Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الإثنين 11 يناير 2010

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

الإيمان بالله جل جلاله (25)

 

د. عـلي محمد الصلابي

 

7ـ الإجتهاد في التحقق من مقام الإحسان: في عبادة الله والإحسان إلى خلقه، فيجتهد، أن يعبد الله كأنه يشاهده ويراه، فيجتهد في إكمال العمل واتقانه ولا يزال العبد يجاهد نفسه: ليتحقق بهذا المقام العالي، حتى يقوم إيمانه ويقينه ويصل في ذلك إلى حق اليقين ـ الذي هو أعلى مراتب اليقين، فيذوق حلاوة الطاعات، ويجد ثمرة المعاملات، وهذا هو الإيمان الكامل وكذلك الإحسان إلى الخلق ـ بالقول، والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع، هو من الإيمان ومن دواعي الإيمان، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسن إلى عباد الله وأوصل إليه من بره، أحسن الله إليه أنواعاً من الإحسان ومن أفضها: أن يقوي إيمانه ورغبته في فعل الخير، والتقرب إلى ربه وإخلاص العمل له وبذلك يتحقق العبد بالنصح لله، ولعباده، فإن الدين النصيحة، ومن وفق للإحسان في عبادة ربه، والإحسان في معاملة الخلق، فقد تحقق نصحه[1].

ـ قال تعالى: " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى" (النحل ، آية : 90).

ـ وقال تعالى: " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران ، آية 134).

ـ وقال تعالى: " إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ" (الأعراف ، آية : 56).

ـ وقال تعالى: " وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (هود ، آية : 115).

ـ وقال تعالى: " هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ" (الرحمن ، آية : 60).

ـ وقال تعالى: " إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحل ، آية : 128).

فالمحسنون يشعرون بمعية الله يا له من شعور عظيم يستحقه المحسنون[2].

8 ـ الدعوة إلى الله: ومن دواعي الإيمان وأسبابه، والدعوة إلى الله وإلى دينه والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى إلتزام شرائعه، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن طريق الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده، من أكبر مقومات الإيمان، وصاحب الدعوة لا بد أن يسعى بنصر هذه الدعوة، ويقيم الأدلة والبراهيم على تحقيقها، ويأتي بالأمور من أبوابها، ويتوسل إلى الأمور من طرقها، وهذه الأمور من طرق الإيمان وأبوابه، كما أن الجزاء من جنس العمل، فكما سعى إلى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بد أن يجازيه الله من جنس عمله، ويؤيده من نور منه وروح وقوة وإيمان وحسن التوكل عليه، فإن الإيمان وحسن التوكل على الله يحصل به النصر على الأعداء، وشياطين الإنس وشياطن الجن[3]، كما قال تعالى: " إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (النحل ، آية : 99)، وقال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (فصلت ، آية : 33 ـ 35).

9ـ توطين النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان: ومن أهم مواد الإيمان ومقوياته، توطين النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان، من شعب الكفر والفسوق والعصيان، فإنه كما أنه لا بد في الإيمان من فعل جميع الأسباب المقوية المنمية له، فلا بد مع ذلك من دفع الموانع والعوائق، وهي الإقلاع عن المعاصي، والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها من المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الإيمان المضعفة له والشهوات المضعفة لإرادات الإيمان[4]، فإن الإيرادات التي أصلها الرغبة في الخير ومحبته والسعي لا تترك إلا بترك إرادات ما ينافيها: من رغبة النفس في الشر ومقاومة النفس الإمارة بالسوء، فمتى حفظ العبد من الوقوع في فتن الشبهات وفتن الشهوات تم إيمانه وقوي يقينه وصار مثل بستان إيمانه، "كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (البقرة ، آية ¨265)، ومتى كان الأمر بالعكس، بأن استولت عليه النفس الإمارة بالسوء، ووقع في فتن الشبهات أو الشهوات، أو كليهما انطبق عليه هذا المثل وهو قوله تعالى: "أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" (البقرة ، آية : 266). فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في أمرين:

ـ إحداهما: تحقيق أصول الإيمان وفروعه والتحقق بها علماً وحالاً.

ـ والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها: من الفتن الظاهرية والباطنية، ويروي ما قصر فيها من الأول وما تجرأ عليه من الثاني، بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته، قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" (الأعراف ، آية : 201)، أي: مبصرون الخلل الذي وقعوا فيه، والنقص الذي أصابهم من طائف الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، فإذا أبصروا، تداركوا هذا الخلل بسده وهذا الفتق برتقه[5]، فعادوا إلى حالهم الكاملة وعاد عدوهم حسيراً ذليلاً وأخوان الشيطان، "يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ

لاَ يُقْصِرُونَ" (الأعراف ، آية : 202). الشياطين لا تقصر عن أغوائهم وإيقاعها في أشراك الهلاك، والمستجيبن لهم لا يقصرون عن طاعة أعدائهم، والاستجابة لدعوتهم حتى يقعوا في الهلاك، ويحق عليهم الخسار، ولذلك نكثر من الدعاء، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين بفضلك ومنتك أنك أنت العليم الحكيم[6].

10ـ معرفة حقيقة الدنيا واعتبارها ممر للآخرة: ومن موقيات الإيمان معرفة حقيقة الدنيا وأنها مهما طالت فهي إلى زوال، وإن متاعها مهما عظم، فإنه قليل حقير، قال تعالى: " إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (يونس ، آية : 24)، إن الآية الكريمة السابقة فيها عشر جمل وقع التركيب من مجموعها، بحيث لو سقط منها شئ اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا بسرعة تقضيها وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفه وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من الجوائح، أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس[7]، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى: "وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا" (الكهف ، آية : 45) أي: واضرب يا محمد للناس ((مثل الحياة الدنيا)) في زوالها، وفنائها وانقضائها " كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ" أي: ما فيها من الحب، فشبَّ، ونما، وحسن وعلاه الزهر، والنضرة، ثم بعد هذا كله ((فأصبح هشيماً)) أي: يابساً ((تذروه الرياح)) أي: تفرِّقه، وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ((وكان الله على كل شئ مقتدراً)) أي: هو قادر على الإنشاء والإفناء[8].

قال تعالى: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد ، آية : 20)، يقول تعالى مُوهِّنَاً أمر الحياة الدنيا، ومحقراً لها ((اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب)) أي: تفريج نفس ((ولهو)) أي: باطل ((وزينة)) أي: منظر جميل ((وتفاخر بينكم)) أي: بالحسب والنسب ((وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث)) أي: مطر ((أعجب الكفار)) أي: يعجب الزراع ذلك النبات فإنهم أحرص الناس عليه، وأميل الناس إليه ((ثم يهيج فتراه مصفراً)) أي: ثم يجف بعد خضرته، ونضرته، وتراه مصفراً، أي: من اليبس ((ثم يكون حطاماً)) أي: ثم يكون بعد ذلك كله حطاماً أي: هشيماً منكسراً، وكذلك الدنيا لا تبقى، كما لا يبقى النبات، الذي وصفناه، ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا، وانقضائها لا محالة، وأن الآخرة كائنة وآتية لا محالة، حذرنا الله تعالى من أمرها، ورغبنا فيما فيها من الخير، فقال تعالى: " وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ" أي: وليس في الآخرة الآتية إلا: إما هذا وإما هذا، أي: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان، وقوله تعالى: "وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" أي: هي متاع زائل يغر، ويخدع من يركن إليها، وإلى متاعها، فيغتر بها، وتعجب من يعتقد: أنه لا دار سواها، ولا معاد ورائها، مع أنها حقيرة، قليلة المتاع بالنسبة إلى الدّار الآخرة[9].

إن هذه الحقيقة التي أشارت إليها الآيات الكريمة، هي حقيقة الدنيا بكل متاعها، وزينتها، وما تشتهيه النفس منها، وإنّ كلّ ذلك بالنسبة لنعيم الآخرة شيء تافه، وقليل وزائل، هكذا فهم المسلمون حقيقة الدنيا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبصرّهم ويذكرهم بدورهم، ورسالتهم في الأرض، ومكانتهم عند الله، وظل صلى الله عليه وسلم معهم على هذه الحال من التبصير والتذكير حتى انقدح في ذهنهم ما لهم عند الله وما دورهم وما رسالتهم في الأرض، وتأثراً بتربيته الحميدة تولد الحماس، والعزيمة في نفوس أصحابه، فانطلقوا عاملين بالليل والنهار بكلّ ما في وسعهم وما في طاقتهم دون فتور أو توان، ودون كسل، أو ملل ودون خوف من أحد إلا الله، ودون طمع في مغنم أو جاه إلا أداء هذا الدور، وهذه الرسالة، لتحقيق هذه العادة في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة[10].


[1] شجرة الإيمان صـ53.

[2] أخلاق عمرو خالد صـ38.

[3] شجرة الإيمان صـ53.

[4] المصدر نفسه صـ60.

[5] شجرة الإيمان صـ61.

[6] شجرة الإيمان صـ62.

[7] مباحث في إعجاز القرآن صـ216.

[8] تفسير القاسمي (11 ، 49).

[9] تفسير ابن كثير (4/ 312ـ 313).

[10] منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في غرس الروح الجهادية صـ 19 إلى 34.

 

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home