Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الجمعة 14 مايو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24

الحلقة (25) وما يليها

فقه القدوم على الله تعالى (1)


د. عـلي محمد الصلابي

المقدمة 

بسم الله الرحمن الرحيم 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم  مُّسْلِمُونَ" (آل عمران، آية : 102). " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" (النساء، آية : 1). "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (الأحزاب، آية : 70 ـ 71). يا رب لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعض الرضى. 

أما بعد: فهذا الكتاب يتحدث عن اليوم الآخر الذي أخبرنا به الخالق العظيم، الرحمان الرحيم، القوى العزيز، في كتابه المجيد. 

ومن خلال مسيرتي في عالم التاريخ رأيت كيف قامت الدول وزالت، وتوسعت الحضارات ثم تبخرت كأن لم تغن بالأمس، وكم من ملوك وأمراء وقادة وحكام وعلماء وفقهاء، وفلاسفة، وعوام من الناس لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، قد ماتوا وأصبحوا في الأمس الغابر، ودخلوا في عالم البرزخ العظيم. 

هذا الكتاب يتحدث عن مصير البشرية بدون استثناء ويجيب عن أسئلة حيَّرت الكثير من العقول لبعدها عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. 

إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد اضطربت فيه التصورات وانحرفت فيه العقائد عن الله والكون، والإنسان والحياة، والقضاء والقدر، والجنة والنار، والمسلمون يملكون عقيدة سليمة لا يملكها غيرهم، وحباهم الله بكتابه العزيز الذي حفظه من الضياع والتحريف وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وهي شارحة ومبينة لكتاب ربنا عز وجل، فبإمكاننا أن نقدم للعالم شيئاً يحتاجه ولا يملكه ومفتقر إليه ولا يستغني عنه. 

إن بني البشر يسألون عن مصيرهم وإلى أين هم ذاهبون ويخشون من الموت وأهواله ويبحثون عن إجابات شافية ماذا بعد الموت؟ وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" (المؤمنون، آية : 115 ـ 116) في هذا الكتاب إجابات شافية ووافية لتساؤلات الكثير من بني الإنسان قد جمعتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة واسترشدت بأقوال علماء راسخين وفقهاء ربانيين حفظ الله جهودهم العلمية في أمهات الكتب القديمة والحديثة والمراجع والمصادر الموثوقة. 

فهذا الكتاب في فصله الأول يتحدث عن الروح والموت وحياة البرزخ ويبين حقيقة الروح في القرآن الكريم، ويجيب على اسئلة متعلقة بها، هل الروح قديمة أم مخلوقة؟ وهل النفس هي الروح وما هي مراتب النفوس؟ وهل تموت الأرواح؟ وهل للروح كيفية تعلم؟ وكيف تقبض الروح في النوم؟ ومتى يغلق باب التوبة؟ وكيفية نزع الروح وخروج روح المؤمن؟ 

ويشرح الآيات المتعلقة بهذه الأمور كقوله تعالى:" أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ*لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (يونس، آية : 62 ـ 64). وقوله تعالى:" كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل، آية : 31 ـ 32). وقوله تعالى:" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ*ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً" (الفجر، آية : 27 ـ 28). 

وكذلك الحديث عن خروج روح الكافر واحتضاره وشرح الآيات المتعلقة بذلك كقوله تعالى:" وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ" ( الأنعام، آية : 93). وقوله تعالى:" يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا" (الفرقان، آية : 22). وقوله تعالى:" حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" (المؤمنون، آية : 99 ـ 100). 

وفي المبحث الثاني: كان الحديث عن الموت وحقيقته وأهمية تذكره في حياة الإنسان، للإبتعاد عن المعاصي، وتليين القلب القاسي وتهوين المصائب، فمن أكثر من ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده واستعد للرحيل. 

قال الشاعر:

              مشيناها خطا كتبت علينا

                                         ومن كتبت عليه خطا مشاها

              وأرزاق لنا متفرقات

                                         فمن لم تأته منا أتاها

              ومن كتبت منيته بأرض

                                         فليس يموت في أرض سواها

وقال آخر:

              هب الدنيا تساق إليك عفوا

                                         أليس مصير ذاك إلى انتقال

              وما دنياك إلا مثل فيء

                                         أظلك ثم آذن بالزوال

ويجد القاريء الكريم بيان الحكمة من الموت وأن ساعة الموت أخطر لحظة في عمر الإنسان، فتزداد حسرة الميت ومصيبته وفجيعته حين يكون منكراً للحياة الآخرة، أو مغرور بمسلكه المضاد لدين الله، أو القائم على البدع والخرافات التي أبعدته عن الإيمان الصحيح والطريق السوي الموافق للكتاب والسنة. 

وأشرت إلى أسباب حسن الخاتمة، كإقامة التوحيد لله عز وجل، والاستقامة، والتقوى، والصدق، والتوبة والدعاء، وقصر الأمل والتفكر في حقارة الدنيا والإكثار من ذكر الموت، وغلبة الرجاء وحسن الظن بالله، والبعد عن أسباب سوء الخاتمة، كما بينت أسباب سوء الخاتمة كالشك والجحود، والتعبد بالبدع وتسويف التوبة وعدم الاستقامة، وتعلق القلب بغير الله وسوء الظن بالله، والإصرار على الذنوب والمعاصي ونسيان الآخرة وعدم ذكر الموت والظلم. 

كما شرحت الآيات التي تحدثت عن قبض أرواح العباد كقوله تعالى:"  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ*ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ" (الانعام، آية : 61 ـ 62). 

وفي المبحث الثالث كان الحديث عن حياة البرزخ والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على عذاب القبر، وما ينتفع به الميت من عمل الأحياء وما يتبع الميت إلى قبره، وأن القبر أول منازل الآخرة والحكمة من عذاب القبر ونعيمه، وهل عذاب القبر دائم أم منقطع؟ وعن أسباب عذاب القبر والنجاة منه؟ وأين مستقر الأرواح في البرزخ، كأرواح الأنبياء، وأرواح الشهداء، وأرواح المؤمنين الصالحين وأرواح العصاة وأرواح الكفار. 

وفي الفصل الثاني، كان الحديث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى والنفخ في الصور وفي المبحث الأول لخصت مجمل أشراط الساعة الصغرى وفي الثاني كان الحديث عن أشراط الساعة الكبرى في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة،كنزول عيسى عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والمهدي، المسيح الدجال، والخسوفات الثلاثة، والنار التي تحشر الناس. 

وفي المبحث الثالث: النفخ في الصور وماهو الصور؟ وما هي عدد النفخات؟ وكان الحديث عن البعث في الفصل الثالث والآدلة على ذلك وأسماء يوم القيامة وفي المبحث الثاني: خصص للحشر وأهوال يوم القيامة، وشرح الآيات التي تحدثت عن الحشر كقوله تعالى:"وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (الأنعام، آية : 51). وكقوله تعالى:"وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا" (الكهف، آية : 47) وكقوله تعالى:"وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ". 

وتكلمت عن مكان الحشر، وصفة الناس في الحشر، وأحوالهم وخوفهم الشديد، وبينت أهوال يوم القيامة التي ذكرت في القرآن الكريم، كدك الأرض ونسف الجبال، وقبض الأرض وطيء السماء، وتفجير البحار وتسجيرها، وموران السماء وانفطارها، وتكوير الشمس وخسف القمر وتناثر النجوم، وسجود الخلائق لله سبحانه عند إتيانه للفصل بين العالمين ونزول الملائكة. 

 ووضحت أحوال الكفار يوم القيامة كذلتهم وهوانهم وحسرتهم وبأسهم، واسوداد وجوههم، واحباط أعمالهم وفضيحتهم أمام الخلائق وتخاصمهم في الموقف، وكتخاصم العابدين والمعبودين والأتباع مع القادة المضلين، والضعفاء مع السادة والملوك، والمرء مع قرينه وأعضائه، ومقتهم لأنفسهم كل ذلك من خلال القرآن العظيم، وذكرت صفة حشرهم، كحشرهم وهم عطاش، وهم عمى وصم وبكم، كما كان لأحوال عصاة الموحدين نصيب من الحديث في هذا الكتاب، كالذين لا يؤدون الزكاة، وأصحاب الغلول، والمتكبرون، غاصب الأرض، والغادرون، وذو الوجهين، والحاكم الذي يتحجب عن رعيته، كما كان لحال الأتقياء ذكر، فهم لا يخافون ولا يحزنون ولا يفزعون إذا فزع الناس يوم الفزع الأكبر، كما أن وجوههم بيض، ويظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله بسبب أعمالهم في الدنيا والتي من أهمها العدل في حكمهم وأهليهم وما ولّوا، والتيسير على المعسرين والذين يسعون في حاجة إخوانهم ويسدّون خلتهم والكاظمين الغيظ، وعتقهم للرقاب. 

وفي المبحث الثالث، تكلمت عن الشفاعة وذكرت الأدلة القرآنية والنبوية في ثبوتها، وأقسامها، وشروطها وأنواعها، كإختصاصه صلى الله عليه وسلم بإستفتاح باب الجنة، والشفاعة في أهل الكبائر، والشفاعة في أقوام يدخلوا الجنة بغير حساب، وعن شفاعة غير النبي صلى الله عليه، كالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون الصالحون، الشهداء وأولاد المؤمنين، والقرآن الكريم وكان الحديث عن الأسباب الجالبة للشفاعة كالتوحيد وإخلاص العبادة لله، والصيام، والدعاء بما ورد عند الآذان، سكن المدينة والصبر على لآوائها وكثرة السجود... 

وفي المبحث الرابع؛ كان الحديث عن الحساب والميزان والحوض والصراط فقد ذكر الله سبحانه وتعالى مشهد الحساب والجزاء فقال تعالى:" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (الزمر، آية : 69)، وشرحت مجموعة من الآيات المباركة المتعلقة بالحساب، كقوله تعالى:" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ*فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا" (الإنشقاق، آية : 7 ـ 8). 

ــ كقوله تعالى:" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا*اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا*مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء، آية : 13 ـ 15) وغيرها من الآيات الكريمة. 

وكان الحديث كذلك عن اقتصاص المظالم بين الخلق وعظم شأن الدماء وأول ما يقضى بين العباد وذكرت الأدلة الشرعية المتعلقة بالحوض والميزان ورأي العلماء في تفسير قول الله تعالى:" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء، آية : 47) ولخصت أهم الأعمال التي تثقل الميزان يوم القيامة، كحسن الخلق وتسبيح الله وتحميده. 

ووقفت مع قوله:" وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا {71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" (مريم، آية : 71 ـ 72)، وعلاقة هذه الآية بالمرور على الصراط وياله من موقف يشيب لهوله الولدان ها هي الأمانة على الصراط لتقول لكل خائن يمر عليها أين الأمانة التي ضيعتها؟ أين أمانة الأموال التي سرقتها؟ أين أمانة الشهادة لهذا الدين؟ أين الأمانات التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها أنت الإنسان، بل ها هي الرحم تتعلق على الصراط لتقول لكل من قطعها: أين صلة الرحم التي قطعتها في الدنيا؟ وماذا ستصنع في اليوم أمام تلك الأهوال. 

قال الشاعر:

              أبت نفسي تتوب فيما احتيالي

                                         إذا برز العباد لذي الجلالي

              وقاموا من قبورهم سكارى

                                         بأوزار كأمثال الجبال

              وقد نصب الصراط لكي يجوزوا

                                         فمنهم من يكب على الشمال

              ومنهم من يسير لدار عدن

                                         تلقاه العرائس بالغواني

              يقول له المهيمن يا ولي

                                         غفرت لك الذنوب فلا تبالي 

وفي الفصل الرابع كان الحديث عن النار والجنة وافردت في المبحث الأول: مقدمات، كخلود الجنة والنار وكونهما مخلوقتان موجودتان الآن، ومكانهما، وأصحاب الأعراف وفي المبحث الثاني تكلمت عن النار، واسمائها وخزنتها وصفتها وما أعد الله لأهلها ومطالبهم فيها وصور من عذابها، وفي المبحث الثالث، اشرت إلى موانع انفاذ الوعيد، كالتوبة والإستغفار، والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين، وإهداء القربات، والشفاعة لأهل الكبائر، والمصائب المكفرة والعفو الإلهي. 

وفي المبحث الرابع: كان الحديث عن الجنة والطريق إليها واخلاق أهلها، ومن أول وآخر من يدخلها؟ وما أشهر أسمائها وصفتها وأصحابها؟ ومن هم سادة أهل الجنة؟ وما هو فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا؟ وتم التفصيل في نعيم أهل الجنة، كالحديث عن طعامهم وشرابهم، ولباسهم وحيلهم وخدمهم ونسائهم وعن أفضل ما يعطاه أهل الجنة من النظر إلى وجه الله الكريم ورضوانه العظيم وختم الكتاب بدعاء أهل الجنة قال تعالى:" دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (يونس، آية : 10). 

أيها القاريء الكريم، أضعُ بين يديك هذا الكتاب، راجياً من الله أن يحيا قلبُك، وتزداد هدية مع كل معرفة جديدة عن ذلك اليوم الذي أخبرنا عنه المولى عز وجل في كتابه بطريقه سهلة ميسرة، دون عناء ولا شقاء، فاعمل لذلك اليوم واستعد للقاء العزيز الرحيم في ذاك اليوم الذي لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. 

أيها القاريء الكريم: إن جعلت في هذه الدار أو افتقرت أو حزنت أو مرضت أو بخست حقاً أو ذقت ظلماً فذكر نفسك بالنعيم المقيم في جنات رب العالمين، إنك إن اعتقدت هذه العقيدة وعملت لهذا المصير تحولت خسائرك إلى أرباح، وبلاياك إلى عطايا، إن أعقل الناس هم الذين يعملون للآخرة لأنها خير وأبقى وإن أحمقهم الذين يرون أن هذه الدنيا هي قرارهم ودارهم ومنتهى أمانيهم، فتجدهم أجزع الناس عند المصائب، وأندمهم عند الحوادث، لأنهم لا يرون إلا حياتهم الزهيدة الحقيرة، لا ينظرون إلا إلى هذه الفانية لا يتفكرون في غيرها ولا يعملون لسواها، فلا يريدون أن يعكّر لهم سرورهم ولا يكدّر عليهم فرحهم، ولو أنهم خلعوا حجاب الران عن قلوبهم وغطاء الجهل عن عيونهم لحدثوا أنفسهم بدار الخلد ونعيمها دورها وقصورها ولسمعوا وأنصتوا لخطاب الوحي في وصفها. 

إنها والله الدار التي تستحق الاهتمام والكَدَّ والجهد وهل تأملنا طويلاً في أهل الجنة بأنهم لا يمرضون ولا يحزنون ولا يموتون ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، في غرف يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيما ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يسير الراكب في شجرة من أشجارها مائة عام لا يقطعها، طولَ الخيمَّة فيها ستون ميلاً، أنهارُها مطرده، قصورُها منيفة، قطوفها دانية، عيونها جارية، سُررُها مرفوعة أكوابها موضوعة، نمارقها مصفوفة، زرابيها مبثوثة، عظم حبورها، فاح عَرْفها، منتهى الأماني فيها، فأين عقولنا لا تفكّر؟ ما لنا لا نتدبّر؟ إذا كان المصير إلى هذه الدار، فلتخفَّ المصائب على المصابين، ولتقرّ عيون المنكوبين ولتفرح قلوب المعدّمين[1]، وليعمل لرضى رب العالمين العاملون المخلصون. 

أيها القاريء الكريم: إن مما يثبت السعادة وينميها ويعمقها أن لا تهتم بتوافه الأمور، فصاحب الهمة العالية همُّه طلب الآخرة، فيتسامى عن بنيات الطريق فاجعل الهم همّا واحداً، همّ لقاء الله عز وجل، هم الوقوف بين يديه[2] "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ" 

قال الشاعر:

              يوم القيامة لو علمت بهوله

                                         لفررت من أهل ومن أوطان

              يوم تشققت السماء لهوله

                                         وتَشَيب فيه مفارق الولدان

              يوم عبوس قمطريرُ شره

                                         في الخلق منتشرٌ عظيمُ الشَّان

              والجنة العُليا ونارُ جهنَّم

                                         داران للخصمين دائمتان

              يوم يجيءُ المتقون لربِّهم

                                         وفداً على نُجُب من العقيان

              ويجيءُ فيه المجرمون إلى لَظَى

                                         يتلَّمظون تلمَّظ العطشان

              ودخول بعض المسلمين جهنَّماً

                                         بكبائر الآثام والطُّغيان

              والله يرحمهم بصحَّةِ عقدهم

                                         ويُبدَّلوا من خوفهم بأمان

              وشفيعهم عند الخروج محمد

                                         وطهورهم في شاطيءِ الحيوان

              حتى إذا طهُرُوا هُنالك أُدخلوا

                                         جنات عدن وهي خيرُ جنان

              فالله يجمعنا وإيّاهم بها

                                         من غير تعذيب وغير هوان[3] 

هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الأحد في الساعة التاسعة إلا خمس دقائق ليلاً بتاريخ 28/ 11/ 2009م 11 ذي الحجة/1430هـ بالدوحة، والفضل لله من قبل ومن بعد وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويشرح صدور العباد للانتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده قال تعالى:"مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (فاطر، آية : 2). 

ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم وإلهي الكريم معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرئاً من حولي وقوتي ملتجئاً إليه في كل حركاتي وسكناتي وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق، فلو تخلى عني ووكلني إلى عقلي ونفسي، لتبلد مني العقل، ولغابت الذاكرة، وليبست الأصابع، ولجفت العواطف، ولتحجرت المشاعر ولعجز القلم عن البيان. 

اللهم بصرني بما يرضيك واشرح له صدري وجنبني اللهم ما لا يرضيك وأصرفه عن قلبي وتفكيري وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل عملي لوجهك خالصاً ولعبادك نافعاً وأن تثيبني على كل حرف كتبته وتجعله في ميزان حسناتي وأن تثيب اخواني الذين أعانوني على اتمام هذا الجهد الذي لولاك ما كان له وجود ولا انتشار بين الناس ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير، إلى عفو ربه، ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه، قال تعالى:"رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل، آية : 19). 

واختم هذا الكتاب بقول الله تعالى:" رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحشر، آية : 10).

"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك".

علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لا تحزن د. عائض القرني ص 47.

[2] المصدر نفسه ص79.

[3] نونية القحطاني ص19 ـ 20.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24

الحلقة (25) وما يليها

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home