Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
محاضرة للشيخ أحمد عبدالسلام أبو مزيريق

أعدّها : الكاتب الليبي عـلي يوسف رشدان


الشيخ أحمد عبدالسلام أبو مزيريق

Sunday, 24 September, 2006

توجيه الصائم لما في شهر رمضان من المغانم

الشيخ أحمد عـبدالسلام أبو مزيريق

الحمــد لله وســلام على عبــاده الذيـن اصطفي (رب اشرح لى صدري ويسر لى أمرى واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) وبعد
يقول الله تبارك وتعالى : (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) إلى أن قال (... ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) ثم يقول (وإذا سالك عبادى عنى فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.)
في هذه الآيات ثلاث مراحل أو ثلاثة مواقف أو ثلاثة مواضيع.. وهذه المواقف يتوقف بعضها على بعض.. وهى (لعلكم تتقون) و (لعلكم تشكرون) و(لعلهم يرشدون) نحن نعلم من دقة القرآن الكريم أنه يصور المواقف صوراً حية، وهذا في كل مواضيع القرآن، فهو لا يخبرك بشيء قد تذهل عنه، ولكن يصور لك الشيءَ بصورةٍ واضحةٍ، (لعلكم تتقون) تمهيد لما سيجىء من صيام شهر رمضان، ولعل كما هو معروف حرفُ رجاءٍ.. والرجاء باب مفتوح أمام الجميع للدخول، وحذف المفعول لحكمةٍ.. تتقون أي شيء؟
كــل ما فيه مضــرة للجسـم أو للنفس أو للعقل أو للدين أو للمجتمع بصورة عامة، والإنسان في معركة في هذه الحياة معركة مع الشيطان، والشيطان بابه الذي يدخل منه الشبع والكبر والأنفة، ومعركة مع الدنيا إذا لم يتخذها المسلم في صالحهِ، ومع النفس أيضا إذا انطلقت وخرجت عن مسارها الصحيح.. إذا انطلقت من رقابة العقل نفس أمارة بالسوء.. الهوى والمغريات كل هذه وغيرها عقبات في طريق المسلم.. وهو وهى في حرب دائمة، فإذا ما تغلب على الشيطان وعلى الدنيا وعلى النفس وعلى الهوى نجح وفاز وحصل على المغنم الكامل في هذه الحياة.. وهذا ما عبر عنه مسلم يقظ فاهم بقوله :
إنى بليت بأربع ما سلطوا        إلا لأجل مصيبتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى    كيف الخلاص وكلهم أعدائى؟
وعندما لا يجد المسلم حماية من هذه الأربع يلتجئ إلى الله ويلتزم تقواه، عندما نتعلق بالتقوى نتغلب على جميع المغريات، ولهذا جاء القرآن وفتح أمامنا كلمة التقوى اللغوية، وهى الوقاية من كل شىء يضر، وبدون هذه الوقاية يضيع كل ما بناه الإنسان، فلا يمكن أن يبني الإنسان ويستريح في مكان، إلا إذا جعل له وقاية، ولهذا المثل الشعبي عندنا يقول: (حصن قبل لا تغصن) وهو يعطينا المعنى اللغوي العربي الصحيح.. والمثال الإسلامى الناجح.
والصيام عندما نبحث فيه، يظهر لنا ما فيه من حقائق.. فصام على الشىء أو عن الشىء جعل ما يمنعه من المضار، وهذا هو المعنى اللغوي، ولما نبحث في المعنى الشرعي نجده خلاصة من هذا، أن الصائم عندما يمتنع عن الأكل والشرب والشهوة.. تحصن في مكان حصين، ليس له شىء يشغله عن المطلب الأعلى وهو تقوى الله.. تحولنا من التقوى العامة اللغوية إلى تقوى الله الشرعية، والمسلم عندما يتقى الله لا يخاف من شىء ويأتيه كل شىء.. لا تخف أيها المسلم مادمت مع الله، وهذا ما يركز عليه القرآن منهج الإسلام.. تقوى الله في كلمتين وفي كل كلمة معناها النهائي.. وهى امتثال الأمر واجتناب النهي.. فإذا امتثلت الأمر جاءك كل خير وإذا ابتعدت عن معاصي الله وقيت من كل شر.. عندما بحث علماء الإسلام في الأوامر، وجدوها كلها لصالح المسلم، وعندما بحثوا في النواهي وجدوها مضار ومصائب ومهالك للإنسان أيا كانت ديانته.. فعلي المسلم ان يتحصن ويتمسك ليطمئن، فكل ما يأتيه من أمر الله مقبول ونافع، فالصيام والصلاة والعبادات كلها شرطها ألا يفسدها شىء من المناهي.
وعندما نستعرض حالة المسلمين اليوم نجد أكثرهم يصوم عادة ولا يصوم عبادة، بدليل التسكع والتمسك بأشياء لا تفيد كالسهر واللعب والنوم في غير محله.. لان الصوم ليس هو الجوع والعطش والمنع من الشهوة، وإنما الصوم، أن تتعلق بالله، وباب الله مفتوح في كتابه القرآن الكريم (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) القرآن له قيمة عند المسلم، ومن المهم للمسلم أن يتخلص في هذا الشهر من جميع ما يلهيه، ولو كان مباحا، ليتفرغ لدراسة القرآن، يتفرغ ويتتبع آيات القرآن، وينظر ويبحث ما تدل عليه هذه الآيات، والدراسة تحتاج إلى فراغ، والله أعطى للمسلم مدة شهر يتفرغ فيه، لا ليلهو ولا ليلعب ولكن ليخلو بالقرآن، وهذا يكاد يكون متروكا في هذا الوقت، حتى من يحفظ القرآن، تجده يتلو القرآن ولكن لا يفهم ما يقول القرآن لأنه يخالفه، ولكن الحقيقة التي تجب على المسلم، هو أن يتفرغ في هذا الشهر ليتلو القرآن بفهم، ويقرأ القرآن بإدراك، ويمشي مع القرآن في أكثر أوقاته، لان المسلم مطالب بأن يعمل لدنياه وأن يعبد ربه وأن يستريح لنفسه، والقرآن من أعظم العبادات، تلاوة وتدبرا، ولا يماثلها شىء من التسبيح ولا التهليل والتكبير، لأن في كل حرف من حروف القرآن عشر حسنات، وهذه لم تكن في أي شىء آخر.. والمسلم يقرأ القرآن وهو صائم، ويصلي وهو صائم، ويعمل لدنياه وهو صائم، وينام وهو صائم، فجميع أوقاته تتحرك بكتابة الحسنات. هذه حكمة صوم رمضان، وفائدة صوم رمضان، وبين لنا القرآن أن صيام هذا الشهر المفروض، هو يسر لا عسر (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وهو محدود ومعدود، الصيام فيه محدود، من الفجر إلى الليل، والعبادة فيه معدودة، خمس صلوات مع زيادة التراويح، لو مشينا مع هذا المنهج سلمنا، أما إذا غيرنا وتتبعنا شهوات أنفسنا ليس لنا في الصوم أي شىء إلا الجوع والعطش، ولننظر ونتدبر قوله تعالي : (ولتكبروا الله على ما هداكم) والتكبير من أعظم العبادات، ولم يقل لتحمدوا بل تكبروا الله على ما هداكم، هداكم للعبادة، وهداكم للعمل الصالح، وهداكم إلى مافيه مصلحتكم في الدنيا، وهداكم إلى القمة.. كل مسلم مدعو إلى القمة.. فهو في نعمة دائمة.. نعمة الإيجاد.. أوجدك الله، ونعمة الإمداد..أمدك الله بما تحتاج، ونعمة الإسعاد.. الإسعاد يكون في الالتزام بالإسلام، فنعمة الإيجاد يشترك فيها كل الناس، الكافر والمسلم العاصي والطائع، كذلك نعمة الإمداد، فالله سبحانه وتعالى رب، يمد كل مربوب بما يحتاجه، فأعطى للكافر ما يحتاجه، وأعطى للمسلم ما يحتاجه، لكن نعمة الإسعاد لمن ؟؟ للمؤمن الصادق، للمؤمن الذي تمسك بالمنهج.
بعد التقوى يأتى الشكر (لعلكم تشكرون) وهى مرتبة ثانية، الشكر مطلوب هنا، لان العملية نجحت وتحققت الفائدة المرجوة (لإن شكرتم لأزيدنكم ولان كفرتم إن عذابي لشديد) الشكر مرتب على النعمة وعلى الفائدة، بعض الناس يعمل ويكد ويتعب ويحصل على متاع الدنيا، ولكن لا يستفيد منه، فيصاب بالمرض، يرى الخير ولا ينتفع به لماذا ؟ لأنه لم يشكر الله عليه، ولم يصل إلى المرتبة العليا، ولم يصل إلى المطلوب، كثيرا ما يصوم الإنسان ويصلي ويحج ويفعل ويفعل، ولكنه رياء، لم يصل لله، ولم يصم لله، ولم يعمل أي شىء لله، وإنما عمل لأجل الناس، وشهوة النفس، تعب ولم يحصل على شىء، ولهذا تجيبنا الآية وتقول في نهاية هذه النعم (ولعلكم تشكرون) ثم يترقى الكلام إلى ما هو أرقى (وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) وهنا نصل إلى المرتبة الثالثة المتعلقة بصيام شهر رمضان (لعلهم يرشدون) تقوى : حصانة ومناعة، شكر : نعمة عظيمة، نعمة في الدنيا، ونعمة في الآخرة، والقرآن أهم النعم، لأنه هو الذي يبين لنا النعمة وقيمتها وفائدتها، وكيف يجب على المسلم أن يحافظ عليها ولا يفسدها، يشكر الله، والذي يشكر الله يعترف بهذه النعم، وبذلك يترقى إلى مرتبة عليا، هذه المرتبة، مرتبة الرشد والرشاد، والراشد وصل إلى المرتبة العليا، وهى بلوغ الغاية في عظمة النفس، وقوة العقل، وحصانة الدين، وهي أن تتعلق بالله، ويكون عملك متمشيا مع منهاج الله (الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) هؤلاء هم الأولياء (ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون).
والولاية لا يصل إليها إلا الراشد، ومعنى الراشد والرشيد لغة : هو الذي بلغ النهاية في الفهم والإدراك والعمل المفيد، لا يحتاج إلى معلم ولا إلى قائد، وإنما يمشى في نور الله، هذا النور، هو نور الإسلام، ونور الإسلام، هو القرآن، والقرآن أتى به رسول من عند الله،هو محمد ((ص)) (قــد جاءكــم مــن الله نور وكتاب مبين) جاءكم من الله نور، النور هو محمد ((ص)) لان جميع أعماله من أقوال وأفعال وإشارات، كلها واضحة مفيدة، ليس فيها مما يعكر على المسلم حياته (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) هذا هو الرشاد.. وقد بلغها ووصلها أصحاب محمد ((ص)) وصلوا هذه المرتبة، وقال عنهم المولي تبارك وتعالي : (أولئك هم الراشدون) وقال (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) أصبــح الأيمــان محبــوبا، والإيمان يقتضي العمل الصالح، والقول الصادق، والفعل المفيد، (وزينه في قلوبكم) أصبح زينة داخلية، لا يمكن تركها بسهولة، والجمال غاية مطلوبة للعقلاء (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) كفر أعوذ بالله، لا يدخل قلب الإنسان ولا يخطر بباله، والفسوق الخروج عن أوامر الله، والعصيان، عصيان الله ورسوله، وهذا مكروه عند المسلم، لا يقربه ولا يخطر بباله (أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) لا يمكن أن يماثل (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) الإنسان الذي في الظلمات لا يدري على شىء، ولا يعرف شيئا، ولا يدري أين يتجه، والمسلم قلبه نور، وبين يديه نور، وأمامه نور، أينما يتجه يعرف ما ينفعه فيفعله، ويدري ما يضره فيتجنبه، وهذه الدرجة التى وصل إليها صحابة رسول الله ((ص)) (أولئك هم الراشدون) و (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وهذا ما يقول عنه القرآن لاصحاب رسول الله ((ص)) (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) والرسول صلى الله عليه وسلم، شهد لاصحابه بالتوفيق، لجميع أصحابه وشهد القرآن لهم (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه..) الدرجة العليا التى وصلوا إليها.. وهذه الدرجات العليا مفتوحة للمسلم، بشرط أن يحصن وان يبني وان يغرس، وان يستفيد من غرسه، حتى يصل إلى ما يصبو إليه، من عزة الدنيا وسعادة الآخرة، وهذا هو الغرض من وجود الإنسان، الإنسان الكامل هو الذي يسير في حياته على المنهج الصحيح، ويجازي في آخرته بالجنة والنعيم المقيم، هذه مرحلة الحياة، والقرآن بين لنا هذه الطريق، من أولها إلى آخرها، فليس فيها شىء مجهول، وليس فيها شىء يصعب على النفس عمله، العمل فيه سهولة ولكن مع الفهم الثابت، والعقل الكامل، والفطرة السليمة.
هذه الآيات التي تحدث فيها الله سبحانه وتعالى بمناسبة صوم شهر رمضان، ينبغي أن يدركها المسلم، ويربط بعضها ببعض، من التقوى إلى الشكر إلى الرشد، وهى درجة نهائية، وشهادة من الله للمسلم الصادق، وقصدت من وراء هذه المحاضرة، أن ينتبه الإنسان لهذه المراتب الثلاث، عندما يقرأ القرآن ويمر بهذه الآيات.. وقد انتبهت إليها في مرحلة من مراحل البحث، وبحثت في التفاسير، فلم أجد من يربط هذه الآيات بعضها ببعض، يذكر التقوى، ويأتى بمعناها مفردة، ثم يأتى بالشكر ويتحدث حوله، ثم يشير إلى الرشاد ويقول مثلا، الرشاد وضده السفه، ولكن لم أجد من ربط هذه الثلاث بعضها ببعض، في ما اطلعت عليه – وقد يكون غيرى قد اطلع على ذلك - هذا هو المقصود من صيام شهر رمضان، وهذه بعض الفوائد والمغانم من شهر رمضان، التي يتحصل عليها المسلم، وعندما تبحث عن الفوائد تجدها في كتاب الله، ولن تجدها في كتاب سواه، فهو (تبيانا لكل شىء) إنه يحدثك بصدق، الكتب الأخرى تجلب لك الخلافات، والآراء وتتركك في حيرة من أمرك، لكن القرآن يجعل كل شىء أمامك واضحا، وكأنك تراه وتسمعه وتعيشه، عندما يتحدث مثلا على أهل الجنة، مالهم وما عندهم، نراهم على حقيقتهم في الجنات، وفي الغرف، ومع الأزواج الأطهار، ومع الأحبة الأبرار، ومع الملائكة الكرام، وعندما يتحـدث القرآن على أهل النار، تراهــم وتسمعهــم، وتسمــع النــار مــاذا تقــول ؟ وكيف تتحرك بعنف وشدة؟
هذا من نتائج القرآن، وهى أن يتوصل المسلم، لمعرفة ما له وما عليه.
والقرآن يقول : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.)
________________________

هامش :
- ألقيت هذه المحاضرة ضمن نشاط ليالي مصراتة الثقافية والتي نظمتها القيادة الشعبية الاجتماعية بمصراتة بالتعاون مع مكتب رابطة الأدباء والكتاب بمصراتة في دورتها الثانية والمنتظمة شهر رمضان 1997 وقدم لهذه المحاضرة فضيلة الشيخ / أحمد جهان الفورتية.
- حملت المحاضرة في الإعلان عنها عنوان : المسلم ومغانم صيام شهر رمضان، ولكن أثبتنا العنوان الذي اختاره لها المحاضر وأشار إليها في صلب محاضرته بقوله : (لهذا لو كان العنوان بشكل آخر عندى شكل للعنوان) وذكر العنوان الذي أدرجناه.
- نظرا لان المحاضرة موجهة الى عامة الناس فقد كان الحديث في بعض أجزائها باللهجة المحلية مع التكرار لبعض الجمل لغرض التوضيح والإفهام وأيضا لم تكن مكتوبة من قبل الشيخ بل كانت مرتجلة.. ولهذا أدخلت بعض التعديلات على الصياغة وحذفت بعض الكلمات المستعملة باللهجة واستعضت عنها بكلمات عربية لربط الجمل بعضها ببعض وتوضح المقصود من الجملة حسب السياق.
- هذه المحاضرة موثقة على شريط مسموع ومرئيا على شريط مرئي (فيديو) ولم يسبق أن أذيعت عبر أي قناة من القنوات.
- انتهيت من نقلها يوم الأحد الموافق 2006.08.06 ف
- وقرأت على الشيخ مساء يوم الجمعة الموافق 2006.08.21 ف


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home