Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Thursday, 17 January, 2008

       

لـكي لا ننسى :
مواقف شجاعة ومجهولة.. في تاريخ الإعلام الليبي
(*)

عـبدالونيس محمود الحاسي

الموقف الشجاع الخامس :
بعد الحادث الأليم لطائرة الخطوط الجوية الليبية، التي أسقطتها بصاروخ إحدى المقاتلات الإسرائيلية، في صحراء سيناء في 21 فبراير عام 1973. توترت الأجواء في ليبيا بصورة عامة، وخاصة بمدينة بنغازي التي نكبت بعدد كبير من الضحايا، فتدفقت ـ تلقائيا وعفويا ـ المظاهرات الغاضبة إلى شوارعها.. ووصل الغضب إلى قمته أثناء دفن الضحايا بمقبرة (سيدي عبيد) فهتف المتظاهرون ضد مجلس سلطة انقلاب سبتمبر الذي اتسم موقفه بالضعف والخنوع والهروب من مواجهة الحدث.. وطالب المتظاهرون بالانتقام للضحايا الأبرياء.
في هذه الأثناء، كان مجلس سلطة الإنقلاب، أي مجلس قيادة الثورة، يعزز تحصيناته للثبات في السلطة.. ويتخذ الإجراءات الفعالة للرد السريع على أي انفجار مباغت، سواء بين الجماهير، أو في صفوف الجيش.. وأعلنت في البلاد حالة استنفار قصوى.. تمت خلالها عملية اعتقالات لعدد كبير من المتظاهرين، تحت غطاء المخربين أو الفوضويين ومثيري الشغب..؟!!
كانت الإذاعة الليبية، من بين المواقع المهمة التي استنفرت.. وأصبحت تعمل في حالة طوارئ، من أجل تكثيف البرامج والتقارير والتعاليق وحتى الأناشيد التي تعزز موقف سلطة الانقلاب، وتثني على قوته وشجاعته من جانب، وتبث التهديد المبطن لكل من تسول له نفسه المساس بالثورة أو برموزها الأحرار من جانب آخر...؟!!

وفي هذا الإطار، عقد مدير إذاعة بنغازي، إجتماعا كبيرا داخل الإذاعة، حضره المذيعون والمحررون والكتاب الإذاعيون ومقدمو البرامج وغيرهم. وذلك من أجل ترشيدهم وتزويدهم بالنصائح والتوجيهات التي تدعو لحماية الثورة والدفاع عنها، ضد الرجعية والثورة المضادة، وفلول وبقايا العهد البائد الذين يقومون بالتخريب.. ويثيرون الشغب والفوضى..؟!!
فطلب المذيع (الطاهر ارحومة) الكلمة، وقال لمدير الإذاعة:
ـ إن الذين تظاهروا.. وتم اعتقال بعضهم، لا علاقة لهم بالرجعية أو الثورة المضادة أو العهد الملكي.. إنهم أناس بسطاء.. بعضهم طلبة، وبعضهم عمال أو تجار.. وحتى حمالين في الفندق البلدي.. ونحن نعرف بعضهم.. وهم على حق عندما تظاهروا، لأننا لم نسمع أو نرى أي إهتمام حقيقي وجاد من قبل مجلس قيادة الثورة، يتناسب مع وقوع مأساة وطنية كهذه.. لم يعلن أي بيان أو حداد أو تعزية لأسر الضحايا.. ولم يتكرم أحد من مجلس قيادة الثورة باستقبال الجثامين التي زادت عن المائة في مطار بنينة.. ولم يحضر منهم أحد مراسم دفنهم بمقبرة سيدي عبيد..!!؟

ثم أضاف المذيع ارحومة :
ـ أعتقد أن واجبنا الوطني، يتطلب منا كرجال إعلام، أن نشكل من بين الحاضرين هنا، فريقا من أجل التحقيق الإعلامي في الحادث.. يذهب إلى مطار القاهرة، ليعرف من برج المراقبة مباشرة، كيف مرت الطائرة بالقرب من المطار، دون أن تظهر على شاشات الرادار..؟!! أو تبعث بأية رسالة أو مكالمة..؟!!
وبعدها ينتقل إلى جبهة قنناة السويس.. ويسأل أطقم صواريخ الدفاع الجوي المصري المتواجدة على اهبة الاستعداد، وهي في حالة (حرب الاستنزاف) كيف لم يشعروا بمرور طائرة مدنية ضخمة في اجوائهم..؟!!
هناك لغز ـ قال الطاهر ارحومة ـ هناك لغز حقيقي، وعلينا أن نحاول فك رموزه.. وربما هناك سر وراء الحادث..؟!!
لدينا ثلاث شخصيات ليبية مهمة في الطائرة، بالإضافة إلى زميلتنا في المهنة، المذيعة المصرية القديرة سلوى حجازي. هناك ثلاث شخصيات ليبية.. وهناك من لديه مصلحة في التخلص منهم، وهم:
ـ صالح مسعود بويصير، وزير الخارجية الليبية السابق الذي طالب بأن تكون مدينة بنغازي هي عاصمة ليبيا، نظرا لوقوعها في وسط ليبيا، أو بالقرب من هذا الوسط..؟!!!**
ـ د. عوض السعداوية، عالم الآثار الليبي الذي أعلن احتجاجه بشدة ضد تهديم الصرح الأثري الكبير، أو النصب التذكاري المعروف بإسم (قوس اخوان فيليني) الذي كان ينتصب من أكثر من 2.500 عام وسط الصحراء بين اقليمي برقة وطرابلس..؟!. كما أعلن احتجاجه، ضد تحطيم تمثال (سبتموس سيفيروس) بمدينة طرابلس، نظرا لأهميته من الناحيتين التاريخية والأثرية، وقد كتب الأستاذ المرحوم عوض السعداوية بذلك رسميا إلى منظمة (اليونيسكو) التابعة لهيئة الأمم المتحدة.
ـ عبد القادر طه الطويل، رئيس تحرير صحيفة (الرأي العام)، والذي مازلنا جميعا نتذكر دفاعه الشجاع عن الصحافة وحرية الصحافة في بلادنا.. وعن حرية الكلمة ومصداقيتها.. وهي نفس الأمانة التي نحملها، وعلينا أن نقوم بها بشجاعة مثله.

* * *

بعد مضي أسبوع أو أكثر، من ذلك الإجتماع، وبعد أن هدأت الأوضاع... وفيما كان الإذاعي (الطاهر ارحومة) يمارس عمله في أحد الأيام، بصورة عادية في إذاعة بنغازي، وصله استدعاء رسمي من قبل وكيل نيابة بنغازي المركز، من أجل الحضور إلى مكتب وكيل النيابة. وبمجرد وصوله في اليوم التالي، إلى مكتب وكيل النيابة، شرع معه في التحقيق، حول ترويجه للإشاعات الهدامة ضد الثورة..؟!!
ورغم أنه أخبرهم بوضوح، بأن ما قاله كان في اجتماع رسمي داخل الإذاعة، وبحضور مدير الإذاعة نفسه، إلا أنهم أخذوا يتعمدون تجاهل الاجتماع، ويوجهون اسئلتهم إليه، على أنه كان يقول ذلك لكل من يصادفه في الشارع، أو لكل من هب ودب في الطريق العام.. حتى يتسنى لهم حبك أو فبركة تهمة بث الإشاعات المغرضة والمعادية للثورة ضده..؟!

وبعد عدة رحلات مكوكية على النيابة، ذهابا وأيابا... وعلى توجيه نفس الأسئلة أو الإتهامات، ونفس الإجابات.. لا هدف من ورائها إلا مقاصد (البهدلة)..؟!. اقترحوا عليه أخيرا، كنوع من الرأفة به، أن يعتذر عما قاله، لكي يتم قفل الملف، ثم قفل القضية نهائيا..؟! ولكنه رفض ذلك بشدة.. فنقلته سيارة من مبنى النيابة العامة إلى سجن الكويفية.. حيث وضعوه هناك مع من أطلقوا عليهم إسم :"المشاغبين والمخربين".. أي مع المعتقلين خلال الأحداث والمظاهرات التي جرت عقب إسقاط الطائرة الليبية في سيناء..؟!
ولكنه لم يسجن معهم كمشاغب، وإنما كمروج إشاعات هدامة..؟!
وهكذا.. حرم (الطاهر ارحومة) حتى من دخوله السجن على شرف مهنته كصحفي، أو كإذاعي له رأي آخر، أو وجهة نظر مخالفة..؟!
لقد زجوا به في سجن الكويفية، مثل أي مروج إشاعات تافه..؟! وذلك من أجل إهانته وإذلاله وتحطيمه..؟!
ولهذا السبب، لم يتم تقديمه للمحاكمة إطلاقا، لأنهم كانوا يعرفون بأن المحكمة في حالة إنعقادها، ستكون نتيجتها عكسية، ووبالا عليهم..؟؟!

* * *

وبعد.. أعزائي القراء.. تلكم كانت خمسة مواقف وطنية شجاعة، في تاريخ إعلامنا الليبي.. قد تنقص بعضها كثير من التفاصيل.. ورغم أهمية تلك التفاصيل الغائبة، إلا أنها لا تؤثر على جوهر موضوعها ومضمونها، في كونها مواقف وطنية شجاعة، تستحق الإشادة والثناء والتقدير.
وهي ليست كل الموافق الوطنية الشجاعة في تاريخ إعلامنا بكل تأكيد.. فلا بد ثمة من مواقف أخرى، لم نسمع بها، أو سقطت بفعل الزمن من ذاكرتنا كبشر.. فلنبحث عنها معا، بتأن وهدوء، في ذاكرة الوطن التي لا تنسى..؟!.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

 (*)  سبق لي اذاعة هذه المواقف بإذاعة أمل في وقت سابق من هذا العام.
(**) ظل القذافي منذ بداية إنقلابه، يزورّ عن إعلان عاصمة ليبيا رسميا، لأنه كان يخطط منذ تلك البداية، لبناء مدينة في مضارب خيام قبيلته في صحراء سرت، لتكون عاصمة لليبيا..؟!!


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home