مدخل لفهم السيرة، اليحيى ص119.
(7) انظر: فقه السيرة للبوطي ص46.
(8) البخاري، كتاب الأطعمة (9/488) رقم 2262،و القيراط جزء من الدينار أو الدرهم.
(9) انظر: محمد رسول الله، محمد الصادق عرجون (1/177).
(10) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/106).
(11) انظر: مدخل لفهم السيرة، اليحيى ص124.
(12) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص114، 115.
(13) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص114.
(14) مسلم رقم 11.
(15) انظر السيرة النبوية لأبي فارس ص114.
(16) انظر: مدخل لفهم السيرة ص 127.
(17) انظر: مدخل لفهم السيرة ص137.
(18) البخاري، كتاب البيوع رقم 2072.
(19) انظر: مدخل لفهم السيرة ص128.
(20) انظر: فقه السيرة للغضبان ص93.
(21) انظر: فقه السيرة للبوطي ص50.
(22) انظر: وقفات تربوية، أحمد فريد ص51.
(23) نفس المصدر ص51.
(24) انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (1/51).
(25) صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي ص57.
(26) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي ص50، 51.
(27) أشرفوا: طلعوا.
(28) حلو رحالهم: أي أنزلوها وفتحوها.
(29) يتخللهم: يمشي بينهم.
(30) خر: سقط.
(31) الغضروف: رأس لوح الكتف.
(32) رعية الإبل: رعايتها.
(33) مال فيء الشجرة عليه، مال ظلها
(34) يناشدهم: يقسم عليهم.
(35) أيكم وليه: قريبه.
(36) انظر: صحيح السيرة النبوية ص58، 59.
(37) اللطيمة: الجمال التي تحمل الطيب والبز والتجارة.
(38) قريش فرع من كنانة.
(39) وقفات تربوية مع السيرة النبوية، ص53.
(40) السيرة النبوية لابن هشام (1/221-224)، السيرة الحلبية (1/127-129)
(41) انظر: وقفات تربوية، ص53.
(42) زبيد: بلد باليمن.
(43) انظر: الروض الأنف للسهيلي (1/155-156).
(44) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/213).
(45) المعتر: الزائر من غير البلاد.
(46 ) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/214).
(47) صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي، ص59، وصححه الألباني رحمه الله.
(48) السيرة النبوية لابن هشام (1/134) فقه السيرة للغضبان، ص102.
(49) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/112).
(50) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان ص110.
(51) انظر: فقه السيرة للغضبان ص110.
(52) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص121.
(53) انظر: الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية (1/171، 172).
(54) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/134).
(55) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/134).
(56) انظر: الأساس في السنة (4/172).
(57) انظر: فقه السيرة للغضبان ص110، 111.


         
         
         
         
         

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home