Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

السبت 2 يناير 2010

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

الإيمان بالله جل جلاله (23)

 

د. عـلي محمد الصلابي

 

خامساً: شرح بعض الآيات القرآنية التي تحدثت عن الإيمان:

1ـ زينة الإيمان: قال تعالى:" وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ " (الحجر ، آية :7)، لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارج عنه ألم يفرق بينها، فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال:" حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ " فدخل في ذلك جميع الطاعات[1].

2ـ نور الإيمان: قال تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الله" (النور ، آية :35).

وقد فسر قوله تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض، وهذا إنما هو فعله وإلا فالنور هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله[2].

وفي قوله تعالى:"مثل نوره" وهي أن أصل الإيمان يكون من الله عندما يشرح صدر عبده المؤمن للإسلام ويجعل له نوراً فيبدأ به النور والحياة وقد شبه العلم المستفاد من الوحي الواصل للقلب بالزيت الجيد، فاستدامة النور وقوته وسلامته وتنامي حياة القلب إنما تكون بالعلم بالكتاب والسنة والعمل به، فهي غذاؤه ومادة حياته[3].

ـ إن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها[4].

ـ إن المثل دل على أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بزيادة العلم الواصل للقلب المستفاد من نور الكتاب والسنة كما ينقص بنقصه ومأخذ ذلك من المثل هو تشبيه العلم الذي يمد القلب بالمعارف والحقائق الإيمانية بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود وكون المصباح يزيد ضوؤه ويصفو بزيادة الزيت وجودته والمؤمنون يتفاوتون بقوة النور الكائن في قلوبهم بحسب ما عندهم من العلم والإيمان وأكمل المؤمنين نوراً هو النبي صلى الله عليه وسلم لكمال علمه وإيمانه.

ـ إن المثل دل على أن النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين نور حقيقي، ومأخذ ذلك هو تشبيه ذلك النور الذي يعلم معناه ولا تعتقل كيفيته بنور المصباح المحسوس فالتشبيه بالمحسوس يؤكد وجوده وحقيقته[5].

ـ هناك تشابه بين الفطرة والفتيلة، من حيث إن كلا منهما في أصل خلقه وصنعه مهيأ لإستدعاء وتشرب ما يناسبه، فالفتيلة تتشرب الوقود المناسب وتمتصه وتتبلل به وتصبح مهيأة به للإشتغال إذا أوقدت وكذلك الفطرة على الدين الحنيف التي فطر الله قلوب العباد عليها مهيأة لإستدعاء ما يناسب ما فُطرت عليه من التوحيد والدين والحق، فإذا تشربت ما يرد إليها من ذلك من العلم بالكتاب والسنة، فإنها تكون مهيأة لإيقاد مصباح القلب وقذف نور الإيمان به قال تعالى:" فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" (الروم ، آية :30).

فالله عز وجل فطر كل الناس على معرفته وتوحيده ومحبته وجبل نفوسهم على استدعاء وقبول ما يناسب ذلك من الدين والإسلام والفطرة تزكى بالعلم المستمد من الكتاب والسنة وتطهيرها من مكايد شياطين الإنس والجن الذين يجتهدون في إفسادها[6].

ـ إن المثل دل على أثر نور العلم والإيمان على العقل حيث أكسبه سلامة التعقل، وسداد النظر، وصحة الإستنتاج وأن الطريق إلى الحق في كل المطالب الدينية إنما يكون بإعمال العقل المستنير بالوحي النازل على الرسول صلى اله عليه وسلم لإستخلاص الحقائق والمعارف اليقينية وغيرها، وأن العقل المجرد عن العلم لا سبيل له إلى تلك الحقائق، كما دل المثل على أن النور سطع وأشرق على كل أعمال القلب ووظائفه الأخرى من العقائد، والعواطف، والإرادات، والإنفاعلات، فأخصبها بالخير والسلامة والصلاح[7].

ـ في قوله"نور على نور" دل على أن نور القرآن والسنة والعلم المستفاد منهما يغذي نور الإيمان، ويزيده ويقويه وفي قوله:"ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور" دليل على أن النورين من الله، نور الإيمان الذي يقذف في القلب ونور العلم الذي طريقه الوحي، فمن هُدى إلى الأول واهتدى بالثاني فقد أعطاه الله نوراً تاماً ومن أخطأه الله فليس له من نور بل هو في طريق من طرق الضلال سائر في الظلّمات[8].

3ـ روح الإيمان: قال تعالى:" وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الشورى ، آية :52). فسمى وحيه روحاً لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة ومن عدمها فهو ميت لا حي.. وسماه نوراً لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها وكمال الروح بهاتين الصفتين بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والإهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم وإلا فالروح ميتة مظلمة وإن كان العبد مشاراً إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام في البحوث، فإن الحياة والإستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله نوراً يهدى به من يشاء من عباده فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال[9].

سادساً: أسباب قوة الإيمان: هذا الفصل عظيم النفع والحاجة، بل الضرورة ماسة إلى معرفته والعناية به، معرفة واتصافاً ـ وذلك: أن الإيمان هو كمال العبد، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل، ولا يحصل، ولا يقوى، ولا يتم إلا بمعرفة ما منه يستمد وإلى ينبوعه وأسبابه وطرقه والله تعالى قد جعل لكل مطلوب سبباً وطريقاً يوصل إليه، والإيمان أعظم المطالب وأهمها وأعمها، وقد جعل الله له مواد كبيرة تجلبه وتقويه، كما كان له أسباب تضعفه وتهويه ومواده التي تجلبه وتقويه أمران: مجمل ومفصل:

أما المجمل فهو: التدبر لآيات الله المتلوة: من الكتاب والسنة، والتأمل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد، والعمل بالحق، فجميع الأسباب مرجعها إلى هذا الأصل العظيم[10]، وأما التفصيل: فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة، منها:

1ـ معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة والحرص على فهم معانيها والتعبد لله بها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعة وتسعين اسماً ـ مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة. أي من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبَّد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها، فكلما إزداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته إزداد إيمانه، وقوى يقينه، فينبغي للمؤمن: أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون هذه المعرفة متلقاه من الكتاب والسنة وما روى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه المعرفة النافعة تجعل المؤمن في زيادة في إيمانه وقوة يقينه وطمأنية في أحواله[11].

2ـ تدبر القرآن على وجه العموم: فإن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه، ما يزداد به إيماناً، كما قال تعالى:" وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " (الأنفال ، آية :2)، وهو العلاج الناجح لأمراض القلوب قال تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " (يونس ، آية :57)، أنه موعظة من الله وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية؟ وأيسر منها؟ وأكثر نفاذا إلى القلب والضمير؟ ففيه الشفاء لأمراض الشبهات والشهوات وأمراض الهوى والإنحراف وأمراض الشك والشرك  وأمراض القلوب والنفوس والجوارح والحواس وأمراض السياسة والإقتصاد والأخلاق والإجتماع والحياة والحضارة[12]، قال تعالى:" وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " (الإسراء ، آية :82).

فهو غذاء للروح، وعلاج يشفي النفوس من عللَّها ويكسبها المناعة القوية[13]، ومن ثمرات تدبر القرآن: أنه وسيلة لمعرفة ما يريد الله منا، وكيفية عبادته تبارك وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إليها، لأن القرآن الكريم منهج حياة أنزله الله عز وجل وهو أساس التشريع الذي يجب على العباد أن يتدبروه، ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه ليحققوا عبادة الله تعالى[14].

وإذا نظر إلى انتظام القرآن الكريم وإحكامه، وأنه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، ليس فيه تناقض ولا اختلاف: تيقن أنه" لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت ، آية :42) وأنه لو كان من عند غير الله، لوجد فيه، من التناقض والاختلاف أمور كثيرة قال تعالى:" أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" (فصلت ، آية :82)، وهذا من أعظم مقويات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما ركب عليه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة، يحصل له من أمور الإيمان خير كبير، فكيف إذا أحسن تأمله وفهم مقاصده وأسراره؟ ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولون" رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا" (آل عمران ، آية :193).


[1] الأمثال القرآنية (1/194) مجموع الفتاوى (7/42).

[2] اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم صـ6.

[3] المصدر نفسه صـ20، الأمثال القرآنية (1/360).

[4] اجتماع الجيوش الإسلامية صـ20.

[5] الأمثال القرآنية (1/370ـ375).

[6] المصدر نفسه (1/390ـ412).

[7] الأمثال (1/418).

[8] الأمثال القرآنية(1/420).

[9] اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة صـ24.

[10] شجرة الإيمان للسعدى صـ39.

[11] شجرة الإيمان للسعدي صـ41.

[12] الإيمان أولاً فكيف نبدأ به د.الهدلي صـ119.

[13] هجر القرآن العظيم د.محمود الدوسري صـ567.

[14] المصدر نفسه صـ566.

 

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 18 )

الجزء الثاني : الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 24
الحلقة 25 الحلقة 26 الحلقة 27 الحلقة 28 الحلقة 29 الحلقة 30
الحلقة 31 الحلقة 32 الحلقة 33 الحلقة 34 الحلقة 35 الحلقة 36 ( الأخيرة )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home