Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Saturday, 18 August, 2007

عـبدالعاطي خنفر.. وابتسامة في وجه سجّان

كلمة وداع للصديق الراحل عـبدالعاطي خنفر

عـبدالونيس محمود الحاسي

"كل رفاقنا ماتوا            
ولم يبق سوى الزمان.."
     عبدالوهاب البياتي

رحل المناضل الوطني عبد العاطي عبد الله خنفر.. رحل الشاعر الشعبي وأستاذ النحو العربي.. رحل إبن منطقة "الغريقة" القريبة من مدينة البيضاء بالجبل الأخضر..
أجل.. رحل عبد العاطي الذي كان صبيا ماهرا في ضرب "الناطور"، وفي اصطياد العصافير بالمقلاع وسط مزارع الغريقة المتماوجة بحقول القمح، والمفروشة بأوراق العنب الذي يضاهي في جودته عنب شحات..؟!
رحل عبد العاطي، ولا أقول مات.. لأن من يسلخ خمسة عشر عاما من عمره في أقبية التعذيب، وظلام سجون حكم عصابة القذاذفة، في سبيل وطنه، لا يموت.. لا يموت أبدا..؟!

ومن منصة الدروس بمدرسته بمدينة البيضاء، نقلوه مقيدا مع شقيقه عبد الغني خنفر، وزجوا بهما في سجن الكويفية، بعد "خطاب زوارة" سيء الذكر..؟! أو بالأحرى خطاب القمع والتنكيل بكل صوت وطني ليبي حر وشريف، أو هو خطاب مصادرة جميع الحريات في ليبيا الذي ألقاه الطاغوت معمر بو منيار القذافي بمدينة زوارة يوم 15 أبريل عام 1973، وزجوا ـ كما نعرف جميعا ـ بالمئات في السجون في جميع أنحاء ليبيا التي تحولت إلى سجن كبير.. عشرات القضايا المختلفة، وعشرات التهم الملفقة.. فنظام سبتمبر الانقلابي الذي يقوده شخص مريض، يصف أحرار ليبيا وشرفاءها ومثقفيها بالمرضى، تمهيدا لسجنهم والتخلص منهم..؟!
ومع عبد العاطي وشقيقه، سجن العشرات في نفس القضية، كالدكتور محمد المفتي، والمحامي مصطفى العالم، والشاعر محمد الشلطامي، والشاعر المبروك الزول، ومحمد أبو سريرة، وعبد الجليل الزاهي، وفتح الله انديشة، وعمر المختار الوافي، وأحمد الشيخ، ومحمد حسن المنفي، وفتح الله المقصبي، وفرج محمد الصالح، والسنوسي الفسيّ، ورجب الهنيد (1).

كان عبد العاطي خنفر شاعرا شعبيا جيدا، يتنافس مع صديقه ورفيقه في نفس القضية الشاعر المبروك عبد المولى الزول. وفي حين كانت أشعار الزول على جودتها صدامية وحادة ومباشرة.. كانت أشعار خنفر هادئة، ومدسوسة بذكاء وسط نسيج الغزل الشعبي للوصول إلى غاياتها نحو الخلاص والانعتاق والحرية..؟!
أشعر الآن بالأسف الشديد، لأنني لا أحفظ سوى شذرات قليلة من شعر عبد العاطي خنفر، من بينها مطلع قصيدته الرائعة التي يخاطب فيها مدير سجن الكويفية النقيب زايد عبد الرحيم، يخاطبه برتبته قائلا:

دايك علينا ياس        يا نقيب ما يوم اندقر
يا نقيب جضـــــــاره
                         على مقعده مول الغثيث ايساره
                         وانكان قلتلي ياهو يجيك زياره
انظنك يحيد جضار   مع عزيز ميعاد بالغفر

والقصيدة على منوال أحد أساليب الشعر الشعبي البرقاوي الذي يقسم القصيدة إلى عدة مقاطع، وكل مقطع فيها يبدأ بغناوة علم، ثم ثلاث شطرات أو أبيات قصيرة من الشعر، ثم يختم المقطع بغناوة علم مرة أخرى... وهكذا دواليك..؟! ولعل حنين عبد العاطي إلى مسقط رأسه بالجبل الأخضر، يتضح في قوله هذا:

أنريد في الجبل جــــــــــــولات     مع عزيز "برميسي"(2) خضر
خضر برميســـــــــــــــــــــــي
                                         أوين ما نبي نمتلص في قيسي

واضح هنا، أن عبد العاطي يتوق إلى أن يتجول في الجبل الأخضر، مع الذين يحبهم، ولكنه لا ينسى حريته أبدا، فهو يريد أن يتجول بكامل حريته، وأن ينطلق توا إلى حيث يريد، دون أن تعترض طريقه الموانع أو الحواجز وبوابات التفتيش..؟!

* * *

وفيما بعد، أي بعد أن تم نقلهم من سجن الكويفية ببنغازي، إلى سجن الحصان الأسود بطرابلس.. وفي أحد أيام شهر رمضان، شاهد امرأة في أحدى شرفات العمارات(3) القريبة من السجن، وهي تعد وجبة الافطار لاسرتها.. شاهدها وهي تدخل وتخرج إلى الشرفة، وأولادها الصغار يلعبون من حولها... فخاطبها خنفر من وسط خرائب وأطلال سجن العهد الفاشستي.. سجن "بورتو بينيتو".. سجن الحصان الأبيض، الذي تحول في عهد الانقلاب إلى سجن الحصان الاسود.. خاطبها قائلا:

انتي فـــــــــــــوق في عللـّــــي       أونا فــــــــــي خربــــــــــــــــــــة
انتــــــــــــي اتفتلكــــــــــــــــي       أونا فطـــــــــــوري شربــــــــــــة
انتي في اللّبراك اتلفـّـــــــــــــي       وراجلك احذاك في الفراش امغفــّي
وهرجت عواويلك اتزيد ادفـّــي       بلا حسد في نيسـة اونا في غربــــة

ما أقسى أن يشعر الانسان بالغربة في وطنه..؟! وما أعظمه عندما يتسامى فوق آلامه وعذاباته وجراحه، كما فعل عبد العاطي خنفر، فهو لا يحسد تلك المرأة وأسرتها على الأنس والألفة التي تعيشها، رغم أنه يعيش في غربة قاسية، وهو داخل وطنه..؟!

حكم على عبد العطي خنفر بالسجن المؤبد عام 1977، فازدادت القيود ضيقا وقسوة وهو لا يزال بسجن الكويفية، وبعد أن تمكن (ابراهيم عميش) من الهروب من سجن الكويفية في حدود عام 1980، وجهت الاتهامات إلى إدارة السجن والسجانين وإلى جميع العاملين بسجن الكويفية، بالتواطؤ أو التساهل مع المساجين السياسيين في برقة، أو "المرضى" كما يطلق عليهم النظام الذين لا يستحقون معاملة انسانية أو كريمة... وجاء القرار الحاقد بسرعة، من معمر بو منيار القذافي حاكم ليبيا إلى مصطفى الخروبي حاكم برقة، بنقلهم بأقصى سرعة ممكنة إلى سجن الحصان الاسود بمدينة طرابلس، لكي ينالوا المعاملة التي يستحقونها..؟!!
في سجن الحصان الأسود، قد لا تصل إليك معلومة بسيطة أو صغيرة، من داخل السجن ذاته، إلا بعد شهور.. لهذا، لا أدري حتى الآن، كم مضى من الوقت، قبل أن نعلم ونحن بقسم الإعدام، بأنهم قد صاروا بجانبنا في قسم المؤبد، فانتهزت مرة فرصة ابتعاد أحد الحراس، وصحت من داخل زنزانتي، عبر الفتحة التي نستلم منها الطعام، صحت بأعلى صوتي: "كيف حالك يا عبد العاطي... وكيف حال عنب الغريقة..؟!!" دون أن أدري، ماذا سيكون الرد، أو ماذا ستكون النتيجة..؟! وكانت المفاجأة المذهلة، أن رد عبد العاطي بصوت مسموع وواضح من داخل زنزانته، وهو على يقين من صاحب الصوت الذي ناداه... رد قائلا، وبلهجة مرحة: "بخير.. بخير.. وعنب الغريقة يا عبد الونيس مازال أحسن من عنب شحات"، في إشارة إلى التنافس بينهما.
فيما بعد، عرفت أن عبد الحميد البشتي الذي كان في الزنزانة المجاورة لزنزانة عبد العاطي، قد سأل عبد العاطي في اليوم التالي، أثناء خروجهم للساحة، سأله مندهشا: كيف.. قال عبد الحميد.. كيف يا عبد العاطي بعد هذه السنين الطوال، وكل واحد منكما داخل زنزانة مغلفة لا يرى الآخر... كيف تخاطبتما بلغة العنب هذه، وكأنكما كنتما إلى يوم أمس معا..؟! وأطلق عبد الحميد البشتي على ذلك إسم: "حوار عناقيد العنب".
كلما قام النظام الاستبدادي بالتشديد وتضييق الخناق علينا، لمنع أي اتصال بين الأقسام، أو منع أي تواصل أو تراحم فيما بيننا، كلما تفتقت أذهان الرجال، عن خلق وسائل بديلة للتواصل، وشحذوا عزائمهم لتنفيذها، رغم صعوباتها ومخاطرها.. لهذا، حافظنا ـ ورغم كل شيء ـ على الحد الأدني للتواصل والترابط فيما بيننا..؟!!

* * *

توفي والد عبد العاطي خنفر، وهو لا يزال بسجن الكويفية، وبعد نقلهم إلى سجن الحصان الأسود بثلاث أو أربع سنوات، توفيت زوجته، وتركت أطفالها لوالدته واخوته، لرعايتهم واستكمال تربيتهم.
وبمجرد وصول النبأ الحزين... سارع الجميع ـ كل بطريقته السرية الخاصة ـ لإيصال تعازيه ومواساته لعبد العاطي في مصابه الجلل..؟!!
وما زلت أتذكر جيدا، بأنني كتبت إليه رسالة قصيرة جدا، على ورقة دخان، قلت له فيها: "لن أكتب إليك معزيا، مع حفنة مشاعر طيبة، ومضمخة بالمودة، ولكنها على أرض الواقع لن تجدي فتيلا... إذا، سأقول لك الآن، يا عبد العاطي.. أصمد وقاوم، واضغط على جرحك بقوة عزم، ثم امض دونما توقف... فلا مجال هنا للضعف أو الدموع... نعم يا صديقي، فليس لدي ثمة من عزاء آخر...؟!
وأشهد الآن، بأنك صمدت، وبأنك قاومت..؟! وها أنذا يا عبد العاطي، ما زلت صامدا مثلك.. وسأظل..؟!!!

ومضت سنوات أخرى... انضم خلالها إلى قسم المؤبد مجموعة من الشباب الجدد في قضايا جديدة، وبحكم سنهم كشباب، ما كانوا يتحملون إهانات السجانين، والسنتهم البذيئة، فيشتبكون معهم في الحال في عراك وشجار، أو يردون عليهم بشتائم مماثلة...؟!! وحاول عبد العاطي خنفر الأستاذ والمربي، وصاحب الخبرة والتجربة الطويلة، أن يوضح لهؤلاء الشباب الكيفية التي تمكنهم من التعامل مع وضعهم الجديد بدون مشاكل... حاول أن ينصحهم، خاصة وأن عقوباتهم عقب كل مشادة، كانت شديدة وقاسية، لأنها تتم بضربهم (بالفلقة) التي أصبحت شعارا مخزيا لا تمحوه الأيام لنظام القذافي..!!؟
بذل عبد العاطي جهده معهم على أية حال، ولكن الشباب كما يقولون، فورة وحماس واندفاع، إذ ظلوا على عنادهم وتهورهم وكساحة رؤوسهم...؟!
ومن جهة أخرى، عندما دخل عبد العاطي السجن، كان عمر ابنته "منى" خمس سنوات فقط، ومع مرور السنين، كبرت منى حتى صارت صبية يافعة وجميلة...؟!
كانت الزيارات فصلية، أي أنها تتم كل ثلاثة أشهر فقط لجميع السجناء السياسيين، باستثناء المحكومين بالإعدام، والمحرومين من جميع الزيارات، ومن الخروج إلى الشمس نهائيا..؟!! كانت منى تأتي من الغريقة كل ثلاثة أشهر لزيارة والدها... تأتي مع أحد أعمامها، وزوجة عمها عبد الغني السجين هو الآخر... كانت باختصار تأتي مع الأسرة لزيارة والدها... وخلال تلك الزيارات، شاهدها اولئك الشباب الذين تحدثنا عنهم قبل قليل، فأقبلوا على عبد العاطي يمازحونه، ويتنافسون في التقرب إليه، كل منهم يخطب وده، ويريد أن يخطب منى..؟!

بعد ذلك، كتب إلي عبد العاطي مرة يقول: " هل تعرف ماذا قلت لهؤلاء الشباب الذين معي، وكل واحد منهم يريد مصاهرتي..؟! لتعلم يا صديقي، بأني قلت لهم: "إن مهر منى إبتسامة في وجه سجان".
وكتبت إليه قائلا:"ها أنتذا إذن يا صديقي، تتفق مع الشاعر الروسي (يفتوشينكو) الذي قال يوما:"المجد للضحك.. إنه قاهر الطغاة". ليتني كنت مثلك يا صديقي ـ قلت له ـ أو مثل يفتوشينكو شاعر روسيا الكبير.

* * *

بعد خمسة أشهر من خروجنا من السجن، وفي أحد أيام شهر أغسطس من صيف عام 1988، وقبل أن أغادر ليبيا نهائيا بنحو شهر، إذ غادرت أرض الوطن يوم 14 سبتمبر عام 1988... أعني منذ تسعة عشر عاما على وجه الضبط، التقيت الصديق الراحل عبد العاطي خنفر لآخر مرة... ويا للمفارقة، كان ذلك اللقاء في سهرية عزاء، عند (عيت بوحقيفة)، جيران (عيت خنفر) في منطقة الغريقة ذاتها...؟!
ولن أنسى آخر كلمات قالها لي عبد العاطي في تلك الليلة، ونحن نهم بالعودة إلى بيوتنا.. قال لي، وهو يؤكد على كلامه بإشارة من يده:"من المستحيل أن يبرأ المرء من حب الوطن إلا في القبر..؟!"
فقلت له مازحا:"هل تقصد نظرية الحلول، والفناء في الآخر، أو المحب الذي يفنى في محبوبه..؟!"
ضحكنا ليلتها .. ثم افترقنا...؟!

أما الآن، فإنني أريد أن أقول، بأن عشاق الوطن، حين يموتون، يفنون في الوطن... فيصيرون هم الوطن ذاته..؟!.

عـبدالونيس محمود الحاسي
________________________________________________

(1) أعتذر لبقية المناضلين من رفاق عبد العاطي خنفر في نفس هذه القضية، عن عدم ذكر اسمائهم، فغايتي هي إيراد أمثلة، وليست حصرا لجميع الاسماء.
(2) كلمة "برميس" هي كلمة ايطالية قديمة، تم تطويعها للسان الشعبي، ومعناها الإذن أو التصريح، وكان لون ذلك التصريح القديم أخضر، وقد اصبحت الكلمة فيما بعد، رمزا للإنطلاق دون قيود.
(3) جميع العمارات القريبة من سجن الحصان الأسود، تقطنها عناصر من الشرطة العسكرية، أو من الاستخبارات العسكرية، حتى لا يطلع أحد آخر غيرهم على أسرار السجن، والجرائم البشعة التي يتم ارتكابها داخله.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home