Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelgader Emhawesh
الكاتب الليبي عبد القادر محاوش


عبد القادر محاوش

الثلاثاء 16 مارس 2010

عـودة امصادف

عبدالقادر محاوش

السلفيوم
http://www.silvioum.com
الثلاثاء - 16 مارس 2010م

في الصباح الباكر نهض من فراشه فهو لم يذق طعم النوم منذُ حين ، أنسحب في هدوء ودون أن يحدث ضجة خشية أن يستيقظ أولاده فيطالبونه بمصاريف المدرسة .

أمل .... سند ..... حنان .... سعــد .... دستة ونصف من الأولاد جميعهم في مرحلة التعليم الأساسي ... المشوار لا يزال طويلاً و رحلة الحياة بدأت بالإخفاق .... فهو لم يكمل تعليمه واكتفي بإنهاء المرحلة المتوسطة فكان أحد المبادرين إلى أداء الخدمة الإلزامية .... بعد عقد ونصف أخلى سبيله ومنح قرار الإنفكاك ... كان عندما طلب للخدمة قد عُين في البلدية .... عاد إلى بلدته .... أين البلدية ... أحد المواطنين وبشيء من الإستغراب ... ماذا ؟ أعاد السؤال من جديد أين البلدية .... قصدك الشعبية .. لا أدري فقد تركتها بلدية .

نـظـــر أحد الجالسين ... إلى من حوله ثم بادر صاحبنا قائلاً .. قيسك لك زمان على الوطن ؟؟ صدقت والله كنت أودي في الخدمة الإلزامية والآن انفككت وأريد العودة إلى سابق عملي ... شعر بالاستصغار أمام هذا الجمع ؟! وهم يرشقونه بنظراتهم التي تحمل شيئاً من الإستغراب لم يكونوا محقين في ذلك لكونهم عاصروا كل الأحداث والتطورات التي طرأت على الجهاز الإداري ، بل فيهم من كان قلب الرحا في كل هذه التطورات مع تغيير الهيآت فتارة يلبس جلد ذئب ويدخل مع الذئاب ، وتارة أخرى جلد حمل ويدخل مع الحملان حتى تمر السحابة بسلام ، ولكنه يتهيأ للمرحلة القادمة فهي قريبه ... أما صاحبنا فلم يواكب هذه الأحداث ولم يسهم في صنعها .. استمر على هذه الحال أياماً وشهور يبحث عن مقر عمله ... عن ملفه دون جدوي .

عــاد إلى بيته بعد أن أنقضى دوام ذلك اليوم وبخفي حنين كعادته كل يوم وفي أي يوم آخر في المستقبل فقد تسرب إلى قلبه اليأس ، في طريقه إلى بيته المتواضع جداً جداً .. حيثُ دارت به الأرض ولم يستطيع تحديد مساره إلا بالاتجاه نحو الشرق فهو يعلم أن دوائر الحكومة في غرب البلدة وبيته في شرق البلدة ... وجد نفسه في وسط حي جميل ومبانِ فخمة وسيارات على ضفاف شارع حديث ، عاد بذاكرته إلى الوراء قليلاً .. هل أنا في مدينتي ... كلاَّ .... كلاَّ هذه ليست أحياء مدينتي التي أعرفها منذُ خمسة عشرة عاماً ... وفجأة أستوقفه أحد المَّارة وبادره بالسؤال .. ألست فلاناً ؟ قال وفي هدوء تام أنا هو ... هذا ما عقب الزمان !! أقسم أنني لم أعرفك إلا بمشيتك ... هي الوحيدة التي لم تتغير فيك ... من أنت.... ؟ ألم تعرفني ... أنا رفيق الصبا ... أنا فلان ... آه تذكرت قريت أمعاي في المعهد .. ايش أخبارك .. عال العال ... سامحني لي زمان على الوطن ... هذا الحي ... ...أليس هو حي الز .. نعم ... نعم .. مَقْدَمْك ؟؟ الآن أسمه حي الدولار ... لمن هذا القصر؟ ... هذا لفلان .. وذاك السوق؟ .. انه لفلان ... وتلك العمارة التي تعلو السوبر ماركت ؟ ... آه هذه لفلان .. إذا لم تخونني الذاكرة فإن موقع هذه العمارة كان منزل المربي الفاضل محمد .. هل تحسنت أحواله ؟ معلم تتحسن أحواله ؟! قل ساءت أحوال أسرته من بعده فقد توفى وتحت وطأة الحاجة تخلى أولاده عن هذا الموقع مقابل مبلغ مالي زهيد ؟! بعفوية وصفاء نية قال صاحبنا لكل مجتهد نصيب ؟؟! مازال لا يملك أي تفسير لهذه التغيرات السريعة في حياة العديد من الأشخاص الذين عرفهم بالأمس حيثُ كانوا يتقاسمون سندويش إفطار الصباح في المعهد كيف تغيرت الأحوال .. هل أمطرت السماء ذهباً .. أم أن كنوز الأرض انفتحت أمام هؤلاء المردة ؟ .

يا أنوريتي عليك ؟ كل ما تفكر فيه وتطرحه وتعتقد من الماضي .. نحن في عالم جديد .. عالم من يفكر فيه ببناء مستقبله بالكد والعرق وتحرى مصادر الرزق إنسان متخلف فاشل مطية مريحة للعوز والفقر ... إن أردت أن تكون كهؤلاء عليك أن تغير نمط حياتك ... عليك أن تكون إنساناُ جسوراً ... صحيح الوجه ... سليط اللسان متأهب للانقضاض على أي شيء حتى ولوكان مبنى عام ؟! .

ما علاقة هذه الصفات بمصادر الرزق ؟ ليست مجرد علاقة ؟ بل هي مؤهلات لن تصل بدونها إلى ما وصل إليه هؤلاء ؟! هز رأسه مبدياً استغرابه من تغير الأحوال وبهذه السرعة ، غاب لحظات عما حوله ، لحظات كانت كافية للحصول على إجابة لكل التساؤلات التي تدور في رأسه ؟! تجسدت أمامه تلك العمارات كتباً مدرسية ... أدراجا ... أدوات دراسية .. معلمين يصطفون في سيارات قديمة ضمن طوابير الربع وذلك القصر .... معدات وأجهزة وأسَّره وشيخ مريض عاجز عن شِراء الدواء .

والمحال التجارية والأسواق المجمعة ... حدائق وشوارع ومجاري ....و ...و....و..؟؟..! انتبه فجأة وسأل صاحبة في ذهول ؟ ما تقوليش أن كل هذا من خزينة الدولة ؟؟ أجابه على الفور هل أنت غبي أم تتغابى ..... من أين إذن ؟؟! من حرثه والله ورثه أو من تجارة .. كل ما عليك فعله هو أن تعمل كل ما في وسعك من أجل أن تختارك عشيرتك أميناً ، وعندما تصل ستتفتح أمامك أبواب الرز ... كهؤلاء !؟ آه .... أنا أنقول ... لماذا وصلت مدينتي إلى هذه الحالة المُتردية .... يا أخي تريد كلمة الحق .. الدولة ماقصرت ... رصدت الميزانيات لجميع القطاعات ولكن ...سكت ؟! ... ولكن ماذا ؟؟ .. خليها في سَّرك !!؟ .. على أي سر تحكي ؟ هذي أمبلطه عيونها !!؟؟ أطلق صفيراً طويلاً وغادر المكان ؟؟؟ على طول الطريق إلى بيته الذي لم ينته رغم قصره .. فقد كان مهشماً مزحوماً بالمارة والسيارات .. كان يًردد وبصوت مسموع أحياناً .. أنا أنقول لماذا لم ينتبهوا إلى قصتي ؟؟! لديهم ما هو أهم من حالي وحال أسرتي .. ما عندهمش وقت يضيعونه في سبيل اقلال الوالي ورقاد لرياح مثلي ... حسبي الله ونعم الوكيل....حسبي الله ونعم الوكيل لم ينتبه إلاَّ عندما فتح له أبن الجيران الباب وبادره قائلاً تفضل ياعمي أمصادف .؟؟!! تقهقر إلى الوراء قليلاً فوجد باب داره مفتوحاً فهم لم يتعودوا على قفله ... أرتمى في زاوية الدَّار كعادته كل يوم ... أحضرت له زوجته الصبورة شيئا من الخبز وقليلا من الفاصوليا .. قال في نفسه الفقر ليس عيباً .. المهم هي الكرامة .. أين الأولاد ؟ .. إنهم في الغرفة الأخرى يستذكرون دروسهم ... الأولاد في الغرفة الأخرى في حيرة من أمرهم .... أُمهم تخبرهم بكل شيء وتطلب منهم أن يقللوا من مطالباتهم لأبيهم بإحتياجاتهم .. تحاول جاهدة أن تزرع فيهم العفة والصبر ومجاهدة الظروف الصعبة ، كانت دائماً تردد أمهامهم فرج الله قريب .... ما يخلق ويسيب ؟؟! أنها إنسانه مؤمنه رغم بساطة تعليمها .

تركته يتناول وجبة الغداء فلم تشغله بشيء ، وعندما انتهى أشعل سيجارة من سيجارتين باقيتين في علبة سجائره ، أخذ نفساً عميقاً ثم نظر إلى زوجته نظره شفقه واستغراب ... وقال : في داخله .. هل تجود الأيام حتى أكافئك على هذا الصبر ؟! الله كريم ... الله كريم ... .

أيقنت حليمة أن أمصادف قد عاد إلى هدوئه المعتاد فأخبرته أن الأولاد قد طلبت المدرسة منهم إحضار دينارين لغرض شِراء القرطاسية وإصلاح النوافذ ؟؟؟ .وخمس دنانير من أجل تدبير مدرس لمادة الرياضيات والإنجليزي ... اذهب مع الأولاد غداً وأشرح حالك وأحوالك لإدارة المدرسة لعلها تقتنع بالظروف وتعفي الأولاد من هذه الرسوم ، كانت كلمات حليمة كافية لعودته لطمأنته المعهودة ... ثم بدى لحليمة أن أمصادف يتلعثم بكلمات سرعان ما تبينت معانيها .. سمعته يردد ...إنها القصور والعــمارات والأسواق والسيارات الفارهة و السوبر ماركت و الدكاكين .....ماذا تقول هل حدث لك شيء .. كلا يا حليمة فقد اكتشفت اليوم السر .. أتدرين يا حليمة لماذا نحن هكذا ؟؟ .لماذا يطلبون منا ثمن الكتب والقرطاسية والعلاج .. لماذا نسير في شوارع غير مرصوفة ... لماذا لا توجد حدائق لأولادنا ... لماذا ضاعت ملفاتنا ؟ .. لماذا ..لماذا .. لأن الأموال التي خصصت لخدمة المجتمع تحولت إلى قصور وفلل ومحال وحوازات ومزارع واستراحات ..أما نحن فعلينا الصبر وعلى الله الأجر .

نظر إلى ساعته التي كان قد اشتراها من سوق العرب بدينارين بعد أن أكرمه الزَّول بإعفائه من دفع ثمنها كاملاً وهو دينارين ونصف – وجد عقاربها تُشير إلى الثالثة – مازال بدري عالعصر ؟ استلقى في ركن الغرفة وأغمض عينيه .. تسللت حليمة في هدوء وأحضرت له بطانيته العسكرية التي ورثها عن الخدمة الإلزامية وألقتها على جسده النحيف .. وعادت لتكمل مهمة يومها المعتادة مع الأولاد ... تطمئنهم !! ترد على أسئلتهم البريئة أحياناً والاستغرابية أحياناً أخرى !! سمع أمصادف طرقاً خفيفاً على الباب فنهض ... وجد بالباب أبن عمه بوقلَّه .. مرحباً إن شاء الله خير ... خير ... خير .. الليلة عندنا اجتماع العائلة ... على ماذا ... كيف ما عندكش علم .. والله لا أعلم ... والطايح مو من حد .. لا يا أمصادف لا تقول هذا الكلام اليوم جاء وقتك ... فيه صراع بيننا وبين أخوتنا عيت أملاطم على قرعتنا في الأمانات ... كيف الأمانات بالقرعة .. أي والله بالقرعة والتريس ؟! جرَّه عنوة خارج البيت .. معقولة يا أمصادف تتخلىَّ علي عيلتك في هذه الظروف .. استجمع أمصادف قوته في فتح باب المازدا الخيمة !! فقد كان مقبض الباب عبارة عن سلك كهربائي ربط بعناية في فتاحة الباب الداخلية .

كانت المسافة قريبة كما انه لم ينتظر طويلاً حتى يلتئم الجمع لأن حالة النفير قد أُعلنت منذ أيام ... وقف في وسط الغرفة رجل تبدو عليه مظاهر النعمة والوجاهة .. رحبَّ بالجميع .. ثم قال محفزاً ...... الوحدة قوة والتفرق ضعف ... أنتم عارفين أن الفأس لا يضرب إلاّ بثقله ؟! أحنا مجتمعين اليوم أنريدوا قرعتنا مع أخوتنا وفي المنطقة برأس الدبوس أو بذيله ؟! أورانا ما نأخذوا إلاّ الهبرة ؟؟ قال أحدهم ؟؟! سلمّك فم لم يعقب أحداً بعد ذلك على ما قاله هذا الوجيه .. لم يتعودوا على معارضته فهو حامي حمى العشيرة والمدافع عن حقوقها وكرامتها – ساد الغرفة شيء من الهدوء وبدأت التساؤلات من هذا المحظوظ الذي سينال شرف تمثيل العائلة لشغل الأمانة .. وفجأة تعالت الأصوات ... أمصادف .. أمصادف وفي الغد كانت المواجهة ونجح أمصادف وتغيرت أحواله ... عاش لحظات من السعادة هي كل الوقت المُتبقي بين غفوته وصلاة العصر .. حيثُ أرتفع صوت الحق مُنادياً لصلاة العصر فعاد إلى يقظته وعدد من الأسئلة تدور في رأسه وإجاباتها تشغل تفكيره .. أين البلدية ..بح .. أين الشعبية ... بح .. أين القوى العاملة ... بح ... أين المركز الوطني .... بح ... أين أنا .... بح ... أين الميزانية ....... ميـــــة بح .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home