Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Sunday, 13 January, 2008

       

لـكي لا ننسى :
مواقف شجاعة ومجهولة.. في تاريخ الإعلام الليبي
(*)

عـبدالونيس محمود الحاسي

الموقف الشجاع الثالث :
قبل أن تنتهي محكمة الشعب من محاكمة الصحفيين والإذاعيين الذين تحدثنا عنهم في الموقف الشجاع الثاني.. قبل أن تنتهي تلك المحاكمة، مع نهاية شهر فبراير عام 1972، كانت الإذاعية الليبية "حليمة الخضري" تؤدي عملها اليومي بصورة عادية في إذاعة بنغازي، وعند حوالى الساعة الثانية من بعد الظهر، وضع أحد زملائها في العمل ورقة أمامها على مكتبها، بها تعليق الإذاعة لذلك اليوم، وطلب منها أن تقرأه، بعد نشرة الأخبار الرئيسية في الثانية والنصف.
وبعد أن اطلعت "حليمة الخضري" على التعليق، وجدته يشيد "بالثورة العملاقة" التي غيرت تاريخ ليبيا، وتنوي أن تغير تاريخ العرب، والعالم بأسره..؟! كما وجدته يؤله الثائر العظيم، مفجر تلك الثورة العظيمة.. ويكيل المديح والثناء لرفاقه الثوار الأبطال الذين ما جاد الزمان بأمثالهم في البلدان الأخرى..؟!!. فكرت "حليمة" مليا في زملائها الذين ما زالوا يواجهون محاكمة ظالمة، تشبه محاكم التفتيش في القرون الوسطى.. ثم أخذت الورقة، وأعادتها إلى زميلها بهدوء، واعتذرت له بأدب، عن عدم قدرتها على قراءة تعليق كهذا..؟!.
وفيما عادت "حليمة" أدراجها إلى مكتبها.. ذهب زميلها لإبلاغ رئيس القسم الذي طلب حضورها إليه فورا.. وبادرها بالسؤال، بمجرد دخولها:
ـ لماذا رفضت قراءة تعليق الإذاعة..؟
ـ قالت حليمة: لأنه نفس العمل الذي يحاكم زملاؤنا من أجله الآن..؟!!
ـ حاول رئيس القسم، أن يوهم حليمة بأن ذلك مجرد عهد ملكي بائد.. أما الآن فهناك ثورة عظيمة، ستحقق المعجزات..!!؟
ـ ولكن حليمة ردت عليه بإيجاز ووضوح: كلهم بشر مثلنا، وليس فيهم ملائكة، فهم سواسية.. وعهد المعجزات هو العهد البائد، لأنه انقرض منذ زمن بعيد..؟! ومن العيب أن نناقض أنفسنا، فيجب أن تكون لدينا مصداقية، بين القول والفعل.. فكيف تطلب مني أن أقوم بعمل، يتم تجريمه الآن في محكمة علنية..
لهذا فلن أقوم به..؟!!. ثم غادرت مكتب رئيس القسم وعادت إلى مكتبها..

* * *

بعد عدة أيام، تم استدعاؤها من قبل مدير إذاعة بنغازي الذي أبلغها قرار الاستغناء عن خدماتها بالإذاعة..؟!. وحين سألته عن مستحقاتها، أجاب باقتضاب شديد، بأنه لا يعرف عن هذا الموضوع شيئا.. كما أنه ليس من اختصاصه..!!؟
قبل أن تخرج حليمة من مبنى الإذاعة، مرت على ثلاثة أن أربعة زملاء لوداعهم، لأنها كانت تحترمهم وتقدرهم، ليقينها من صدق وطنيتهم. ثم غادرت مبنى الإذاعة لآخر مرة.. غادرت "حليمة الخضري" إذاعة بنغازي مطرودة من عملها، بعد أكثر من سبع أو ثماني سنوات عمل، وبدون مستحقات أو حتى كلمة شكر واحدة.. وكأنها ما كانت تعمل في إذاعة بلادها.. بل مع عصابة من اللصوص، أو المهربين أو قطاع الطرق..؟! هذا هو الشعور الذي راودها، وهي تعود حزينة إلى بيتها..؟!!
كانت حليمة الخضري خلال سنوات عملها، قد تعرفت على إذاعية من دولة الإمارات العربية المتحدة.. ومع الأيام توطدت المعرفة بينهما إلى صداقة متينة، ولا أحد يعرف حتى الآن على وجه اليقين، فيما إذا كانت الإذاعية الإماراتية، قد علمت بطرد صديقتها من عملها، فاتصلت بها لتعرض عليها عملا في إذاعة الإمارات.. أم أن "الخضري" هي التي اتصلت بالاماراتية، وأبلغتها بطردها من عملها..؟!!
ولكن، من خلال الكلمة التي تواترت، بأن الخضري قد قالتها لأحد زملائها وهي تودعه قبل مغادرتها الإذاعة.. وتلك الكلمة أو العبارة هي: (لن أبقى في بلد، يحكمها ولد..!). ومعروف عن الخضري بأنها كانت تصف القذافي بالصبيانية والطيش والرعونة والزئبقية، أو "الولد المتقلب المزاج"..؟!!
من خلال تلك الكلمة أو العبارة.. يمكن القول بأن حليمة الخضري هي التي اتصلت بصديقتها الإماراتية، وطلبت منها إيجاد عمل لها، في إذاعة الإمارات.
وعلى أية حال، سافرت حليمة الخضري بالفعل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بالخليج في حدود شهر مارس من عام 1972، وبعدها تبدأ الصعوبة الحقيقية في تقصي كيفية وجودها بالضبط هناك، ثم معرفة حقيقة مصيرها الغامض بصورة مؤكدة، وذلك لثلاثة أسباب هي:
السبب الأول: هو أن المدة التي قضتها في الإمارات، حتى وقت وفاتها، كانت قصيرة جدا.
السبب الثاني: هو أن المعلومات التي توفرت عنها في تلك المدة القصيرة، كانت قليلة وشحيحة جدا.
السبب الثالث: هو أن تلك المعلومات القليلة التي توفرت عنها، جاءت عن بعد.. أي لم يحصل أي إنتقال إلى داخل الإمارات، من أجل الاستفسار والتقصي عن قرب مع جهات مهمة هناك مثل:
1 ـ إذاعة الإمارات التي عملت معها في تلك الفترة، واجراء لقاء مع صديقتها الإذاعية الإماراتية.
2 ـ الجريدة الإماراتية التي أجرت معها مقابلة صحفية، وتحدثت فيها حليمة الخضري عن مصادرة حرية الصحافة في ليبيا.. وعن محاكمة الصحفيين والإذاعيين.. وعن مصادرة الحريات العامة في ليبيا.
3 ـ الهوتيل الذي كانت تقيم فيه بصورة مؤقتة، ولقيت مصيرها الغامض داخله.
4 ـ النيابة العامة في دولة الإمارات التي قامت بالتحقيق في الحادث.

* * *

وعلى أية حال، مرة أخرى.. ورغم الغموض السائد.. وإلى أن يتم تحقيق حقيقي جاد ومحايد، في حادثة وفاة الإذاعية الليبية حليمة الخضري في دولة الإمارات العربية في عام 1972.. إلى ذلك الحين.. فإن كاتب هذه السطور، سيظل ينظر إليها، باعتبارها شهيدة وطنية، تمت تصفيتها جسديا، من قبل مخابرات وعملاء نظام انقلاب سبتمبر عام 1969، وسجل جرائم هذا النظام الدموي، على مدى ما يقرب من أربعة عقود، هو خير شاهد وخير دليل..!؟؟

ورحلت "حليمة الخضري" وهي لا تزال شابة في ريعان شبابها.. رحلت وتركت لنا موقفا شجاعا.. أو جرحا يصيح على المدى، وضحية تتلمس الحرية الحمراء..؟!!

كتب عنها مرة، قاص ليبي، داخل ليبيا، في قصة رمزية، دون أن يذكرها بالإسم.. كتب عنها قائلا:
"وظل فترة من الوقت مطرقا.. ويفكر بحزن عميق وقاهر، في تلك الشابة الليبية التي هاجرت.. ثم أنها ماتت بعيدا عن وطنها.. إن موت امرأة بعيدا ووحيدة.. لأمر مفجع إلى أبعد الحدود.. ؟!!".

يتبع.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

(*) سبق لي اذاعة هذه المواقف بإذاعة أمل في وقت سابق من هذا العام.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home