Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi

د. عـلي محمد الصلابي

Friday, 21 March, 2008

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

           
           
           
                                      

السيـرة النبوية (42)

الدكتور عـلي محمد الصلابي

دعائم دولة الإسلام في المدينة
المبحث الثالث
الوثيقة أو الصحيفة

ثالثاً: موقف اليهود في المدينة:
لقد قامت الحجج القاطعة والبراهين الساطعة لليهود على صدق رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك لم يزدهم إلا عناداً وعداوة واستكباراً وحقداً وحسداً على الرسول والذين آمنوا معه، فعن صفية بنت حُيَي بن أخطب أنها قالت: «كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي، حيي بن أخطب، وعمي، أبو ياسر بن أخطب، مُغَلَّسين، قالت: فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، قالت: فَهشِشت إليهما، كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت»(1).
وقد شن اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه حملات إعلامية لتشويه صورة الرسول صلى الله عليه وسلم وتنفير الناس منه، ونزع الثقة فيه منهم، لقد شعر اليهود بخطورة هذا الدين على مصالحهم، وعلى عقيدتهم المنحرفة المزيفة، القائمة على الاستعلاء واحتقار الناس عدا الجنس اليهودي، لقد جاء ينادي بعقيدة التوحيد، وهم يقولون: عزير ابن الله، وجاء ينادي بالمساواة بين أفراد الجنس البشري، وأنه لا يعلو شعب على شعب ولا جماعة على جماعة، وهم يرون أنهم شعب الله المختار، يترفعون عن بقية الأجناس، وينظرون إليهم على أنهم دونهم، وأقل منهم(2) ولذلك لم يلتزموا ببنود الوثيقة، وشرعوا في التشكيك في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته، وأكثروا من الأسئلة لإحراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدعوا المؤمنين ودلسوا عليهم(3) وغير ذلك من الأعمال الخبيثة.

1- محاولة اليهود لتصديع الجبهة الداخلية:
ومن وسائلهم الخبيثة في حرب الإسلام محاولاتهم المستمرة لتمزيق الصف المسلم وتخريبه، بتقطيع أواصر المحبة بين المسلمين وذلك بإثارة الفتن الداخلية، والشعارات الجاهلية، والنعرات الإقليمية، والدعوات القومية والقبلية، والسعي بالدسيسة والوقيعة بين الإخوة المتآلفين المتوادين المتحابين، فهم في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر(4).
فقد تفتق ذهن أحد شيوخهم الكبار في السن عن حيلة هدف بها إلى تفريق وحدة الأنصار، وذلك بإثارة العصبية القبلية بينهم ليعودوا إلى جاهليتهم، فتعود الحروب بينهم كما كانت، ويخسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أقوى أنصاره(5) وفي بيان هذا الخبر يقول محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: ومر شأس بن قيس وكان شيخا قد عسا(6) عظيم الكفر شديد الضِّغْن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة(7) بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم، فقال: اعمِد إليهم، فاجلس معهم ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حُضير بن سماك الأشهلي وأبو أسيد بن حضير وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، فقتلا جميعاً.
قال ابن إسحاق: ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكب: أوس بني قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث، من الأوس، وجبار بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن خذَعة(8) فغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة- والظاهرة: الحرة – السلاح السلاحَ، فخرجوا إليها.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بين قلوبكم؟».
فعرف القوم أنها نزغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس، فأنزل الله تعالى في شأس بن قيس وما صنع: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ` قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) آل عمران: 98-99 وأنزل الله في أوس بن قيظي وجَبَّار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية(9): ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ` وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ` يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ` وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ` وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ` وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) آل عمران: 100- 105 ونرى من خلال القصة قدرة القيادة النبوية على إفشال مخطط اليهود الهادف لتفتيت وحدة الصف، ويظهر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور المسلمين، وإشفاقه عليهم، وفزعه مما يصيبهم من الفتن والمصائب، فقد أسرع إلى الأنصار وذكرهم بالله، وبين لهم أن ما أقدموا عليه من أمر الجاهلية، وذكرهم بالإسلام وما أكرمهم الله به من القضاء على الحروب، والفتن وتطهير النفوس من الضغائن، وتأليف القلوب بالإيمان، وكان لكلمات النبي صلى الله عليه وسلم أثر في نفوسهم وسرت في كيانهم روح جديدة مسحت كل أثر لأمر الجاهلية بفضل الله تعالى، ثم بكلمات نبيه صلى الله عليه وسلم المعبرة وروحه القوية المؤثرة وهيئته الوثابة المنذرة، وأدركوا أن ما وقعوا فيه كان من وساوس الشيطان وكيد عدوهم من اليهود، فبكوا ندماً على ما وقعوا فيه من الذنوب، وتعانق رجال الإسلام، تعبيراً على محبتهم الإيمانية لبعضهم(10).

2- التهجم على الذات الإلهية:
ذكر غير واحد من كتاب السير والمفسرين أن أبا بكر t قد دخل بيت المدراس(11) على يهود، فوجد منهم ناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له: (فنحاص)، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له (أشيع)(12) فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك اتق الله وأسلم فوالله إنك تعلم أن محمدا لرسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك أي عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه يزعم أن الله فقير، وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردًّا عليه، وتصديقًا لأبي بكر: ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) آل عمران: 181.
ونزل في أبي بكر الصديق t وما بلغه في ذلك من الغضب(13): ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) آل عمران: 186 وذكر القرآن الكريم في أكثر من موضع سوء أدبهم مع الله سبحانه وتعالى، وعدم تنزيهه عن النقائص، ووصفه بما لا يليق به سبحانه، وهذا عين الوقاحة، وانعدام الأدب ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) المائدة: 64.
ويبدو من مضمون الآية أن هذا الموقف الذي وقفوه كان منبعثاً مما كان يملأ صدورهم من الغيظ والسخط من رسوخ في قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشار دعوته، ولعل مما يصح أن يضاف إلى هذا الاحتمال كون المسلمين قد انصرفوا عنهم، أو قاطعوهم بسبب مواقف الكيد والجحود التي ما فتئوا يقفونها، واستجابة لأمر القرآن ونهيه وتحذيره، فأثر ذلك في حالتهم الاقتصادية تأثيراً سيئاً، زاد سخطهم وغيظهم وتبرمهم، ودفعهم إلى ما كان منهم من سوء الأدب في حق الله، ومن رد غير جميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم(14).

3- سوء أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل من الرسول الكرام والقرآن الكريم:
وكان اليهود يسيئون الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حضرته وأثناء خطابه، إذ يلمزونه، ويحيونه بتحية فيها من الأذى والتهجم ما يدل على سوء أخلاقهم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام(15) عليك يا أبا القاسم، فقلتُ: السام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» فقلت: يا رسول الله، ترى ما يقولون؟ فقال: «ألست تريني أرد عليهم ما يقولون؟ وأقول: وعليكم» قالت: فنزلت هذه الآية في ذلك(16) وهي قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) المجادلة: 8.
وهذه الآية تظهر الحقد الذي هيمن على نفوس اليهود ودفعهم إلى استخدام كل الوسائل والطرق لهم الإسلام والتخلص من صاحب الرسالة، والسيطرة على المسلمين، ولكن يظهر من دعاء بعض اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم بالموت مع التظاهر بالسلام عليه، الضعفُ الذي كانوا عليه عند التجائهم إلى هذا النوع من السلام، فالممارس لمثل ما قام به اليهودى الذي سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:السام عليك يعيش أزمة نفسية متولدة عن فقدان عز كان يظن أنه ينعم فيه، لقد تغلبت قوى جديدة على ماضيه وحاضره، ولم يستطع أن يتفاعل مع من تغلب عليه.ومنعهم الحسد والغيرة، من الانقياد للدين الجديد، ومما زاد في تأزم اليهود أنهم جربوا محاربة الإسلام بوسائلهم التي كانوا يظنون أنها لا تقهر، فكان الفشل حليفهم، لذلك لجأواى الطرق السلبية، والوسائل الملتوية، فالدعاء على الخصم مع التظاهر بالسلام هو سلاح العاجزين، ووسيلة الخائبين، وترياق الحاقدين(17).
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صدر عن عائشة رضي الله عنها دعاها إلى الرفق واللين، وبين لها أن المسلم لا يجوز له أن يترك الغضب يتحكم فيه، فالرفق في الإسلام ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، فالله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف(18).
وأما نيلهم من المرسلين فقد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وعازر بن أبي عازر وغيرهم وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به من الرسل فقال صلى الله عليه وسلم: «نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» فلما ذكر عيسى عليه السلام، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ابن مريم ولا نؤمن بمن آمن به(19) فأنزل الله فيهم: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) المائدة: 59.
وأما في محاولاتهم للنيل من القرآن الكريم في أسئلتهم، ونقاشهم الذي لا ينتهي فعن ابن عباس t قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالت أحبار اليهود: يا محمد أرأيت قولك: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) الإسراء: 85 إيانا تريد أم قومك؟ قال: «كُلاًّ» قالوا: فإنك تتلوا فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها في علم الله قليل، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه»(20) قال: فأنزل الله تعالى فيما سألوه عنه من ذلك: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لقمان: 27.

4- دعم حزب المنافقين وتآمرهم معهم:
حدثنا القرآن الكريم عن قيادة اليهود الفكرية لحزب المنافقين، فهم شياطين المنافقين يخططون لهم، ويوجهونهم ويدرسونهم أساليب الكيد والمكر والخداع والدهاء، وإثارة الفتن قال تعالى: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) البقرة: 14.
قال النسفي في تفسيره: «وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، وهم اليهود»(21).
وكان اليهود في المدينة يتآمرون مع المنافقين ضد المسلمين، وفي هذا التآمر قال تعالى: ( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ` الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا ) النساء: 138-139.
قال الأستاذ محمد دروزة: «وجمهور المفسرين على أن الكافرين هنا هم اليهود، وفي الآية قرينة على صحة ذلك، كما أن فيما بعدها قرينة ثانية أيضاً، وواضح أن اتخاذ المنافقين اليهود أولياء، وتواثقهم معهم، إنما هما أثران من آثار التآمر الموطد بين اليهود والمنافقين تجاه الدعوة والقوة الإسلامية»(22).
وقد دفعوا المنافقين لإشعال حرب ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد t أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان، واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون(23) فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب- يريد عبد الله بن أبي- قال كذا وكذا»، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة(24) على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم(25).  

عـلي محمـد الصلابي
Abumohamed2@maktoob.com
________________________________________________

(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/518، 519).
(2) انظر: الصراع مع اليهود، محمد أبو فارس، (1/31).
(3) انظر: الصراع مع اليهود (1/31: 41)    
(4) نفس المصدر (1/44).
(5) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/37).   
(6) عسا: كبرت سنه.
(7) قيلة: أم الأوس والخزرج.         
(8) جزعة: أي رددنا الحرب فتية قوية.
(9) انظر: سيرة ابن هشام (2/211: 214).
(10) انظر: التاريخ الإسلامي (4/41، 42).
(11) مكان يتلى فيه التوراة.
(12) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/558، 559) وسبل الهدى والرشاد (3/583: 585) وتفسير مجاهد، ص140.
(13) انظر: تفسير القرطبي (4/295).   
(14) انظر: الصراع مع اليهود (1/51)
(15) السام: الموت، انظر: زاد المسير (8/189).
(16) زاد المسير في علم التفسير (8/189) رواه ابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن مسروق، عن عائشة وإسناده صحيح، وفي صحيح مسلم (4/1717).
(17) انظر: حوار الرسول مع اليهود، د. محسن عبد الناظر، ص101.
(18) نفس المصدر، ص87.
(19) انظر: ابن هشام في السيرة (1/567) تفسير ابن جرير (1/442) وانظر: اليهود في السنة المظهرة، عبد الله الشقاوي (1/242، 243).
(20) انظر: اليهود في السنة المطهرة (1/241).
(21) انظر: تفسير النسفي (1/21).
(22) انظر: سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لدروزة (2/179، 180).
(23) يتثاورون: أي يتواثبون والمعنى، كادوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا، ويقال ثار، إذا قام بسرعة وانزعاج.
(24) البُحَيْرَة: لفظ يطلق على القرية والبلد والمراد به هنا المدينة.
(25) صحيح البخاري، كتاب التفسير (8/230، 231) رقم 4566.


           
           
           
                                      

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home