Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi

Monday, 12 December, 2005

   

(*) حـقـوقـنا الضـائعـة
( 2 من 3 )

عبدالونيس محمود الحاسي

"إن التنازل عن الحقوق بسبب الخوف، أفظع من الجهل بها"

حقوق الإنسان الليبي ... بين الأمنية والواقع :
أعترف بأن الشعور بالخجل يراودني الآن، فليبيا هي بلدي، وأنا أحبها حتى النخاع، ولا أتمنى لها إلا الخير والنجاح والسمعة الدولية المشرفة، ولكن الأماني شيء، والواقع المر الحزين شيء آخر...!!؟
نعم، أن ما يجري على أرض الواقع، هو الذي يفرض نفسه دائما، وفي نهاية المطاف، شئنا أم أبينا، لأنه الحقيقة الوحيدة المؤكدة التي يراها الجميع، فلا ينفع معها التملص أو النكران، ولا تجدي معها الدعاية أو محاولات الطمس أو التعتيم أو التغطية، فعين الشمس يستحيل تغطيتها بغربال ... الحقيقة الدامغة تظل ... وأحيانا المروعة التي يعرف الجميع أنها تجري فعلا هناك على أرض الواقع، وهو ما يعرف في عالم السلوك البشري عموما بإسم الـ "reality"، أي الصدق الخالص أو الحقيقة المكشوفة أو الواقع المجرد، وهو ما يعرف أيضا في مجال الأدب والفن بإسم الواقعية الـ "realism"، التي تلتزم بذكر الواقع في الحياة وفي المجتمع، وتعكس صورتهما كما هي على حقيقتها، قبحا أو جمالا. ما كنت أتمنى أن يجرد "المواطن الليبي" من حقوقه الإنسانية، وأن تتوالى تباعا تقارير منظمات حقوق الإنسان، عن إنتهاكات صارخة وفظيعة لحقوق الإنسان الليبي، ولكن الحقيقة ـ للأسف الشديد ـ هي كذلك فعلا...!!؟ ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على حقوق المواطن الليبي المصادرة، ومقارنتها بالمعايير الدولية أو بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان المتمثلة في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي أشرنا إليه آنفا، لكي ندرك حجم المأساة الحقيقية التي يعيشها الإنسان الليبي، في ظل إستلاب حقوقه الجوهرية والأساسية والضرورية والتي بدونها يفقد إنسانيته وكرامته وحريته، كما نص على ذلك بكل وضوح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديباجته.

*   *   *

هل يملك المواطن الليبي أية حقوق؟
كيف يمكن ـ بربكم ـ أن تتوفر حقوق لمواطن، يعيش في بلد بدون "دستور" يكون مصدرا لحقوقه الأساسية، ومصدرا للتشريع وإصدار القوانين ...!!؟
وكيف لا تنتهك حقوقه، وهو لا يختار من يحكمه، ولا وجود لإنتخابات من أي نوع لمثل هذا الإختيار ...!!؟ باختصار، إن المواطن الليبي لا يملك أي حق من الحقوق التالية:
1. لا يملك الحق في وجود مصدر للتشريع (دستور) يُحتكم إليه، ويمنحه حقوقه الأساسية.
2. لا يملك الحق في إختيار من يحكمه، ولا الحق في إنتخابات دورية عامة يَنتخب فيها أو يُنتخب، فمن يحكمه، مفروض عليه منذ ستة وثلاثين عاما.
3. لا يملك الحق في عدم الاعتقال التعسفي، ولا في محاكمة علنية تتوفر له فيها جميع الضمانات.
4. لا يملك الحق في عدم إخضاعه للتعذيب، أو المعاملة اللا إنسانية أو الحاطـّة بالكرامة.
5. لا يملك الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية، عندما يتعلق الأمر بالقضايا السياسية، وليس بوسعه رفع الدعوى أو طلب الإنصاف أو التظلم إذا كان الإنتهاك صادرا من مسئول رسمي بالدولة. وقصة المحامي الليبي "سالم الأطرش" الذي رفع دعوى قضائية، ضد إعتقال إبنه تعسفا، وبصورة غير قانونية، أصبحت معروفة وخاصة بمدينة بنغازي، حيث أعتقل هو نفسه تعسفا، وتعرض للتعذيب والمعاملة الا إنسانية والحاطـّة بالكرامة، بسبب رفعه للدعوى.
6. لا يملك الحق في عدم حرمانه من جنسيته، أو تجريده من ممتلكاته، فأحد قرارات (مؤتمر الشعب العام) لعام 1980، برئاسة رئيسه إذّاك، العقيد معمر بومنيار القذافي، يجيز للسلطة حرمان المواطن الليبي المعارض من جنسيته، والقانون رقم 4 لعام 1981، يجرده من ممتلكاته.
7. لا يملك الحق في المشاركة في إدارة شئون بلاده العامة، مالم يكن مؤمنا بمبادئ (ثورة الفاتح من سبتمبر)، أي الولاء المطلق للسلطة القائمة أو للنظام الحاكم.
8. لا يملك الحق في تشكيل نقابة مهنية، تمارس نشاطها بحرية، أو في تكوين إتحاد حرفيّ، أو أية جمعية تضامنية إجتماعية، أو أية منظمة أخرى من منظمات المجتمع المدني.
9. لا يملك الحق في الإضراب، وهو ممنوع منعا باتا بقرار رسمي منذ أيام (مجلس قيادة الثورة)، وما زال ساري المفعول. 10. لا يملك الحق في التظاهر أو الإحتجاج،وهو ممنوع منعا باتا أيضا بقرار رسمي منذ أيام (مجلس قيادة الثورة)، وما زال ساري المفعول حتى الآن.
11. لا يملك الحق في إصدار أية مطبوعة أو صحيفة خاصة، أو أية أداة إعلامية أو ثقافية تنويرية، مهما كان حجمها (نشرة، جريدة، مجلة، قناة إذاعية، قناة تلفزيونية... الخ.).
12. لا يملك الحق في تشكيل التنظيمات السياسية، وهي موصومة بالخيانة بصورة رسمية: "الحزبية خيانة وطنية" و "من تحزب خان"، وتشكيل أي حزب أو الإنضمام إليه، يعد خيانة عقوبتها الإعدام بنص قانون (تجريم الحزبية)، وهو القانون رقم 71 لعام 1972.

*   *   *

ولا يملك المواطن الليبي حق النقد أو الإعتراض، على قرارات القيادة السياسية المطلقة، ولا حق مقاضاة رئيس الدولة فـ (ذات القائد مصونة ولا تمس) بقرار رسمي، ولا رفع الدعوى ضد أبنائه أو التظلم من أفعالهم...!!!!!؟؟؟؟ والمواطن الليبي لا يملك أحيانا حتى الحق في حرية التنقل داخل بلاده، نظرا لكثرة (بوابات التفتيش)، ولا الحق في مغادرتها، نظرا لإحتجاز سفره .... و ..... و !!؟
ليس في إمكاننا أن نحصر (ما لا يملك المواطن الليبي)، ولكن في إمكاننا أن نحصر (مايملك)، لأنه في الواقع لا يملك شيئا غير خوفه وفقره وتعاسته...!!؟

مواطنـون أم عبيـد :
أنا لا أدري الآن، مالذي بقي (للمواطن الليبي) من تلك الحقوق العديدة التي كفلتها القوانين الدولية، والعهود والمواثيق والدولية الأخرى، وخاصة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) وجميع البروتوكولات اللاحقة والتابعة له، غير حق التصفيق الأبله على قارعة الطريق، كلما مر موكب السلطان في شوارع طرابلس وبنغازي وبقية المدن الليبية ... أعني، غير حق العبودية المطلقة التي يرسف في أغلالها، ولا يحسده عليها أحد ...!!!؟
وإذا ما استمر المواطن الليبي في صمته وسكونه ـ ولا أريد الآن أن أقول خنوعه ـ فإنه لن يحافظ بذلك على شيء، سوى على عبوديته، واعيا كان لهذا أو على غير وعي منه. كما أن عدم وعيه، لا يلغي الحقيقة الأزلية، وهي أن العبودية هي نقيض الحرية، كما أن العبد هو نقيض الحر، وإذا لم يكن الإنسان حرا، فهو بالضرورة عبد ليس غير، شاء أم أبى .... وليس ثمة من مرتبة ثالثة بينهما على الإطلاق، تمكن المتخاذلين والمتهافتين والمتقاعسين عن إداء واجبهم الوطني، من إتخاذها عكازا يمكن التـّوكـُأ عليه، أو مشجبا يعلقون عليه عجزهم وقصورهم....!!!؟
حق المواطن الليبي في أن يثور :

إن من حق (المواطن الليبي) أن يثور ضد حكومته، لا أقول هذا تحريضا ـ وإن كان من حقي ـ ولكنه نص واضح من نصوص (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الذي يقول في ديباجته مايلي:
"ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها، قد أفضيا إلى أعمال أثارت همجيتها الضمير الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة، وبالتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم. ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان، بحماية النظام القانوني، إذا أريد للبشر ألاّ يضطروا آخر الأمر، إلى اللجوء للتمرد على الطغيان والإضطهاد"...!!!؟

*   *   *

وهل هناك تجاهل وازدراء لحقوق الإنسان الليبي، أكثر من وصف المعتقلين السياسيين، بأنهم مجرد زنادقة وهراطقة، ودعوة (رئيس الدولة) العقيد معمر القذافي بنفسه رسميا في خطاب علني، لذويهم بنسيانهم، كما لو كانوا مصابين بمرض (الايدز) ....!!!؟
وهل هناك اعتداء وانتهاك صارخ لهذه الحقوق، أكثر من نعت المواطنين الليبيين الذين يمارسون حقهم الطبيعي في المعارضة، بأنهم مجرد (كلاب ضالة) ينبغي تصفيتهم جسديا، أي إغتيالهم وقتلهم حيثما كانوا ....!!!!!؟؟
لكل فرد، تقول المادة (الثالثة) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لكل فرد حق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه".
فهل هناك (آخر أمر آخر) كما تقول ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعد 36 عاما من إحتقار المواطن الليبي، والإزدراء الكامل لحقوقه، حتى لا يضطر الشعب الليبي باعتبارهم بشرا، إلى اللجوء إلى التمرد على الطغيان والإضطهاد.... !!!!؟

الظلم والجهل .. عدوان لحقوقنا :
إن مأساتنا الحقيقية في ليبيا، هو أننا نجابه عدوين في وقت واحد، لا عدوا واحدا... أعني، نحن في ليبيا نصارع الظلم والجهل في وقت واحد معا، ولو اقتصر الأمر على (الظلم السياسي) وحده، لهان الأمر، ولكن الصخرة الصماء، والعقبة الكأداء، أمام إنطلاقة شعبنا وانتفاضته وتحرره وإنتزاع حقوقه، هو (الجهل)... أجل، الجهل هو عدونا الأول والأكبر في ليبيا، لأن الظالم مهما بلغ من الجبروت والقوة، لا يستطيع الوقوف في وجه شعب متضامن ومتحد ومصمم على إستعادة حقوقه السليبة، حتى ولو كان أعزل من السلاح. ولكن هذا يتطلب أول ما يتطلب من هذا الشعب، هو الوعي والإدراك الكاملين بهذه الحقوق السليبة.
ثمة مثل انجليزي يقول "المعرفة قوة" = knowledge is power، أي أن المعرفة والدراية والإحاطة الكاملة بأمر من الأمور، تمنحك القوة والإندفاع وروح الإقدام والجسارة لإقتحامه والولوج فيه، وخوض غماره، وسبر أغواره، لأنك تعرف ماذا تفعل وماذا تريد...!!؟
ولعل هذا هو السبب الذي جعل "جان جاك روسو" يقول بـ (أن السبب الحقيقي الذي يعجل بالثورة ضد الظلم والإضطهاد، ليس هو وجود الظلم ذاته، بقدر ما يكون هو الشعور بوجود ذلك الظلم).
وهكذا، فإن الإنتفاضة ضد الظلم أو الإضطهاد ـ كما يفسرها روسوـ لا يمكن أن تنضج موضوعيا، ويحين أوانها إلا إذا توفر لها شرطان أساسيان، هما:
1. وجود الظلم.
2. الشعور بوطأة ذلك الظلم، والإحساس بقسوته.
فمجرد وجود الظلم فقط، من وجهة نظر "روسو"، لا يجعل الشعوب تثور ضد مضطهديها، بل لا بد من توفر عنصر (الشعور) بذلك الإضطهاد الذي يعتبره روسو الشرارة الحقيقية التي تسبب إندلاع الثورة، فقد يكون الظلم موجودا، ولكن المواطن لأسباب عديدة، على رأسها (الجهل) لا يشعر به، بل ينظر ببلاهة إلى الأمور من حوله، باعتبارها أمورا طبيعية، وعادية جدا، فكيف نطلب من مواطن من هذا النوع أن يثور ضد جلاديه، وهو لا يعرف أنه مظلوم، ومهضوم الحقوق، وفوق هذا فهو يعتقد بأن ذلك من حقهم ـ مثلا لأنهم (أولو الأمر منا) ـ هكذا بصورة مطلقة وبغيرما قيود أو حدود، أو لأن طاعة الله والسلطان واجبة، أو لأن عصاة السلطان من خيزران الجنة ....!!!!!؟
وتزداد المشكلة تعقيدا، إذا ما عرفنا أن الظلم في الغالب مادي وملموس، بينما الشعور به معنوي، فلماذا يغيب المعنوي، رغم حضور المادي على أرض الواقع، مع أنه يفترض ـ نظريا ـ أن يتزامنا معا حضورا أو غيابا. هذا هو لب المشكلة وجوهرها الحقيقي.

(إلى الحلقة الثالثة)

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________________________________

(*) يصادف يوم السبت الموافق 10 ديسمبر 2005 الذكرى 57 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، أي منذ سبعة وخمسين عاما.
كما يصادف الذكرى الثانية عشرة لإختطاف مخابرات نظام القذافي للمحامي وداعية حقوق الإنسان الأستاذ منصور رشيد الكيخيا من القاهرة مساء يوم 10 ديسمبر 1993، وهو يحضر مؤتمرا رسميا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، بإعتباره أحد مؤسسيها، وأحد أعضاء أمانتها. وقد حدث ذلك بتواطؤ من جانب النظام المصري الذي تجاهل القضية تجاهلا تاما، ولم يصدر عنه أي بيان أو تصريح رسمي بشأنها حتى يومنا هذا، رغم أنه كان يزور مصر رسميا، ومن حقه أن ينال الحماية المصرية الرسمية إلى أن يغادر أراضيها.
وفي شهر أغسطس 1995 نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية تقريرا حول مصير الكيخيا، ذكرت فيه بأن النظام الليبي قد قام بالتخلص من الكيخيا، وذلك بإعدامه سرا، بعد تعذيبه اثناء التحقيق معه في سجن "بو سليم" الواقع بضواحي مدينة طرابلس.
ومما يحز في النفس حقا، أن جميع الليبيين مجردين أو محرومين من ممارسة حقوقهم، بسبب النظام الفاشي الإستبدادي الذي يحكمهم.
وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1. قلة واعية، وتعرف حقوقها، ولكنها تنازلت عنها بسبب الخوف ....!!!؟
2. كثرة جاهلة بهذه الحقوق، ولا تعرف عنها شيئا ....!!؟
3. قلة من القلة الواعية، تجاسرت وحاولت أن تمارس حقوقها، وهي الآن إما مكللة بمجد الشهادة في قبورها، أو تقبع في المعتقلات، أو مشردة في المنافي، وتمثل هذه القلة القليلة قاعدة المعارضة الوطنية الليبية ضد النظام الدكتاتوري، من أجل إرساء دعائم الديمقراطية في ليبيا.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home