Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ali Mohammed al-Sellabi
الكاتب الليبي الدكتور علي محمد الصلابي

د. عـلي محمد الصلابي

الثلاثاء 1 يونيو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 23 الحلقة 23 الحلقة 24

فقه القدوم على الله تعالى (4)


د. عـلي محمد الصلابي

المبحث الثاني: الموت:

إن الحياة آية من آيات الله، فالموت كذلك آية أخرى تضاد الحياة، ولكنها لا تقل عنها عجباً قال تعالى:" كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" ( البقرة ، آية : 28 ).

والتفكر في هذه الآية تفكر في خلق من خلق الله وعجائبه الدال على عظيم قدرة الله، وعجيب أمره[1].

إن لتذكر الموت أثر كبير في إصلاح النفوس وتهذيبها، ذلك أن النفوس تؤثر الدنيا وملذاتها، وتطمع في البقاء المديد في هذه الحياة، وقد تهفو إلى الذنوب والمعاصي، وقد تقصر في الطاعات فإذا كان الموت دائماً على بال العبد، فإنه يصغر الدنيا في عينه ويجعله يسعى في إصلاح نفسه وتقويم المعوج من أمره[2]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها[3].

قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب وقال العلماء: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها ان يعالجوها بثلاثة أمور:

أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف والترغيب وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب.

الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات.

الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمسح الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث عن العمل ويزيد في الإجتهاد والتعب[4]. وذكر عن الحسن البصري انه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم فقالوا له: الطعام يرحمكم الله، فقال: يا أهلاه، عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله رأيت مصرعأ لا أزال أعمل له حتى ألقاه[5]، قال أبو الدرداء: من أكثر الموت قل فرحه، وقل حسده[6].

قال الشاعر:

مشيناها خطاً كتبت علينا

                                      ومن كتبت عليه خطا مشاها

وأرزاق لنا متفرقات

                                      فمن لم تأته منا أتاها

ومن كتبت منيته بأرض

                                      فليس يموت في أرض سواها

 

وقال الشاعر:

وإذا وليت قوما ليلة

                                      فاعلم بأنك بعدها مسئول

وإذا حملت إلى القبور جنازة

                                      فاعلم بأنك بعدها محمول

 

وقال آخر:

هب الدنيا تساق إليك عفواً

                                      أليس مصير ذاك إلى انتقال

وما دنياك إلا مثل فيء

                                      أظلك ثم آذن بالزوال[7]. 

أولاً: الحكمة من الموت:

إن الموت مرحلة يمر بها الإنسان ومنزلة يردها وحقيقة لا يتخطّاها، وكأساً يتجرعها، ومنهلاً يستقي منه، فمن حكم الموت :

1 ـ في الموت تتجلى كمال قدرة الله الخالصة سبحانه وعظيم حكمته في تصريف أطوار الخلق، فهو الذي أنشأ هذا الإنسان من عدم ثم أوجده طوراً بعد طور، وخلقاً بعد خلق، حتى صار بشراً سوياً يسمع ويبصر ويعقل، ويتكلم ويتحرك ويسالم ويخاصم ويتزاوج ويتناسل، يعيش على أرض الله وينال من رزق الله، ثم بعد ذلك كله يميته الله تعالى فلا يأكل ولا يشرب ولا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ولا يتحرك، فيزول بعد بقاء، وينفي بعد وجود، وكل ذلك بتصريف الله وقدرته وبالغ حكمته في خلق الأمور المختلفة والأحوال المتضادة[8].

قال تعالى: " فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ {86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الواقعة، آية : 86 ـ 87)، تضمنت الآيتان تقريراً وتوبيخاً واستدلالاً على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه، وكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وربو بيّته، وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيه بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردّها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة، ويجمع بينها وبينهم تارة[9].

2 ـ إن الله تعالى خلق الموت والحياة ابتلاءً لعباده واختباراً لهم ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه قال سبحانه: " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" (الملك ، آية : 2).

3 ـ لم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف[10].

4 ـ في الموت نعم عظيمة لا تتأتى للناس إلا به، فلولا الموت لما هنأ لهم العيش، ولا طاب في هذه الأرض، ولا وسعتهم الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن، والأسواق والطرقات.

5 ـ الموت يخلص المؤمن من نكد هذه الحياة التي حشيت بالغصص، وحفت بالمكاره والآلام الباطنة والظاهرة إلى نعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وسعادة لا تنتهي، في ظلال وارفة، وبساتين مؤنقة، وجنات دائمة مع خيرة الرفقاء وأطيب الأصفياء[11]، عن أبي الدرداء رضي الله عنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول:" وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ  للأَبْرَارِ" (آل عمران ، آية : 198)، ويقول:" وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي  لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ" (آل عمران ، آية : 178)[12].

بالموت تصل النفس إلى اليقين، وتتعرف على حقيقتها من حيث أنها مخلوقة لخالق سبحانه، وأنها مخلوقة لغاية[13]. 

ثانياً: ساعة الموت أخطر لحظة في عمر الإنسان:

إن ساعة الموت أخطر ساعة في رحلة الإنسان الطويلة إلى ما لا نهاية للأسباب الآتية:

لأنها بداية الانتقال من عالم الشهادة المحسوس الذي عرفه الإنسان وألفه إلى عالم كان غيباً في الحياة الأولى ويصير محسوساً في الحياة الجديدة التي تبدأ بالموت الجسدي ليحدث للإنسان في عالم البرزخ لأول مرة عوالم تختلف كل الاختلاف عن عوالم الدنيا التي عايشها وائتلف أو تنافر معها.

في هذه الساعة ساعة الموت يرى ملائكة الله ويسمع منهم الكلمة الفاصلة النازلة إليه من عند الله تعالى، وهي الكلمة التي نعيمه الأبدي أو شقاؤه الأبدي، ولو كان يملك العالم كله في هذه الساعة وقبل منه أن يضحي به، أو كان يملك ملء الأرض والسماء ذهباً وقبل منه أن يتصدق به في سبيل أن يسمع كلمة الرضى والعفو من الله في هذه الساعة لفعل وكان في منتهى السعادة وفي هذا يقول الله تعالى:" وَلَوْ أَنَّ  للَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" (الزمر ، آية : 47).

كل ما جمعه الإنسان وكد فيه وسهر من أجله وقضى عمره في تخزينه وكنزه وكل ما زرعه من حدائق غناء وبساتين فيحاء، وكل ما شيّده من دور وما زخرفه من قصور وكل من يحيط به من أهل وخدم وأتباع، كل ذلك ينظر إليه الإنسان حين تأتيه ملائكة الموت بحسرة وفزع، ويأس وجزع، فإنه مفارق للجميع، ومحروم حرماناً مطلقاً من كل ما جمع فأوعى، وكنز فأبقى.

إن شيئاً واحداً هو الذي يبحث عنه هذا الإنسان في لحظة موته ويوقن أن فيها نجاته وسعادته هو (العمل الصالح)، فإن كان قدمه فلا يضره ما ترك وإن كان لم يقدم صالحاً فهو القائل:" يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ" (الحاقة ، آية : 27، 29).

تزداد حسرة الميت ومصيبته وفجيعته حين يكون منكراً للحياة الآخرة، أو مغرور بمسلكه المضاد لدين الله،أو القائم على البدع والخرافات التي أبعدته عن الإيمان الصحيح والطريق السوي الموافق للكتاب والسنة.

إن مثل هذا النوع لم يكن يتوقع حياة أخرى بعد الموت أو كان يتوقعها ولكنه لغروره ظن أنه على الحق وأن غيره على باطل، اعتماداً على أوهام وخيالات أو اتباعاً للضالين والمغضوب عليهم بدون نظر أو بحث، أو تشبعاً بهواه واستسلاماً لشياطين الإنس والجن، وهو في كل ذلك رافض لكتاب الله وحكمته، فإذا جاءه الموت كشفت له الحقيقة، ورأى عكس ما قدر، وفوجئ بأن جميع مقاييسه كانت مغلوطة وجميع حقائقه كانت باطلاً وزيفاً وفي هؤلاء وأمثالهم يقول تعالى:" قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف ، آية : 103، 104)، وقال تعالى:" وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" (الزمر ، آية : 47)[14].

إن ساعة الموت فاصلة بين عمر مهما طال في عصرنا فلن يزيد عن مائة وخمسين سنة وهو يعتبر صفراً إذا قيس بالآف السنين في القبر، وخمسين الف سنة في الموقف ثم إلى ما لا نهاية في نعيم لا يوصف أو في شقاء لا يتصور، ففي هذا العمر القصير جداً يحدد المصير بالنسبة للمستقبل اللانهائي، وليس في عمر الدنيا كله يحدد مصير المستقبل، بل في سنين معدودة منه، وقد تكون أياماً وقد تكون ساعة واحدة أو أقل، يتوب الإنسان فيها ويندم على ذنوبه ويضرّع إلى ربه ويتخلص من مظالمه فينال رضاء الله عند موته ويطمئن على مستقبله، يا لها من سعادة في متناول الجميع، ومن مستقبل لانهائي يحدد الإنسان مصيره في دقائق، وصدق الله القائل:" سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى" (الأعلى ، آية : 10، 13).

لذلك كله ولغيره كانت ساعة الموت أخطر ساعة في رحلة الإنسان[15]


[1] القيامة الصغرى صـ74.

[2] المصدر نفسه صـ81.

[3] صحيح الجامع الصغير (1 / 388) رقم 1222.

[4] تذكرة القرطبي صـ12.

[5] المصدر نفسه صـ12.

[6] كتاب الزهد لابن المبارك، القيامة الصغرى صـ213.

[7] القيامة الصغرى صـ79 ، 80.

[8] الثبات على دين الله د. الأمين الصادق (2 / 976).

[9]المصدر نفسه (2 / 977) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم صـ149..

[10]شفاء العليل لابن القيم صـ241.

[11]الثبات على دين الله (2 / 978).

[12]تفسير القرآن العظيم (1/ 665).

[13] الثبات على دين الله (2 / 980).

[14] رحلة الخلود، حسن أيوب صـ112.

[15] رحلة الخلود صـ112.

 


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19 الحلقة 20 الحلقة 21 الحلقة 22 الحلقة 24

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home