Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Sunday, 10 February, 2008

       

خواطر في الغـربة(*) (3)

عـبدالونيس محمود الحاسي

هذا هو حالنا اليوم... أما بالأمس، أعني بالأمس البعيد البعيد، فقد قال "السموءل" يوما عن أمة بني يعرب: (نحن أمة إذا مات منها سيد قام سيد).
ورغم البعد الزمني والحضاري، وروح البداوة السائدة آنذاك، والأعراف القديمة، وتقاليد المجتمع البدوي القبلي، التي تتغذى على العصبية، فإن السيد عندهم لا يكون سيدا إلا إذا تمسك بمكارم الأخلاق، قولا وفعلا: الجود والصدق والشجاعة والشرف والوفاء والنبل والنزاهة والعفة والأمانة ونصرة المظلوم، وإغاثة المكلوم.. الخ.
وهو يتمسك بها عمليا في سلوكه كل يوم، ويطبقها على أرض الواقع المعاش، حتى يشتهر بها بين سائر قبائل العرب، لا مجرد تصريح أو بيان أجوف، حول حقوق الإنسان ـ كما هو الحال اليوم ـ لا يساوي خردلة، كما كانت تقول العرب..!؟

فمن أوفى من السموءل.. ومن أكرم من حاتم.. ومن أشجع من عنترة..!؟
أسماء لامعة في تاريخ أمة بني يعرب وتراثها، وهي في الوقت ذاته، رموز عظيمة للتمسك بمكارم الأخلاق. ومكارم الأخلاق هي الخصال أو الفضائل الحميدة التي ينبغي للحر أن يتحلى بها طوال حياته، وهي عديدة ولا يمكن حصرها، لهذا، قال الرسول محمد عليه السلام في حديث له: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ولأن تلك الفضائل السامية، ظلت سائدة فطريا، في مجتمع قبلي بدوي طليق حر، عبر صحراء شاسعة مترامية الأطراف، بما فيها من قسوة، وعوائق طبيعية، ووحوش ضارية، وكذلك ما يلوذ بها من صعاليك، ولصوص، وقطاع طرق ينهبون القوافل، ويسلبون المارة وعابري السبيل، فقد ابتدع ذلك المجتمع ذاته، تحيته الخاصة، وهي: (السلام). فإذا ما ألقي عليك السلام عن قرب، فأنت آمن، وإذا ما تناهت إلى سمعك عن بعد في الصحراء، كلمة السلام فثق بإنك في أمان، فهي كلمة شرف ما عرف من خانها من العرب.

وجاء الاسلام فأبقى عليها، وعززها، ورفع من مكانتها في الدنيا، واعتبرها تحية أهل الجنة في الآخرة، وهي قد لا تبدو ذات شأن، وقت السلم والأمن، ولكنها في ذلك الزمن البعيد، حيث الغزو والإحتراب، والظروف البالغة القسوة، كانت تعني الكثير والكثير..!؟

* * *

هذا هو المجتمع البدوي العربي في ذلك الوقت.. وهذه هي الروح السائدة التي كانت تحكمه في تناغم وانسجام، من خلال أعراف عريقة غير مكتوبة، فاستوعبت الأعراق والأديان على حد سواء، بروح التسامح والإخاء، وتعايشت معها في وفاق ووئام... فسلمان كان فارسيا، وبلال كان حبشيا، وورقة ابن نوفل الذي نصر الرسول وأعانه كان مسيحيا، والسموءل المشهور بالوفاء، كان يهوديا..!؟
وهذا الأخير.. "السموءل" السيد العربي الذي أحببته، رغم أنني ضربت بسببه..!؟.. أحببته لقصة وفائه النادرة، عندما وضع عنده "امرؤ القيس" اسلحته كأمانة، ريثما يطلب المدد للثأر لمقتل أبيه الذي ضيعني صغيرا ـ كما قال عندما بلغه النبأ ـ وحملني دمه كبيرا... اليوم خمر وغدا أمر... إلى آخر القصة المعروفة في تاريخ القبائل العربية. ولكن خصومه أو أعداءه من قبيلة "بني أسد" أرسلوا وفدا إلى السموءل، يطلب تسليم اسلحة امرئ القيس إليهم، فرد عليهم السموءل بحزم واختصار: (هذه الاسلحة أمانة في عنقي، ولن أسلمها إلا لصاحبها). فذهبوا، ثم عادوا وحاصروا حصن السموءل، وصادف أن ابنه في تلك الأيام، كان في رحلة صيد، على عادة قبائل العرب وقتذاك، فأمسكوا به بعد عودته، وخيروا السموءل بين أمرين: تسليمهم الاسلحة أو نحر ابنه، فرفض السموءل بحزم مرة أخرى، أن لا يفي بالوعد الذي قطعه على نفسه، أو يفرط بالأمانة التي في عنقه، فذبحوا ابنه أمام عينيه، ولكن دماءه لم تذهب هدرا، بل اصبحت فيما بعد رمزا للوفاء..!؟

أما لماذا ضربت بسببه، فهي قصة وفائه هذه ذاتها في درس الاملاء، بالسنة الرابعة الابتدائية على وجه التحديد، فهو يوم مشهود لا ينسى في حياتي، فقد كان حظي سيئا جدا يومها، لأنني اخطأت ووضعت الهمزة على الواو بدلا من السطر في إسمه الذي تكرر عدة مرات، والعملية الحسابية بسيطة ومعروفة بالنسبة لنا في جميع دروس الاملاء، وهي جلدة واحدة بالعصى (مسعودة) مقابل كل خطأ املائي، حتى لو تكرر عشر مرات..!؟
قال المدرس، وهو يرفع العصى: (إذا ما سبق الهمزة حرف ساكن، فيجب أن تكون الهمزة على السطر**.. ياحمار..!؟)، ثم هوى بها على كفي..!؟
لم أكن أخشى كثيرا العصى (مسعودة) كما كان يسميها الجميع، ولكنني الآن لا أدري حقيقة من أين جاء هذا الإسم... ما كنت أخشاها كثيرا، على أية حال، لأنها كانت مدورة وملساء، ويتم الضرب بها على باطن الكف..!؟ ولكن، أخشى ما كنت أخشاه، هو أن أضرب بالمسطرة، فهي قصيرة وسميكة وحادة، ويتم الضرب بحافتها على ظهر الكف والأصابع... إنها سم زعاف..؟!.
كما كنت أخشى الإنتقال إلى صف الحمير... نعم، كان هناك صف من المقاعد داخل الفصل، يطلق عليه (صف الحمير) أي صف الاغبياء، يضع فيه المدرس من يشاء، يكفي أن يغضب المدرس منك لسبب أو آخر، كي يتم مسخك في لحظات، وتتحول إلى حمار..؟!

تأخذني الدهشة أحيانا، وأنا أشاهد الطلبة الأوربيين فرحين مستبشرين، وهم في طريقهم إلى المدرسة، أو وهم في غاية السرور والحبور، يلعبون في ساحتها، أو وهم في طريق عودتهم منها، مرحين ضاحكين.
كنت أخاف من الذهاب إلى المدرسة غدا، منذ مساء اليوم السابق... كنت أذهب إليها كل صباح منكمشا من الخوف، وأنا أرتعش... وطوال ما أمكث بها، أظل مرتعشا.. ولا أعود، حين أعود منها إلا مرتعشا..؟!.
لم نتجرع أية ثقافة حقيقية، سوى ثقافة واحدة، هي: (ثقافة الخوف)..؟!
كان الحجاج بن يوسف الثقفي السفاح الشهير، يطل علينا يوميا بعمامته الكريهة، قبل أن ينزعها أمام السبورة، وهو يتأبط شره وسيفه، ويهدد ويتوعد، والنطع والجلاد طوع أمره: (إني أرى رؤوسا قد أينعت، وحان وقت قطافها)..؟!

يتبع.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

 (*)  سبق لي نشر هذه الخواطر بموقع "صوت الطلبعة" ، ديسمبر 2007م..
(**) المجمع اللغوي العربي بالقاهرة، أجاز فيما بعد وضع الهمزة على الالف.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home