Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Sunday, 16 March, 2008

   

أول محاولة إغـتيال بعـد الإنقلاب(*) (1)

ـ معلومات تنشر لأول مرة ـ

عـبدالونيس محمود الحاسي

جميعنا نعلم الآن، بأن ملك ليبيا الراحل محمد ادريس السنوسي، كان في صيف عام 1969، يقضي فترة نقاهة واستشفاء في اليونان. وتحديدا في منطقة كامينا فورلا التي تبعد حوالى 130 كيلومتر إلى الشمال من أثينا. ومن هناك، سمع بخبر الانقلاب العسكري في بلاده، في اليوم الأول من شهر سبتمبر عام 1969... أو بالأحرى سمع بخبر الإطاحة بعرشه ونظام حكمه..؟!!!

وعلى الفور، بدأ محاولاته مع الحكومات الصديقة، من أجل استعادة عرشه، أو الاحتفاظ به، وخاصة مع حكومة صاحبة الجلالة البريطانية، حيث أرسل ناظر الخاصة الملكية، أو مستشاره الخاص (عمر ابراهيم الشلحي) إلى لندن، في مهمة غاية في الأهمية والاستعجال، لمقابلة وزير الخارجية البريطاني مايكل ستيوارت، الذي كان رده فاترا ومخيبا للآمال، على طلب الملك ادريس من بريطانيا، التدخل عسكريا وفق المعاهدة الليبية البريطانية لعام 1953، لاستعادة الأمور في المملكة إلى وضعها الطبيعي.. خاصة، وأن منطقة طبرق، حيث قصر الملك ومقر إقامته الدائم في (رأس بياض)، وحيث (قاعدة العدم الجوية البريطانية)... منطقة طبرق هذه، وعلى أهميتها تلك، ظلت حتى مساء اليوم الثالث للإنقلاب، خالية تماما دون أن يدخلها جندي واحد من جنود جيشنا.. إلى أن أرسل المقدم موسى أحمد من مقر قيادته بمدينة البيضاء، في مساء اليوم الثالث للإنقلاب.. أرسل النقيب صالح الدروقي مع قوة صغيرة قوامها سرية مشاة ضعيفة التجهيز، من أجل السيطرة على منطقة طبرق..!!؟.
ولو خرج فصيل واحد بريطاني من القاعدة مسلح تسليحا جيدا، لما كان في إمكان سرية الدروقي أن تحمي منه حتى نفسها..!!؟.

* * *

وعلى أية حال.. وفيما كان عمر الشلحي يتوجه جوا إلى لندن.. كان المقدم آدم سعيد الحواز قد سبقه بمسافة يوم كامل، إلى السفارتين البريطانية والأمريكية، وهي إحدى مهامه في مخطط الإنقلاب، فالمقدم الحواز درس في بريطانيا كما في أمريكا، وأظهر نجاحا وتفوقا.. وكان أحسن من يجيد اللغة الانجليزية من بين جميع ضباط الإنقلاب، لهذا تم اختياره لطمأنة بريطانيا وأمريكا من خلال سفارتيهما..!!؟.
في اليوم الأول للإنقلاب، وبعد التأكد من نجاحه، وحوالى الساعة الثانية عشرة ظهرا.. ذهب المقدم آدم الحواز إلى السفارتين البريطانية والأمريكية بمدينة بنغازي، وهو يقود سيارته بنفسه، بملابس عسكرية، ولكن بدون رتبة عسكرية.. كما لم يفصح عن إسمه الحقيقي، ولكنه أبلغهم بأنه موفد من قبل مجلس قيادة الإنقلاب، من أجل طمأنتهم، وإزالة أية مخاوف أو شكوك لا أساس لها من الصحة.. فما حدث هو شأن ليبي داخلي محض... ولا يعادي اية دولة، وإنما يصادق الجميع.. وسيحافظ على نفس العلاقات السابقة، ويعمل على زيادة تقويتها.. ويحترم المعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية.. الخ.
وطمأن الجانب البريطاني بالخصوص، بأننا سنمضي قدما في تنفيذ اتفاقية أو صفقة الدفاع الجوي ودبابات التشيفتين البريطانية، مثلما هو متفق عليه، وسنحافظ أو نتقيد بالجدول الزمني للدفوعات المالية.. الخ. كما طمأن الجانب الأمريكي أيضا، بأنه لن يحدث أي تغيير في صفقة شراء الأجهزة اللاسلكية الأمريكية الحديثة لصنف المخابرة في الجيش، والمعروفة آنذاك باسم (H I F).
وألمح الحواز للجانب الأمريكي، بأننا نؤيد فكرة شراء عدد أكبر من طائرات (F-5)، المقاتلة الأمريكية والتي لا يوجد منها حتى ذلك الوقت، سوى عدد محدود في السلاح الجوي الليبي (هذه الفكرة كانت موجودة قبل الانقلاب، واستبدلت بعده بطائرات الميراج الفرنسية، بناءا على نصيحة من فتحي الديب، وبإيعاز من عبد الناصر).

ولعل مفارقة صغيرة، قد حدثت للحواز هنا، لا بأس من ذكرها.. فبينما كان الحواز يهم بمغادرة السفارة الأمريكية وهو لا يزال يخفي شخصيته، وأثناء مروره بصالون يجلس فيه أربعة أو خمسة أشخاص,, تشاء الصدفة، أن يكون من بينهم مدير المركز الثقافي الأمريكي بمدينة بنغازي، واسمه المستر سافالاس، وهو يعرف الحواز جيدا، لأن الحواز كان يقوم من حين إلى آخر بترجمة دروس أو محاضرات لمدرسة المخابرة أو الكلية العسكرية، ويتردد دائما على المركز الثقافي الأمريكي، لاستعارة كتب أو قواميس أو غير ذلك... ونهض مدير المركز، وسلم على الحواز بحرارة، وسط دهشة المسؤولين الأمريكيين الثلاثة الذين قابلهم الحواز في السفارة، وهو لا يعرف أحدا منهم ولم يذكروا له مناصبهم... غير أن المقدم الحواز قال، بأن تأثير ذلك اللقاء المفاجئ مع مدير المركز الثقافي، قد ترك انطباعا جيدا لديهم... لأنني رأيت علامات الارتياح، وقد بدت على وجوههم قبل خروجي..!!؟

* * *

ما من شك يراود كاتب هذه السطور الذي عايش الأحداث عن كثب، قبل إنقلاب سبتمبر وبعده، بأن الإنقلاب كان مفاجأة.. إنقلاب سبتمبر كان مفاجأة للجميع، في الداخل والخارج على حد سواء... والقول بأن بريطانيا وأمريكا كانتا على علم به، هو ضرب من الوهم الذي لا أساس له من الصحة، لعدم وجود أي دليل مادي ملموس، يبرهن على صحته أو مصداقيته..!!؟.
وهذا لا يعني أن انقلاب سبتمبر لم يكن كارثة.. بل كان ولا يزال وسيظل كارثة وطنية بكل ما تعنيه كلمة كارثة من معان..؟!!,
كما لا يعني أيضا، أن تنظيم القذافي لم يكن معروفا مع بقية التنظيمات العسكرية السرية الأخرى داخل الجيش.. بل كان معروفا لدى عدد كبير من كبار الضباط المسئولين في الجيش، من بينهم اللواء السنوسي شمس الدين رئيس أركان الجيش الليبي (بقية المسئولين ذكرتهم بشيء من التفصيل، في برنامج حوارات عن الجيش الليبي، مع الاستاذ عبد المنصف البوري بإذاعة أمل).
ولكنهم استخفوا به، ولم يقيموا له وزنا.. بل سخروا منه ومن قدرته على القيام بأي شيء، حتى استيقظوا من النوم ومن المفاجأة في آن معا وهم داخل السجن..!!؟.

وعلى أية حال.. فإن التصور المعقول لمهمة عمر الشلحي لدى حكومة صاحبة الجلالة البريطانية، هو أنه لم يصل إلى لندن، إلا بعد أن سبقه تقرير مفصل من المستر ساريل سفير بريطانيا في ليبيا، يتضمن أهم النقاط الرئيسية في سياسة النظام الجديد تجاه بريطانيا، والتي أدلى بها مبعوث مجلس قيادة الإنقلاب إليهم، المقدم (آدم الحواز).. وهذه النقاط تعني في جوهرها وباختصار، بأنه لن يكون هناك أي تغيير في سياسة ليبيا نحو بريطانيا العظمى، وبأن ما حدث في ليبيا هو شأن ليبي داخلي بحت..؟!.
ومن غير المستبعد أن يكون المستر ساريل قد نصح بلاده بعدم التدخل في أمر داخلي يخص ليبيا وحدها**، وبناءا على ذلك، اتخذت الحكومة البريطانية قرارها بعدم التدخل عسكريا في ليبيا، حتى قبل أن تهبط طائرة السيد (عمر الشلحي) في مطار لندن...!!؟.
ولكن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية، التي تجاهلت نداءات حليفها الملك ادريس، من أجل إنقاذ عرشه... لم تتجاهل البتة نداء جاسوستها المحنكة في ليبيا التي كانت تقيم بمنطقة (رأس الهلال) بالجبل الأخضر، حيث الشلال والغابات الكثيفة والطبيعة المتنوعة الخلابة..؟!!!.
كانت تتظاهر بتربية النحل، وحب الطبيعة، والطيبة المفرطة..؟!. وبحكم عملها كمخبرة، أقامت علاقات واسعة مع أهل المنطقة الذين لابد أن الكبار منهم مازالوا يتذكرون إسمها (المستعار بطبيعة الحال أو المنتحل)...؟!. كانت تستخدم بعض العمال في تربية النحل، والعناية بحديقة بيتها الذي تقطنه بمفردها... وكانت تزور أهل المنطقة في بيوتهم البسيطة، وتقدم أحيانا بعض المساعدات للأسر الفقيرة. كانت معروفة على نطاق واسع، في جميع المناطق المجاورة لراس الهلال، من سوسة غربا، وحتى مدينة درنة شرقا. كانت تغيب أحيانا بعض الوقت ثم تعود، كما كانت تأتيها سيارات من حين لآخر ـ بريطانية في الغالب ـ لزيارتها في بيتها، دون أن يعرف أحد عنها شيئا..؟!.
ولعل ما يثير استغرابي الآن، هو أنني لم أسمع أحدا آنذاك يشكك في وجودها على ذلك النحو المريب..؟!. ولكن في اليوم الأول للإنقلاب، وعند منتصف النهار تقريبا، انطلقت مسرعة من (قاعدة العدم الجوية البريطانية) سيارة لاندروفر عسكرية، مزودة بجهاز لاسلكي ذي هوائي طويل، واتجهت من طبرق غربا، إلى أن وصلت إلى بيت الجاسوسة برأس الهلال التي كانت جاهزة فيما يبدو، وفي إنتظار السيارة التي التقطتها في دقائق، على مرأى من بعض سكان المنطقة، ثم عادت بها مسرعة إلى قاعدة العدم...؟!. وقد ساعدها على اداء مهمتها بيسر وسهولة، خلو المنطقة والطريق من أي جندي ليبي، حتى مساء اليوم الثالث للإنقلاب، كما ذكرنا آنفا... فحامية درنة أو كتيبة المشاة الخامسة، هي التي قامت بالسيطرة على معسكر قرنادة للقوة المتحركة، وكذلك على مدينة البيضاء...؟!.

* * *

بعد عودة عمر الشلحي من لندن صفر اليدين أو خالي الوفاض، لا من حيث رفض فكرة التدخل العسكري فحسب، وإنما أيضا بعدم تقديم وعد بأي نوع من المساعدة لحليفهم السابق... فأيقن الملك ادريس، بأن الأمل بات ضعيفا، في استعادة الأوضاع في بلاده إلى ما كانت عليه قبل خروجه منها... ولكنه ظل باليونان لعدة أيام أخرى، بسط فيها الانقلابيون نفوذهم وسيطرتهم بالكامل على جميع مقاليد الأمور في ليبيا.. فيما توالت اعترافات دول العالم بالنظام العسكري الجديد، بما فيها بريطانيا وامريكا..؟!.. عندئذ بالضبط، قطع الملك ادريس الأمل نهائيا، حتى في مجرد العودة إلى ليبيا..؟!.
ومن هناك.. من منطقة كامينا فورلا اليونانية المشهورة بحمامات العلاج الطبيعي، حيث كان يقضي فترة نقاهته... أجل، من هناك، رنا ببصره نحو منفاه القديم، زمن الاحتلال الايطالي لليبيا، طالما أن المنفى قدر لا مفر منه بالنسبة له.. قدره في شبابه وفي شيخوخته... وعاوده الحنين من جديد، إلى منفاه بمصر، حيث كان لا يزال في عز شبابه... إذ لا يبدو أنه فكر في أي مكان آخر، غير مصر التي ظل طوال مدة حكمه يراعى معها حسن الجوار، ويحافظ على علاقات جيدة ومتينة معها، حتى عندما يتجاوز النظام المصري حدوده في بعض الأحيان...؟!!.
لقد اتصل الملك ادريس بنفسه بجمال عبد الناصر مباشرة، وطلب منه أن يقيم في مصر، كلاجئ سياسي بطبيعة الحال، كما طلب منه أن يستخدم نفوذه لدى مجلس الإنقلاب، من أجل إطلاق سراح إبنته بالتبني التي كانت محتجزة بمدينة طرابلس، واسمها (سليمى) وهي من أيتام شهداء الثورة الجزائرية، وقد تم إطلاق سراحها بالفعل، وخاصة بعد أن تسرب نبأ إحتجازها إلى الأخبار العالمية، فاستغلها الإنقلابيون فرصة سانحة للدعاية لأنفسهم، والبرهنة على إنسانيتهم، بإيراد خبر الإفراج عنها في التلفزيون الليبي، موثقا بالصور، وهي تغادر مطار طرابلس في طريقها إلى مدينة القاهرة، للإلتحاق بوالديها بالتبني، الملك إدريس والملكة فاطمة.
لقد رحب عبد الناصر بقدوم الملك إدريس إلى مصر، لسببين مهمين هما:
السبب الأول: هو أن وجود الملك ادريس بمصر، سيلقى الرضى والقبول الحسن لدى اعضاء مجلس قيادة الانقلاب الذين كانوا يرتمون في احضان عبد الناصر في تلك الأيام، ويطالبون بالوحدة الاندماجية الفورية مع مصر... لأن وجود الملك ادريس ومن معه من أفراد حاشيته، تحت سمع وبصر المخابرات المصرية، يعد ضمانة لعدم قدرتهم على القيام بأي عمل ضد سلطة انقلاب سبتمبر..؟!.
السبب الثاني: هو خطأ اعتقاد عبد الناصر، بأن الملك ادريس سيكون مثل الملك سعود.. سيأتي إلى مصر ومعه الملايين من الدولارات أو من الجنيهات الاسترلينية التي سيتم صرفها بطريقة أو بأخرى في السوق المصري..؟!.

يتبع.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

 (*)  سبق لي نشر هذا الموضوع بموقع (صوت الطليعة) بتاريخ 29 فبراير 2008.
(**) أهيب بالدارسين الليبيين، وخاصة في بريطانيا، بالبحث في هذا الموضوع، في وثائق وزارة الخارجية البريطانية السرية التي يرفع عنها طابع السرية، وتنشر للإطلاع للبحث والدراسة، بعد ثلاثين سنة من وقت حدوثها.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home