من الأمانة أن أقول الآن، بأن جميع المعلومات التي ذكرتها حول محاولة اغتيال (عمر الشلحي) كانت بالنسبة لي سرا مغلقا، ولا أعرف عنها شيئا على الإطلاق، حتى ما بعد عصر أحد أيام شهر رمضان، وأظنه كان يوم 20 رمضان الذي وافق يوم 30 نوفمبر عام 1969م. فقبل الإفطار بحوالى ساعتين، كنت أقف مع النقيب زايد عبد الله المجدوب، والنقيب مفتاح اقويدر العوكلي، أمام بوابة معسكر الفويهات ببنغازي، القريب من مقر جريدة الحقيقة آنذاك، عندما خرج من المعسكر الملازم أول (محمد بن طاهر) بسيارته، وانعطف يمينا نحو المدينة، ولكنه حين شاهدنا، أوقف سيارته وجاء إلينا، وسلم بحرارة على زايد ومفتاح، لأنه لم يرهما منذ مدة طويلة... زايد المجدوب من دفعتي وهي السادسة، أما مفتاح اقويدر فهو من دفعة محمد بن طاهر، وهي الدفعة السابعة، ولكننا تواجدنا بالكلية كطلبة معا لمدة عام كامل، نحن بالصف المتقدم، وهم بالصف المستجد.
واثناء حديثنا، خصنا (محمد بن طاهر) بهذا السر كاصدقاء ورفاق سلاح، ولكنه رجانا ألاّ نذكره لأحد، وأن نحتفظ به كما قال حرفيا: Top Secret.
وهذا باختصار ملخص ما ذكره لنا (محمد بن طاهر) عن محاولة اغتيال (عمر الشلحي) في اليونان: لقد تم تكليفه مع مفتاح الهندياني باغتيال عمر الشلحي في اليونان...كما تم تكليف الملازم (فتحي الكيلاني)* بنقل مجموعة مسدسات وغدارة "ستيرلنغ" مفككة، في الحقيبة الدبلوماسية إلى السفارة الليبية في اليونان، قبل سفرهما بوقت كاف.
وبعد وصولهما، أي بن طاهر والهندياني إلى السفارة الليبية في أثينا، وجدا أمامهما الاسلحة، ولكنهما لم يجدا أية معلومات لدى جميع أعضاء السفارة، عن مكان وجود عمر الشلحي، كما كانا يتوقعان، وكما أخبروهما قبل سفرهما..!!؟.
وخرجا من السفارة، يبحثان على غيرما هدى في عدة أماكن... فذهبا أولا إلى منطقة (كامينا فورلا) حيث كان الملك ادريس يقيم أثناء فترة علاجه، ثم عادا إلى أثينا، وأقاما بالهلتون إعتقادا بأنهما قد يجدانه هناك... وبعد حوالى اسبوعين، قضيا معظمها في أثينا، بحثا بدون جدوى، عادا أدراجهما إلى بنغازي، دون أن يعرفا حتى إذا كان عمر الشلحي لا يزال باليونان أم غادرها إلى بلد آخر..؟!!.
وأتذكر بأنني سألت (محمد بن طاهر) سؤالا مباشرا... هل ألغيت المحاولة..؟!
فقال: "لا.. ولكننا في إنتظار إشارة واضحة، ومعلومات مؤكدة عن مكان وجود الشلحي في اليونان، لكي نعود من جديد إلى هناك". ودون أن يسأله أحد أضاف: "لقد قام (فتحي الديب)** بتكليف الرائد (صلاح السعدني) بالاتصال بالاستخبارات المصرية، من أجل البحث عن مكان وجود عمر الشلحي في اليونان... وبعد أن يتم تحديد مكانه، وبمجرد إبلاغنا بذلك، سنسافر فورا إلى اليونان، وسيكون في إنتظارنا بالسفارة الليبية، أحد رجال الاستخبارات المصرية، لتزويدنا بجميع المعلومات الضرورية"..!!!؟.
وقد ناقشنا بسرعة، إمكانية إعتراض عبد الناصر على عملية الاغتيال، أو على اشتراك الاستخبارات المصرية في هذه العملية الدموية، ولكننا اتفقنا بسرعة أيضا، على أن عبد الناصر الذي يريد أن يكسب رضى وولاء الانقلابيين، سوف لن يعترض ولن يمانع في إغتيال عمر الشلحي، ما دام هذا الاغتيال، سيتم خارج مصر..!؟؟.
* * *
ما الذي حصل بعد ذلك بالضبط..؟!. بعد نحو اسبوع واحد من الزمن، من ذلك اللقاء... وتحديدا يوم 27 رمضان الذي وافق يوم 7 ديسمبر عام 1969... تم إعتقالي مع حوالي 60 ضابطا من ضباط الجيش، كان على رأسهم المقدم آدم الحواز وزير الدفاع، والمقدم موسى أحمد وزير الداخلية، حيث أطلق مجلس قيادة الإنقلاب، على حملة الإعتقالات الواسعة تلك، التي كان الهدف منها، هو تصفية هؤلاء الضباط، والتخلص منهم، ولكنه ـ أي مجلس قيادة الانقلاب ـ أطلق عليها إسم (مؤامرة ضد الثورة) وتلكم ـ على أية حال ـ قصة أخرى..؟!.
أما ما الذي حصل بعد ذلك بالضبط، في أول محاولة إغتيال بعد وقوع إنقلاب سبتمبر العسكري عام 1969، وهي محاولة إغتيال ناظر الخاصة الملكية، أو مستشار الملك ادريس الخاص (عمر ابراهيم الشلحي)...؟!. فإنني، إجابة على هذا السؤال، وبحكم سنوات السجن الطويلة اللاحقة، لا أعرف شيئا على الإطلاق..؟!!!.
كل الذي أعرفه الآن، هو أن (عمر الشلحي) لا يزال على قيد الحياة.... في حين لم أر (محمد بن طاهر) منذ ذلك اليوم، وحتى هذا اليوم، ولا أعرف الآن عنه شيئا إطلاقا... ولا أدري حقيقة حتى أين هو الآن..؟!!.
فإذا قيض الله له أن يقرأ هذه السطور، فإنني أرجوه أن يتذكر جيدا، بأن الاسرار المتعلقة بمصير الوطن، وبمصير رجاله ونسائه، وحتى الوثائق الدولية الرسمية الخطيرة، تفرج عنها أغلب الدول للإطلاع العام، بعد نحو ثلاثين سنة من وقت حدوثها... وما كنت أتحدث عنه، هو حدث يزيد زمن حدوثه، عن الثمانية والثلاثين عاما بقليل... حتى يدرك بوضوح تام، بأنني الآن لا أفشي ولا أذيع سرا شخصيا، ينبغي أن يظل على الدوام طي الكتمان، أو بدرجة Top Secret إلى الأبد...؟!.
أما (مفتاح الهندياني) فقد قربه الإنقلابيون منهم، منذ بداية الإنقلاب للإستعانة به، وخاصة من قبل أعضاء ما عرف فيما بعد بإسم مجلس قيادة الإنقلاب، حيث تم تكليفه بعدة مهام خاصة... ووصل الأمر بهم إلى حد التشاور في كيفية تعيينه في الجيش، ومنحه رتبة عسكرية رفيعة..؟!.
ولكنهم حين أدركوا بأنه عرف عنهم اسرارا كثيرة... بعضها يعد خطيرا جدا... وتذكروا تهوره وخطورته وطبعه المغامر... قرروا التخلص منه بأي شكل من الأشكال، ولو بقتله...؟!!.
ونفذوا هذا القرار بالفعل فيما بعد، في الوقت والمكان المناسبين لهم..؟!.
لقد تم إغتيال (مفتاح الهندياني) بتفجير سيارته، غير أنني لا أعرف الكيفية بالضبط، ولا حتى السنة على وجه الدقة، نظرا لوجودي بالسجن في ذلك الوقت.
كل ما عرفته بعد خروجي من السجن، هو أنه أغتيل بين عامي: 1970-1971، وأنهم حينها نشروا عنه في الصحف ـ للتمويه وإبعادا للشبهة ـ نعيا أو خبرا يؤكد وفاته، نتيجة لانفجار لغم في الصحراء تحت سيارته، أثناء قيامه بواجبه ـ على حد قولهم ـ وهو يقود دورية صحراوية..؟!.
إنتهـى
عبدالونيس محمود الحاسي
________________________