Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الأحد 1 نوفمبر 2009

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

الإيمان بالله جل جلاله (17)

د. عـلي محمد الصلابي

6ــ الإستغاثة: هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالإستنصار طلب النصرة، والإستغاثة، طلب الغوث، والفرق بين الإستغاثة والدعاء أن الإستغاثة لا تكون إلا من المكروب والدعاء أعمّ فيكون من المكروب وغيره[1]، فالإستغاثة نوع من العبادة يجب صرفها لله تعالى، فلا يستغات إلا بالله عز وجل، لقد ذكر الله تعالى الإستغاثة في كتابه العزيز، فلم تصرف إلا له سبحانه قال تعالى:" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفينَ" (الأنفال ، آية : 9).

وقال تعالى:" أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ" (النمل ، آية : 62).

وقال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ" (الشورى ، آية : 28).

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: يا حيُّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام برحمتك استغيث[2].

وعن ثابت بن الضحاك: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يُوذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله[3].

7ــ الخيشة: هي خضوع القلب والجوارح لله تعالى طاعة وخشوعاً وخوفاً من مقامه ووعيده، على سبيل التعبد لله تعالى[4].

ــ قال تعالى:" إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (آل عمران ، آية : 173).

ــ وقال تعالى:" الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (الأحزاب ، آية : 39).

ــ وقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ" (المؤمنون ، آية : 57).

وقال صلى الله عليه وسلم:.... أما والله إني لأخشاكم وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني[5].

والخشية نوع من أنواع العبادة التي يجب ألّا تصرف إلا لله تعالى وصرفها لغير الله يُعدّ شركاً ينقض ويهدم الإيمان وكلما زاد إيمان العبد بربه وخلص كلما زادت خشيته منه[6].

8 ـ الخوف: هو اضطراب القلب وحركته من تذكر المَخوف[7]، وهو أفضل مقامات الدين وأجلها وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى[8].

ـ قال تعالى: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران ، آية : 175).

ـ وقال تعالى: " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ" (ابراهيم ، آية : 13، 14).

ـ وقال تعالى: " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ" (الرحمن ، آية : 46).

ـ وقال تعالى: " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى " (النازعات ، آية : 40، 41).

وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة[9]، فالنافع والضار هو الله، فلا خوف إلا منه وحده سبحانه وتعالى.

9ـ المحبة: يعد خلق المحبة من أجل الأخلاق الإيمانية لأنها أصل كل فعل ومبدؤه، فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة وكذلك الترك لا يكن إلا عنها، ولهذا كان رأس الإيمان، الحب في الله والبغض في الله، وكان من أحب لله ومن أبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان[10].

قال تعالى:" قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (البقرة ، آية : 24).

فإن هذه الآية تحمل وعيداً شديداً على تقديم محبة أي شيء من أمور الدنيا على محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنه يجب إيثارها في المحبة على من سواهما وهذه المحبة تقتضي إيثار طاعتهما واتباع أمرهما، على إيثار من ذكر الله من الأقارب والأموال وغيرهما مما قد تريد النفس تقديمها[11]، وهذه المحبة يقتضيها الإيمان، فمن كان مؤمناً أوجب عليه إيمانه أن يتحلى بها كما يدل عليه قوله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ" (البقرة ، آية : 165).

وقد بين القرآن الكريم علامات المحبة لله تعالى، فجعل من ذلك، اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، والذلة للمؤمنين، والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيله، وعدم الخوف من لوم لائم ومعاداة أعدائه، أما الاتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد دل عليه قوله تعالى:" قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ" (آل عمران ، آية : 31)، فإن هذه الآية تسمى آية المحبة[12]، فهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد[13].

وأما العلامات الأخرى فقد دل عليها قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (المائدة ، آية : 54).

وأنواع العبادات كثيرة وإنما هذه على سبيل المثال وقد قسم العلماء أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله إلى:

ـ عبادات اعتقادية: وهذه أساس العبادات كلها وهي أن يعتقد العبد أن الله هو الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، الذي لا شريك له، ويشفع عنده أحد إلا بإذنه وأنه لا معبود بحق غيره.

ـ عبادات قلبية: والعبادات القلبية التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله وحده، وصرفها لغير الله شرك كثيرة، كالخوف والرجاء، والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والحب والانابة، والتوكل، والخضوع والخشوع، والاستغاثة....الخ

ـ قولية: كالنطق بكلمة التوحيد، إذ لا يكفي اعتقاد معناها بل لابد من النطق بها، وكالاستعاذة بالله، والاستعانة به، والدعاء له، وتسبيحه، وتمجيده، وتلاوة القرآن.

ـ بدنية: كالصلاة والصوم، والحج والذبح والنذر وغير ذلك.

ـ مالية: كالزكاة وأنواع الصدقات والكفارات، والأضحية والنفقة[14]. 

سادساً: أفضل العبادات:

إن أفضل العبادة، العمل على مرضاة الرب في كل وقت وبما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد، الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار.

ـ والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً، القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السَّحر.

الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء والذكر والاستغفار.

ـ والأفضل في وقت استرشاد الطالب، وتعليم الجاهل:

الإقبال على تعليمه والاشتغال به، والأفضل في أوقات الأذان، ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذِّن.

ـ والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجدُّ والنُّصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع، وإن بعد كان أفضل.

ـ والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن، أو المال: الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أواردِك وخلوتك.

ـ الأفضل في وقت قراءة القرآن: جمع القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يُخاطِبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره، أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.

ـ والأفضل في وقت الوقوف بعرفة، الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر، دون الصوم، المُضعف عن ذلك.

ـ والأفضل في أيام عشر ذي الحجة، الإكثار من التعبد لا سيَّما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيَّن.

ـ والأفضل في العشر الأخير من رمضان، لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف، دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء[15].

ـ والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته،: عيادته وحضور جنازته وتشييعه.

ـ والأفضل في وقت نزول النوازل، وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يُؤذونه.

ـ والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم فيه واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله، فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.

فالأفضل في كل وقت وحال، إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه[16]. 

سابعاً: تحكيم الشريعة وارتباطها بالتوحيد:

1 ـ ربطها بتوحيد العبادة:

قال تعالى في قصة يوسف ودعوته إلى الله في السجن " مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف ، آية : 40).

وقال تعالى: " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (البقرة ، آية : 256).

وقال تعالى: " اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " (التوبة ، آية : 31).

2 ـ ربطها بتوحيد الربوبية: قال تعالى: "إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " (الأعراف ، آية : 54".

3 ـ ربطها بتوحيد الأسماء والصفات:

قال تعال: " أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " (الأنعام ، آية : 114).

وقال تعالى: " ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (الممتحنة ، آية : 10).

وقال تعالى: " وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " (الرعد ، آية : 41).

وقال تعالى: "وقال تعالى: " إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ" (الأنعام ، آية : 57).

إن من أسماء ربنا جل وتعالى التي عرّف بها نفسه إلى عباده وذكرها في كتابه، وعلى ألسنة رسله وأنبيائه ((الحكيم)) وقد ورد هذا الإسم الحكيم أربعاً وتسعين مرة في القرآن الكريم كما في قوله عز وجل " الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " (البقرة ، آية : 32) " العَزِيزُ الحَكِيمُ " (البقرة ، آية : 129) " الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ " (الأنعام ، آية : 18) " وَاسِعًا حَكِيمًا " (النساء ، آية : 130)، ويقول تعالى: " أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً " (الأنعام ، آية : 114).

فهذا دليل على أن اسمه أيضاً "الحكم".

وبمعناه: "الحاكم" وقد جاء في خمسة مواضع بصيغة الجمع منها " وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ " (الأعراف ، آية : 87) " وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " (هود ، آية : 45) " أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ " (التين ، آية : 8).

والحكيم: هو الذي يُحكم الأشياء ويتقنها ويضعها في موضعها كما قال سبحانه: " صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " (النمل ، آية : 88).

فـ"الحكيم" هو الذي يضع الشئ في موضعه بقدره، فلا يتقدم الحكم البالغة العظيمة، التي لا يأتي عليها الوصف، ولا يدركها الوَهَمْ، ومن معاني الحكمة: حكمته في خلقه، ومن ذلك ما تراه في جسد الإنسان وعقله وروحه من حكمته جل وعز، حيث خلق الإنسان في أحسن تقويم، كما قال تعال: " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " (التين ، آية : 4)، ولو نظرت للإنسان في هيئته وصورته أو نظرت في قُدراته وإمكانياته أو نظرت في عقله وروحه، لوجدت الحكمة البالغة العظيمة[17].

ومن معاني حكمة الله تبارك وتعالى: الشرع الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله ولهذا وصف الله تعالى القرآن بأنه حكيم، كما في قوله: " نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ " (آل عمران ، آية : 58) ، وقوله " وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ " (يس ، آية : 2) فتشريعاته حكمة في مقاصدها وأسرارها ومآلاتها، فشريعته حكمة، وخلقه وقدره حكمة، حتى وإن عجزت بعض العقول في فهم أبعادها، فإن من الحوادث والشرائع ما لا يتبين مداه إلا بعد أجيال وعصور، ولا زال العلم البشري يكتشف  الشئ بعد الشئ وليس يصحُّ أن يكون الجهل أو عدم الإدراك في وقت أو مكان أو بالنسبة لفرد أو جماعة سبباً في عدم القناعة بما جاء عن الله، لأن أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وخير الرازقين، وأحسن الخالقين، فالحكيم الذي لا يدخل في تدبيره ولا شرعه خلل ولا زلل وأفعاله وأقواله تقع في مواضعها بحكمة وعدل، وسداد، فلا يفعل إلا السداد ولا يقول إلا الصواب[18].

والقرآن الحكيم فيه الحلول الصادقة والمناسبة الملائمة والأحكام الصحيحة التي بها قوام حياة الناس، وحَلُّ مشكلاتهم التي يواجهونها اليوم، سواء على صعيد الفكر أو الاقتصاد أو السياسة، أو المجتمع، وقد وضع الاُطُر العامة التي تهدي الناس إليها[19]، ولا شك أن أصول الهداية الكلية موجودة في القرآن الكريم، فإنه تضمن الأصول العامة التي تَصْلُح بها حياة الناس ولهذا قال الله عز وجل:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ " (الجمعة ، آية : 2).

وهذا دليل على أن الحكمة تعني السنة، فمن حكمته عز وجل أن يرسل الرسل الذين يختارهم من البشر، كما قال الله عز وجل:" لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " (التوبة ، آية : 128).

فيختار سبحانه من الرسل أفضل البشر ممن لهم الكمال البشري في علومهم وعقولهم وأفهامهم ومداركهم وقدراتهم، ليتم بذلك البلاغ وتقوم الحجة على الناس ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بالمنزلة العظيمة التي يعرفها كل من قرأ سيرته، وقد امتن الله سبحانه على الناس ببعثته لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:" لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (آل عمران ، آية : 164).

فمن حكمة الله عز وجل أن بعث الرسل، وأنزل الكتب هداية للناس، وإقامة للحجة[20].

ومن معاني حكمة الله عز وجل: أن يُلهم بعض العباد الحكمة كما قال تعالى:" يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ" (البقرة ، آية : 269)، فالله تعالى يؤتي الحكمة بعض عباده، فيعرفون كيف يحلون المشكلات، وكيف يخرجون من المُلمّات والازمات وكيف يتعاملون مع المواقف الصعبة، وكيف يصنعون الأمور في مواضعها والعالم الإسلامي في أشد الحاجة لمجلس حكماء من الذين حنكتهم التجارب، لكي تستفيد الأمة من خبرتهم ومعرفتهم وتوقعاتهم، حتى لا يخبط المسلمون خبط عشواء ولا يقعوا ضحية المفاجآت والازمات وهم لا يشعرون[21].

وأما "الحَكَم" فهو من له الحكم والسلطان والقدر، فلا يقع شيء إلا بإذنه وهو المدبر المتصرّف " كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ" (الرحمن ، آية : 29).

"والحَكَم" أيضاً من له التشريع والتحليل والتحريم، فالحكم ما شرع، والدين ما أمر ونهى، لا معقب لحُكمه ولا رادّ لقضائه. فاجتمع (القدر) و(الشرع) " أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ

وَالأَمْرُ " (الأعراف ، آية : 54).

وحين يقول"أحكم الحاكمين" و"خير الحاكمين" فإن ذلك تأكيد على عدله ورحمته ووضعه الأشياء في مواضعها فليس في قدره ظلم ولا تعسف وليس في شرعه مُحاباة ولا تحيُّز بل هو حِفظ للحقوق، الحاكم والمحكوم، والرجل والمرأة والبرّ والفاجر، والمسلم والكافر، والقوي والضعيف، وفي كل الأحوال حَرباً وسلماً وعلى كل أحد دون استثناء، ولذا وجب على كل مسلم تحكيم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في دقيق أموره جلّها على الصعيد الفردي والجماعي والأسري والخاص والعام، والسياسة والاقتصاد، والاجتماع والإعلام، وكل شيء[22].

4ـ ربطها بالإيمان: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً " (النساء، آية: 59).

ــ وقال تعالى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا" (النساء ، آية : 60).

ـ وقال تعالى: " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (النور ، آية : 51).

5ـ ربطها بالإسلام: والإسلام أساسه الإستسلام لله والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك[23].

ــ قال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ " (النساء ، آية : 125).

ـ وقال تعالى: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (آل عمران ، آية : 85).

ـ وقال تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " (النحل ، آية : 89).

6ـ ربطها بالشهادتين: أما شهادة أن لا إله إلا الله فقد سبق في أدلة توحيد العبادة ما يبين ذلك وأما شهادة أن محمداً رسول الله:

ــ فقال تعالى:" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا " (النساء ، آية : 65).

ـ وقوله تعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " (الحشر ، آية : 7).

ـ وقال تعالى: " إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ " (آل عمران ، آية : 31ـ 32).

7ـ طاعة غير الله والإعراض عنه كفر وشرك:

ـ قال تعالى: " وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ً" (الكهف ، آية : 26).

ـ وقال تعالى: " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " (الأنعام ، آية : 121).

ـ وقال تعالى: " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ " (المائدة ، آية : 50).

فهذه الأدلة جاءت كنماذج وإلا فهي كثيرة جداً تبين مدى ارتباط تحكيم الشريعة بالإيمان بالله عز وجل.


[1] اللباب صـ57.

[2] رواه الحاكم في مسنده صحيح الأسناد ولم يوافقه الذهبي.

[3] رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.

[4] العقيدة الصافية صـ309.

[5] البخاري رقم 5063.

[6] العقيدة الصافية صـ 312.

[7] مدارج السالكين (1/512).

[8] اللباب صـ 65.

[9] البخاري، ك الزكاة باب اتقوا النار ولو بشق تمرة.

[10] اخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة د. أحمد الحداد (1/204).

[11] المصدر نفسه (1/205).

[12] المصدر نفسه (1/207).

[13] البخاري، ك البيوع (3/91)، مسلم رقم 1718.

[14] العقيدة في الله صـ 236.

[15] تهذيب مدارج السالكين (1/103).

[16] تهذيب مدراج السالكين (1/103 ، 104).

[17] مع اللع صـ184.

[18] المصدر نفسه صـ186.

[19] مع الله صـ 186.

[20] المصدر نفسه صـ 187.

[21] مع الله صـ 187.

[22] المصدر نفسه صـ 188.

[23] الحكم بغير ما أنزل الله د. عبد الرحمن المحمود صـ 22إلى 27.

 


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 19 ... وما بعـدها )

الجزء الأول : الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home