Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الأربعاء 7 اكتوبر 2009

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

الإيمان بالله جل جلاله (15)

د. عـلي محمد الصلابي

ثالثاً: معنى العبادة وشروط قبولها: مدار العبادة في اللغة والشرع على التذلل والخضوع والانقياد، والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد وبعير معبد أي مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف[1].

والعبادة في تعريفها الشامل هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله وذلك أن العبادة هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات ، آية : 56)، وبها أرسل جميع الرسل[2].

والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبوداً، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبوداً[3].

شروط قبول العبادة في القرآن الكريم:

الشرط الأول: الإخلاص: وهذا الشرط متعلق بالإرادة، والقصد، والنية والمقصود به، إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد والطاعة[4]، والنية تقع في كلام العلماء بمعنيين، إحداهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلاً، إلى أن قال: والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه[5]، والأدلة على هذا الأصل في القرآن والسنة وعلماء الأمة ومن سار على نهجهم كثيرة فمن القرآن الكريم قوله تعالى:"إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ" (الزمر ، آية : 2 ـ 3)، أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له[6].

وقوله تعالى:" قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ" (الأعراف ، آية : 29).

ومن الأحاديث النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه[7].

وفي حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتى به فعرفعه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئُ فقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم وقرأت القرآن ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقى في النار[8].

الشرط الثاني في قبول العبادة، الموافقة للشرع: وأما الأدلة من القرآن فكثيرة منها:

قوله تعالى: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعام ، آية : 153).

وقوله سبحانه: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (المائدة ، آية : 3).

وقال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا" (النساء ، آية : 125).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله"[9].

وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"[10].

وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلآ هالك"[11].

وعن مطرف بن عبد الله يقول: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغين في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه الأمر بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله عز وجل، واستكمالاً لطاعة الله عز وجل، وقوة على دين الله تبارك وتعالى، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شئ خلافها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله تعالى ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً[12]. ومما روى عن الفضيل بن عياض أنه تلا قوله تعالى: "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" ( تبارك ، آية : 2)، فقال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص إذا كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة[13].

وبعد ذكر شرطي العبادة المقبولة عند الله سبحانه وتعالى يتبين أن دين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل[14].

إن الغاية من خلق الإنسان وكتابة الموت والحياة عليه واضح في قوله تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" (تبارك ، آية : 2). والأحسن عملاً يتضمن أمرين: كما فسر ذلك الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ عندما قال: أحسنه أي أخلصه وأصوبه[15].

فأخلصه هو ((لا إله إلا الله))، وأصوبه هو ((محمد رسول الله))، وهو الذي أشارت إليه سورة الفاتحة ـ أم القرآن الكريم ـ "اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ" (الفاتحة ، آية 6 ـ 7). والذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته ـ رضوان الله عليهم ـ والذين ساروا على هذا ((الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ))، أي الصواب الموصل للغاية، وهذا الطريق وسط بين طرفين[16]. 

رابعاً: حقيقة العبادة: إن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة: أنها تشمل شئون الإنسان كلها، وتستوعبه حياته جميعاً، وتستغرق كافة مناشطه، وأعماله[17]، ومن التعريف السابق للعبادة، عندما ذكرنا بأنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطلة والظاهرة، لا يمكن أن يخرج أي شئ من نشاطات الإنسان وأعماله سواء أكان ذلك في العبادات المحضة، أو في المعاملات المشروعة، أو في العادات التي طبع الإنسان على فعلها، وإن كان ينبغي لنا الإشارة إلى أن الأصل في العبادات المحضة المنع حتى يرد ما يدل على مشروعيتها، وأن أصل العادات العفو حتى يرد ما يدل على منعها، وذلك مبني على أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينه، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلآ بالشرع.

وأما العادات: فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى وذلك لأن الأمر والنهي هنا شرع الله، والعبادة لا بد أن يكون مأموراً بها[18]، فما لم يثبت أنه مأمور به، كيف يحكم عليه بأنه عبادة؟ وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم عليه أنه محظور؟ والعادات الأصل فيها العفو ولا يحظر منها إلا ما حرم الله[19]. وهذا التقسيم في الحظر والإباحة لا يخرج شيئاً من أفعال الإنسان العادية من دائرة العبادة لله، ولكن ذلك يختلف من درجته ما بين عبادة محضة وعادة مشوبة بالعبادة، وعادة تتحول بالنية والقصد إلى عبادة، لأن المباحات يؤجر عليها بالنية والقصد الحسن، إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة، أو المندوبة، أو تكميلاً لشئ منها[20]، وقال النووي فشرحه لحديث: "وفي بضع أحكم صدقة"[21]. وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنية الصادقة[22]، ومن ذلك يتضح: أن الدين كله داخل في العبادة والدين منهج الله، جاء ليسع الحياة كلها، وينظم جميع أمورها من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة، وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.

إن الشعائر التعبدية من صلاة وصوم، وزكاة لها أهميتها ومكانتها، ولكنها ليست العبادة كلها، بل هي جزء من العبادة التي يريدها الله تعالى.

إن مقتضى العبادة المطالب بها الإنسان أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرفاته وسلوكه وعلاقاته مع الناس وفق المناهج والأوضاع التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، يفعل ذلك طاعة لله واستسلاماً لأمره[23].

والدليل على المفهوم الشامل للعبادة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم، فأما من القرآن الكريم فقوله تعالى:" قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام ، آية :162، 163).

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة[24].

وقوله صلى الله عليه وسلم: دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض حتى ماتت[25]، وأما الاستدال على عموم العبادة وشمولها لحياة الإنسان، عند الصحابة ففي قصة بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، وفي آخره قال أبو موسى لمعاذ: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي[26]، وفي كلام معاذ رضي الله عنه دليل أن المباحات يؤجر عليها بالقصد والنية.


[1] تفسير ابن كثير (1/26)، تفسير الطبري (1/160).

[2] مجموع الفتاوى (10/149ـ 150).

[3] التحفة العراقية صـ 63، مجموع الفتاوى (20/6).

[4] مدارج السالكين (2/91).

[5] جامع العلوم والحكم لابن رجب صـ 8.

[6] تفسير ابن كثير (3/158).

[7] البخاري، ك بدء الوحي (1/2).

[8] مسلم، ك الإمارة (2/ 1513).

[9] رواه مالك في الموطأ بلاغاً، ك القدر، باب  النهي عن قول الغقدر (2/898).

[10] مسلم، ك الأقضية (2/1343 ، 1344).

[11] سنن ابن ماجة، باب  اتباع سنة الخلفاء  الراشدين (1 / 14).

[12] الشريعة للآجري صـ48.

[13] مدارج السالكين (2 / 89).

[14] مجموع الفتاوى (1 / 189).

[15] تفسير اللغوي، معالم التنزيل (4 / 269).

[16] الوسطية في القرآن الكريم صـ389.

[17] العبادة في الإسلام للقرضاوي صـ53.

[18] الوسطية في القرآن الكريم صـ380.

[19] مجموع الفتاوى (29 / 116 ، 117).

[20] حقيقة البدعة وأحكماها للغامدي (1 ، 19).

[21] مسلم (1 ، 697).

[22] شرح النووي ك (7 ، 92).

[23] مقاصد المكلفين د. عمر الأشقر صـ46 ، 47.

[24] البخاري رقم 55.

[25] البخاري رقم 2318.

[26] البخاري رقم 4342.

 

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home