Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi

د. عـلي محمد الصلابي

Wednesday, 14 May, 2008

الإستراتيجية الشاملة
لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

الدكتور عـلي محمد الصلابي

كانت الحرب الصليبية التي أعلنها البابا أوربان الثاني ، شاملة من حيث استخدام كافة الوسائل الممكنة للقضاء على الاسلام وتنصير المسلمين أو قتلهم واستئصالهم من الوجود ، ومما شدني في دراستي المتواصلة لعهد الحروب الصليبية ؛ الحرب أو الجدال أو الحوار أو الصراع الفكري والثقافي بين النصارى والمسلمين ..

وكان مما استخدمه القساوسة والرهبان ومفكري النصارى ومثقفيهم وشعراؤهم ، محاولة تشويه صورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالنثر والشعر ، بل حتى بالرسومات القبيحة كما يحدث في يومنا هذا ..

لقد لاحظت أن المسلمين فى تلك العصور ، لم يهتموا بالمقاطعة الإقتصادية ، بل كان التبادل التجاري على أشده في عهد نور الدين زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي ، بل إن الممالك المسيحية تحصلت على امتيازات تجارية خاصة في عهد صلاح الدين ، وأخيه الملك العادل .. ومع احترامي وتقديري للعلماء والفقهاء المعاصرين ممن يدعون للمقاطعة الاقتصادية ، وأنا من المؤيدين لهم ، إلا أني أضيف تجارب رائدة متميزة قام بها علماء تلك المرحلة في نصرة رسول الله صلى الله وعليم وسلم ، ومن أشهرهم الإمام القرافي صاحب كتاب ( الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة ) ، وكتاب ( أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية ) ، والعلامة أحمد عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي صاحب كتاب ( مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ) ، والمفسر الشهير الإمام القرطبي صاحب كتاب ( الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام ) ، وغيرهم من العلماء المشارقة والمغاربة في تلك الفترة ، فقد اهتم العلماء في تلك لفترة بجوانب عدة منها :

أولاً : الدعوة إلى التوحيد .. لقد مثل التوحيد أهم أمور العقيدة الاسلامية التي دعا المسلمون النصارى إليها في فترة الحروب الصليبية ، وذلك من خلال الدعوة المباشرة بالحث على توحيد الله سبحانه وتعالى ونفى الشريك عنه ، أو من خلال إبطال عقيدة التثليث أو من خلال نفى الألوهية عن السيد المسيح عليه السلام (1) ، وقد جعل العلماء دعوة النصارى إلى التوحيد هي أولى ما تصرف فيه الهمم ..

ثانياً : الدعوة إلى اعتناق الإسلام بشكل مجمل .. كانت الدعوة إلى الإسلام تتم من خلال ذكر الأدلة على صحته وبيان محاسنه ، أو من خلال رد الشبه عن تشريعاته ، وتم التركيز على الدعوة إلى الإيمان بالقرآن ، من خلال رد الشبه التي أثيرت حوله والدعوة إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بأساليب متعددة من أهمها إثبات نبوته من خلال ذكر البشارات به صلى الله وعليه وسلم من التوارة والإنجيل ؛ حيث أسهب العلماء في هذه الفترة بذكر البشارات ، وذلك لأن المعاندين من النصارى لا يستطيعون إنكارها ، وكذلك هو إيضاح لمن يجهل ذلك منهم أو حيل بينه وبين فهمه تضليل مبطل من قساوستهم حيث ساق الجعفري مثلاً أربعاً وثمانين بشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوارة والإنجيل ، وسرد القرافي إحدى وخمسين بشارة في كتابه الأجوبة الفاخرة ، وقد أسهب الخزرجي والقرطبي في معرض ردودهم على النصارى بذكر البشارات به صلى الله عليه وسلم من التوارة والإنجيل ..(2)

ثالثاً : مناقشة عقائد النصارى .. لقد تصدى علماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية لمناقشة معتقدات النصارى ؛ إبطالاً لها وتفنيداً لحجج دياناتهم وقياماً بواجب النصرة لرسولهم صلى الله عليه وسلم ، وانطلاقا بحقوق الدعوة التي ورثوها .. وذلك على النحو التالي :

1- نقض قانون الأمانة .. وهي وثيقة الأمانة أو ما يعرف بقانون الإيمان عند النصارى ، وهو أصل عقيدتهم الذي لا يتم إيمان نصراني إلا باعتقاده ، فقد ناقشها علماء المسلمين وبينوا تناقضها وتهافتها ، ومن ثم هدم ما يقوم عليها من معقتدات في الديانة النصرانية ..

2- إختلاف الأناجيل وتناقضها .. فبين العلماء المسلمون أن الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام ، ليس هو الذي بين يدي النصارى اليوم ، إذ بين أيديهم الآن أربعة أناجيل انتخبت من عدد غير محدود من الأناجيل ، حيث اعتمدت الكنيسة هذه الأربعة بما يسمى الأناجيل القانونية من بين أناجيل كثيرة تم استبعادها وأطلق عليها الأناجيل غير القانونية (3) ، فلا يستبعد أن يكون الإنجيل الصحيح من بين ما تم استبعاده ، وحتى هذه الأربعة المعتمدة لم تسلم من الاختلاف فيما بينها ، والتناقض الذي لا يمكن التوفيق فيه ، وقد قام العلماء في تلك المرحلة بدراستها مبينين تناقضها وعدم الإطمئنان إلى ما فيها ، وإظهار ذلك للنصارى رغبة في هدايتهم ، ونصرة لنبيهم صلى الله وعليه وسلم ودينهم ؛ فهذا الجعفري يوضح أن من وقف عل التناقض في الإنجيل أو مصادمة بعضه بعضاً يشهد بأنه ليس هو الإنجيل الحق المنزل من عند الله ، وإن أكثره من أقوال الرواة وأقاصيصهم وأن نقلته أفسدوه ومزجوه بحكاياتهم وألحقوا به أموراً غير مسموعة من المسيح ولا من أصحابه ، وهو ليس إنجيلاً واحداً بل أربعة أناجيل كتب كل واحد منها في قطر من الأقطار ، بقلم غير قلم الآخر وتضمن كل كتاب أقاصيص وحكايات أغفلها بقية الكتاب ، وإذا كان الأمر كذلك فقد انخرمت الثقة بهذا الإنجيل وانعدمت الطمأنينة بنقله .. ثم أورد الجعفري نماذج عديدة تبين تحريف الإنجيل وتناقضه ..

3- نقد قولهم في المسيح عليه السلام .. ناقش علماء المسلمين عقيدة النصارى بالمسيح نقاشاً مستفيضاً ، وبينوا الحق وأسهموا بردودهم في إبطال اتخاذ المسيح أحد ثلاثة آلهة ، ورد ادعائهم لبنوته لله سبحانه ، وتفنيد ما ادعوه من قتله وصلبه بأدلة متينة رائعة تزيل الظلام ، وتنشر النور بين الناس ..

4- مناقشة شعائر النصارى وطقوسهم .. وما يجدر ذكره أن الطقوس والشعائر النصرانية المبتدعة كثيرة جداً ، وقد أسهب العلماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية في سرد التفاصيل والأمثلة التي توضح إبتداع النصارى لديانتهم وطقوسهم ، وبطلان ما استندوا عليه في إثباتها ، وقال القرافي في مقدمة مناقشته لبعض عبادات النصارى ، غرضنا من هذا الفن أن نجمع مسائل من قواعد دينهم ونبين فسادها ، وأنهم ليسوا على شيء فيها ، بل تركوا نصوص التوارة والإنجيل ، وعملوا بخلافهما من غير حجة ولا دليل (4) ، وقد كان مما فند العلماء من العبادات والطقوس ؛ كالاعتراف وصكوك الغفران وأعياد النصارى وصلاتهم وصيامهم ..

5- تشريع النصارى في الزواج .. ناقش العلماء مسألة الزواج عند النصارى منهم الجعفري والقرافي وبينوا :
أ‌ - ضلالهم في ذلك وأن الأمر بترك الزواج مما لا يصح نسبته للمسيح ..
ب ‌- أن في ترك الزواج سدا لباب الذرية الصالحة ، وقطع للتناسل ، وانقراض لجنس الآدميين ..
ج‌ - أن الزواج يشتمل على قربات كثيرة ، منها عفاف الزوجين ، والتسبب في حياة عبد صالح يعبد الله ، ويراغم الشيطان وغير ذلك ..
د - وتم مناقشة النصارى في تركهم الختان ، وتعظيمهم للصور والتماثيل ، وكشف لحقيقة الخوارق ، التي يلبسون بها على الناس ..

رابعاً : التصدى للشبه والأباطيل .. لقد تصدى العلماء للشبهات التي أثارها النصارى ؛ كدعوى خصوصية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للعرب ، ودعوى إن القرآن أورد تعظيم النصارى والثناء عليهم ، وتعدد الزوجات في الإسلام ، ودعوى انتشار الإسلام بالسيف ، وانتقادهم لمشروعية الطلاق ، ودعوى أن المسلمين وثنيون وكفار ، وغير ذلك من الشبهات ..

خامساً : المقاومة المسلحة .. تصدى قادة المسلمين للغزاة المحتلين ، وكان الجهاد في سبيل الله من أهم وسائل نصرة دين الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان من أشهر قادة الجهاد عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم ، وكانت هذه الوسيلة من الوسائل التي ساهمت في إفشال الحملات الصليبية الساعية للقضاء على دين الاسلام وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، واحتلال ديار المسلمين .. ومما يتأسس على تفعيل هذا البند في زمننا هذا ؛ دعم حركات المقاومة في العراق وفلسطين وأفغانستان ، لتحرير ديار المسلمين من الإحتلال الصليبي واليهودي ، وهذا من تمام النصرة لدين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

سادساً : أساليب دعوة المسلمين للنصارى .. لقد اهتم العلماء باستخدام الأساليب العقلية في دعوة النصارى .. من سبر وتقسيم ، وقياس أولى ، وأسلوب القياس المساوي ، والمحاكمات العقلية ، وأسلوب القلب ، وتناقض الخصوم ، وأسلوب المقارنة ، والإستدلال بمسلمات الخصم ، والأساليب العاطفية ، من ترهيب واستهزاء وتهكم ولين وتلطف بالخطاب ، وأسلوب القسم وضرب الأمثال ، والقصة والتكرار ، والإستفهام والتعجب ، واستخدام الشعر في تأدية المعاني ..

سابعاً : آثار استراتيجية دعوى النصارى في عصر الحروب الصليبية ..
1- دخول أعداد كبيرة من النصارى في الإسلام ..
2- تأثر بعض النصارى بعادات المسلمين وأخلاقهم ..
3- تحسن معاملة النصارى لمن تحت أيديهم من المسلمين ..
4- إهتمام الأوروبيون باللغة العربية ، واشتغالهم بعلومها وفنونها ..
5- تحسن نظرة بعض النصارى لحضارة الإسلام وأخلاق المسلمين ..
6- ظهور عزة الإسلام ، واهتمام مثقفي الغرب بمعارف الشرق وعلومهم ..
7- فقد الثقة في وعود البابا وأمانيه ، والشك في أخلاقيات واستقامة رجال الدين ..

أهم الدروس والعبر من دراسة الحوار الثقافي بين المسلمين والنصارى في عهد الحروب الصليبية :
1- أهمية اليقظة والحذر من كيد أعداء الإسلام ، في كل زمان ومكان وإن اختلفت الوسائل وتنوعت الأساليب ..
2- وجوب الدعوة إلى الله على بصيرة ، وأهمية دور العلماء في نهضة الأمة ، والتصدي للغزاة على كل المستويات الفكرية والسياسية والثقافية والعسكرية ..
3- عدم استعجال النتائج خصوصا في المجالات الفكرية والثقافية ، وأهمية العمل الدؤوب في تحقيق الأهداف ..
4- المقاومة المدروسة للغزاة على منهج سليم ، أساس النجاح والإنتصار على الأعداء ، وتحصين الصف الداخلي ..
5- وجوب الاهتمام بالأقليات الإسلامية في ديار الغرب ، وتذكيرهم برسالتهم ، ودعمهم باستمرار لتحقيق الأهداف المرجوة على المدى الطويل ..
6- يعتبر الثبات والصبر والمقاومة ، وعدم ترك الأوطان أمام زحف العدو ؛ من أهم عوامل النصر على الأعداء ، وبقاء راية الإسلام خفاقةً في ديارنا ..
7- طباعة الكتب والرسائل ، وإقامة المناظرات العلمية .. من أهم وسائل إحياء الأمة ، وتقرير العقيدة وبيان السنة ، وإبراز المحاسن ، وإبطال شبهات الأعداء حول الإسلام بمختلف اللغات ..
8- ضرورة إعداد المتخصصين بمعرفة شبهات الأعداء حول الإسلام ، وأساليبهم وطرق الرد عليها وتعميم الثقافة الإسلامية ..
9- عدم القنوت أواليأس من روح الله ، مهما كبرت الرزايا وكثرت الفتن ، قال تعالى ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) يوسف87
10- أهمية التزام المسلمين بأحكام دينهم ، وأثر ذلك في نشر الإسلام وقبوله لدى الآخرين ..
11- الثقة المطلقة في نصر الله ، وانتصار الإسلام وعزة المسلمين ، قال تعالى ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة32

لقد أتممت - بحمد الله وفضله وتوفيقه - دراسة نادرة ، حول الجدل الثقافي الموسع بين المسلمين والنصارى في عهد الحروب الصليبية ، فيها فكرة الإستراتيجية الشاملة لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسترى النور بإذن الله تعالى في الأشهر القادمة .. والله من وراء القصد .
________________________________________________

المراجع :
1- دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب لصليبية (1 /68 )
2- دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب لصليبية (1 /199 )
3- المصدر نفسه (1/241 )
4- الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 402


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home