Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellbi

Monday, 19 December, 2005

       
       
       
 

الوسطية في القرآن الكريم (16)

الدكتور علي محمد الصلابي

الملائكة

تمهيد:

إن الإيمان بالملائكة أصل من أصول الاعتقاد، لا يتم الإيمان إلا به، والملائكة من عوالم الغيب التي امتدح الله المؤمنين بها، تصديقا لخبر الله سبحانه وإخبار رسوله "صلى الله عليه وسلم".

وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه وسنة نبيه هذا الموضوع بحيث أصبح لمن أطلع على هذه النصوص الإيمان بها عنده واضحاً، وليس فكرة غامضة، وهذا ما يعمق الإيمان ويرسخه، فإن المعرفة التفصيلية أقوى وأثبت من المعرفة الإجمالية.

وبين الله سبحانه وتعالى الانحراف الذي وقع فيه الناس في اعتقادهم في الملائكة منذ القديم فهناك من عبدهم، وهناك من ظن أنهم بنات الله وأما الفلاسفة يرون أن الملائكة هم الأفلاك التي نراها في الفضاء وبعضهم أنكر وجودها، وأما اليهود فعادوا بعضهم ووصفوا الملائكة بأنهم يشربون ويأكلون(1) كما ذكرت التوراة المحرفة في سفر التكوين(2)وبعض أسفارهم تقول بأن الملائكة لا تأكل ولا تشرب وأضطرب أمرهم في هذا الشأن، وأستزلهم الشيطان وتصور التوراة بأن جبريل عليه السلام بأنه شيطان (لعنة الله على اليهود) يضع الغواية، يغوي الأنبياء...؟

قالت التوراة المحرفة " قد رأيت الرب جالساً على كرسيه، وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال "الرب": من يغوى آخاب فيصعد ويسقط في راموت جلماد. فقال: هذا هكذا وقال ذاك هكذا، ثم خرج الروح - يعني جبريل- ووقف أمام "الرب" وقال أنا أغويه، وقال له الرب! بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه وتقتدر؟ فأخرج وأفعل هكذا."
يا سبحان الله يجعلون جبريل روح كذب في أفواه جميع أنبياء أخاب والرب يشجعه على ذلك؟
وبذلك اتضحت مسالك الناس في اعتقادهم في الملائكة بين منكر لها وهم الملاحده وبين متصور لها بأفلاك وأوهام وهم الفلاسفة، وبين زاعم بأنها بنات الله وعبدوها من دون الله وهم مشركو العرب.
وجاء القرآن ليبين منهج الوسطية في هذا الركن من العقائد بما ينفع الناس ويدلهم على الصراط المستقيم الذي هو الوسطية في هذا الدين.

وجاء القرآن الكريم موضحاً ما ينفع الناس ويصحح تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم في قضايا الاعتقاد وغيرها.

إن المسلم يعتقد اعتقادا جازما بأن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها.

ولا يصلح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف(3).

قال تعالى:" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ..."(4)

وفي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإيمان قال "صلى الله عليه وسلم" (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)(5).

فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك. ومن هنا كان انكار وجودهم كفراً بنص القرآن العظيم، فقد قال عزوجل:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً..."(6).

والذي يجمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تكلمت عن الملائكة وأوصافهم وأعمالهم وأحوالهم يلاحظ: أنها تناولت في الغالب ما يبين علاقتهم بالخالق سبحانه وبالكون والإنسان. فعرّفنا سبحانه من ذلك على ما ينفعنا في تطهير عقيدتنا وتزكية قلوبنا وتصحيح أعمالنا.

وأما حقيقة الملائكة، وكيف خلقهم، وتفصيلات أحوالهم، فقد استأثر سبحانه بها وهذا من وسطية القرآن وحكمة الرحمن وحكمة الرحمن حيث سبحانه وتعالى يعرّف الناس في حدود ما يحتاجون إليه، ويصلح أحوالهم في المعاش والمعاد وما تطيقه عقولهم.

فالله سبحانه وتعالى لم يطلعنا على جميع المغيبات، سواء منها ما تعلق بجلالة وصفاته وأسمائه وما تعلق بمخلوقاته الغيبية. والمؤمن الصادق يقرّ بكل ما أخبر به الخالق محملاً أو مفصلاً، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه ولا يتكلف البحث عن ما لم ينفعه ولا يخوض فيه.(7)

صفات الملائكة الخَلْقِيَّة

إن الخالق عزوجل لم يخبرنا من صفاتهم الخَلقية إلا النَّزْر القليل فأخبرنا سبحانه أنهم خُلِقوا قبل آدم، إذ ورد في القرآن أن الله أخبرهم بأنه سيخلق الإنسان، ويجعله في الأرض خليفة.
قال تعالى: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ..."(8)

وأما المادة التي خلقوا منها، فقد أخبرنا الرسول "صلى الله عليه وسلم" أن الله خلقهم من نور، فقد أخرج مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)(9).

وتدل النصوص في مجموعها على أن الملائكة مخلوقات نورانية ليس لها جسم مادي يدرك بالحواس الإنسانية، وأنهم ليسوا كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزاوجون. مطهرون من الشهوات الحيوانية، ومنزهون عن الآثام والخطايا ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها أبن آدم.(10)

لهم القدرة على التشكّل

غير أن لهم القدرة على أن يتمثلوا بصور البشر، بأذن الله تعالى كما أخبر الله عزوجل عن جبريل عليه السلام أنه جاء مريم في صورة بشرية، فقال تعالى "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً(16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً(17)"(11).

وفي حديث جبريل المشهور حين جاء يعلم الصحابة معنى الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ذكر عمر بن الخطاب"رضي الله عنه" أنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر وأنه جلس إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم شرع في السؤال(12).

لهم أجنحة

ومن صفاتهم الخَلْقية التي أخبرنا الله بها أنه جعل لهم أجنحة يتفاوتون في إعدادها، فقال سبحانه وتعالى "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(13).

هذا هو ما أخبرنا به الله عزوجل عن الملائكة من حيث خِلْقَتها ، ونؤمن بها كما جاء، ولا نسأل عن غيره ولو كان في التفصيل نضع لعباد الله لما حجب عنهم معرفته، فهو اللطيف الرحيم بهم يعلمهم الحق والخير وهذا من حكمة القرآن وهداية إلى الصراط المستقيم ووسطيته في الأمور.

علاقتهم مع الله

وأما علاقتهم بالله فهي علاقة العبودية الخالصة والطاعة والامتثال والخضوع المطلق لأوامره عزوجل، لا ينتسبون إليه سبحانه إلا بهذه النسبة، فهم ليسو آلهة من دونه سبحانه، ولا ذرية له ولا بنات كما قال المشركون من قبل قال تعالى "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)"(14). وقال تعالى " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"(15). وقال تعالى " لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"(16).

فهم خلق من مخلوقات الله الكثيرة، يطيعونه سبحانه ولا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم، وهم لا يستطيعون أن يقترحوا على الله شيئاً بفضل قوتهم، وهم منقطعون دائماً لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى "وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ(164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ(166)"(17).

وإذا كانت هذه حقيقة أمرهم فقد أنحرف عن الصراط المستقيم ووقع في الشرك بالله من عبد أو استعان بالملائكة أو اعتقد أن لهم من الأمر شيء. قال تعالى "ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذا أنتم مسلمون".(18)

علاقة الملائكة بالكون والإنسان

دلّ الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وإنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكّلَ بالشمس والقمر ملائكة، وبالأفلاك ملائكة، وبالجبال ملائكة، وبالسحاب وبالمطر ملائكة، وبالرحم ملائكة تدب أمر النطفة حتى يتم خَلقْها وبالموت ملائكة، ووكل بكل عبد ملائكة، يحفظونه ووكلّ بكل مخلوق، وبكلّ حوادث الكون وظواهره ملائكة(19) وهذا لا ينافي ما يلاحظ في الكون من قوانين وأسباب يرتبط بعضها ببعض لأن هذه القوانين والأسباب إنما هي مخلوقات من مخلوقات الله والملائكة موكَّلة بها أيضاً وموكّلة برعايتها كما ترعى المخلوقات الأخرى ولولا إرادة الله في حفظ هذه الأسباب والقوانين، ولو قدره في تسخير الملائكة للحفظ عليها فإن العقل لا يستلزم أبدا بقاءها على هذه الآماد الطويلة في انتظامها وتناسقه(20).

وأما الإنسان فيدخل بحياته الفطرية في تلك الرعاية التي وكل الله سبحانه الملائكة بها، لأنه مخلوق من مخلوقات الله في الكون بل هو المخلوق الذي سخر الله له ما في الكون كله. قال تعالى" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ"(21).

وفوق هذا فإن للملائكة أعمالا أخرى في حياة الإنسان الإرادية هدفها كما حده الله لهم هداية البشر، وإسعادهم ومساعدتهم على عبادة الله وعونهم على اختيار الهدى والصلاح وإجتناب الشر والفساد والضلال، فهم الذين أختارهم رب العالمين لإيصال هداه إلى أهل الأرض عن طريق رسله الكرام والمَلَكُ المختار لهذه المهمة هو "جبريل عليه السلام".
قال تعالى : "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194)"(22).

Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

1. الإسلام في مواجهة الإستشراق عبدالعظيم المطفي ص(195)
2. سفر التكوين: الإصحاح (18) الفقران(1-8)
3. أنظر: الإيمان- محمد نعيم ياسين (48)
4. سورة البقرة – الآية- 285
5. أنظر: البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل (ج1/140)
6. سورة النساء – الآية- 136
7. أنظر: الإيمان - أركانه - حقيقته - نواقضه ص47
8. سورة البقرة – الآية – 30
9. أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق ، باب أحاديث متفرقة(ج4/2294)
10. شرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر ص11
11. سورة مريم
12. انظر: البخاري مع الفتح ، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل (ج2/14)
13. سورة فاطر الآية 1
14. سورة الأنبياء – الآية 26- 28
15. سورة النحل – الآية 50
16. سورة التحريم – الآية 6
17. سورة الصافات – الآية 164-166
18. سورة آل عمران – الآية 80
19. الإيمان لمحمد نعيم ص(55)
20. الإيمان لمحمد نعيم ص(55)
21. سورة لقمان – الآية 20
22. سورة الشعراء الآية 192-194


       
       
       
 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home