Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi

Friday, 9 December, 2005

   

(*) حـقـوقـنا الضـائعـة
( 1 من 3 )

عبدالونيس محمود الحاسي

"إن التنازل عن الحقوق بسبب الخوف، أفظع من الجهل بها"

مقـدمـة:
كثيرة هي حقوق الإنسان، في هذا العصر المتنور، التي تضمنتها القوانين الدولية، ونصت عليها الدساتير الوطنية الحديثة، والقوانين المنبثقة عنها، وهي عديدة ومتنوعة، لا يمكن حصرها، غير أن بعضها يعد جوهريا وأساسيا، بل وضروريا لحياة الإنسان، كالماء والغذاء والهواء، وبدونها يفقد الإنسان إنسانيته وآدميته وكرامته.
لهذا، تم الإهتمام بها والتركيز عليها، باعتبارها الحد الأدنى من الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها، أو التفريط فيها، والتي ينبغي توفرها للإنسان، لكي يعيش في بلاده بحرية وكرامة.
ولهذا أيضا، نصت عليها بوضوح كامل الدساتير الحديثة، والقوانين الصادرة عنها، وكذلك جميع الإتفاقيات الدولية ذات الشأن والخصوص، وخاصة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
لعل أهم وثائق الشرعة الدولية على الإطلاق، هو "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" Universal Declaration for Human Rights الذي صدر بقرار من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، وهو يتضمن الحقوق الأساسية والجوهرية والضرورية لحياة الإنسان بحرية وكرامة، وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة.
تقول الجمعية العامة في قرارها:
"لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية، من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، فإن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب، وكافة الأمم، كيما تسعى جميع الحكومات، وجميع أفراد المجتمع وهيئاته، واضعين هذا الإعلان، نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا بالتدابير المطـّردة الوطنية والدولية، الإعتراف العالمي بها، ومراعاة تطبيقاتها الفعلية على أرض الواقع".

*   *   *

والمجال هنا، لا يسمح بذكر ثلاثين مادة يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هي في حقيقتها أكثر من ثلاثين حقا أساسيا من حقوق الإنسان، نظرا لاحتواء بعض المواد على فقرات أو بنود بحقوق أخرى إضافية، ولكن يمكن الإشارة باختصار إلى أهم بعضها، على النحو المرتب التالي:
1ـ حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، وفي دستور بلاده.
2ـ حق المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلاده.
3ـ حق المشاركة في إختيار من يحكمه، من خلال إنتخابات نزيهة، تجرى دوريا بالإقتراع العام والتصويت السري، وحقه في أن ينتـَخب أو يـُنتخب.
4ـ الحق في عدم الإعتقال التعسفي وغير القانوني، وعند الإتهام فهو بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة علنية، تتوفر له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.
5ـ الحق في معاملة إنسانية، وعدم إخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللا إنسانية، أو الحاطة بالكرامة.
6ـ الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة، لإنصافه الفعلي من أية إنتهاكات لحقوقه الأساسية التي يمنحها له دستور بلاده، والقوانين الصادرة عنه، بما فيها حقه في الحصول على تعويض عادل عند الضرر.
7ـ الحق في حرية التنقل داخل بلاده، وفي مغادرة بلاده، والعودة إليها متى شاء.
8ـ الحق في عدم حرمانه من جنسيته، أو تجريده من ممتلكاته أو مصادرتها.
9ـ الحق في حرية الفكر والثقافة والوجدان والدين، وما يراه من معتقدات، سرا أو علنا.
10ـ الحق في حرية الرأي والتعبير، وإعتناق ما يشاء من آراء سرا أو علنا، وكذلك في التماس الأنباء والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
11ـ الحق في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين، وفي الانضمام إلى النقابة التي يختارها. وحق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية، وحق الاضراب بقصد تعزيز مصالحها الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها.
12ـ الحق في تشكيل التنظيمات السياسية، والجمعيات السلمية، وفي الانتماء إليها، والاشتراك في ما تعقده من مؤتمرات ولقاءات واجتماعات.
13ـ حق النقد، وابداء الرأي المخالف، سياسيا كان أو غيره، وحق الاعتراض والاحتجاج والتظاهر سلميا.
14ـ الحق في إصدار المطبوعات والدوريات المعرفية بأنواعها المختلفة، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين.
15ـ الحق في التظلم القضائي، فالناس سواء أمام القانون والقضاء، مما يكفل له حقه في التظلم، حتى لو صدر الانتهاك لحقوقه عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.

*   *   *

هذا بعض من قطوف الإنجاز العظيم، للشرعة الدولية لحقوق الإنسان ... فلنقرأ معا قطرة الغيث الأولى من سمائه... أعني ماذا تقول مادته الأولى على وجه التحديد:
"يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء".
أجل ... هكذا .. بروح الإخاء..!!؟
فما الذي حصل على وجه الضبط، منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمن، لهذه الروح الموهوبة بالعقل والوجدان...!!؟ النظم الشمولية تصادر حقوقنا:
غير أن النظم الشمولية المتحجرة التي ابتليت بها كثير من شعوب هذا العالم، وما تزال، والتي تعيش بعقلية القرون الوسطى او العصور المظلمة، كما تعرف في التاريخ أيضا Mentality of dark ages وقفت بذهنيتها المتكلسة في وجه كل حركة أصلاح أو تطوير نحو الأفضل، ووضعت في آذانها وقرا عن سماع هذه الحقوق الإنسانية العظيمة، ورفضت الإعتراف بها في بلدانها، ومنحها لمواطنيها، لا لشيء، إلا لأن من شأن ذلك، أو يحد من صلاحياتها الواسعة، وسلطاتها المطلقة، وأنه سيضع حدا لسلطانها وصولجانها، وهيمنتها وهيلمانها، وحكمها الاستبدادي المطلق، وتعمدت بالتالي مصادرة حقوق الملايين من مواطنيها، من أجل مصلحة نظام، لا يمثل ـ في الغالب ـ سوى مجموعة أشخاص، على هيئة عصابة، ولكنهم يحُكِـمون قبضتهم على مقادير بلد بأكمله، وعلى مصير شعب برمته ...!!!؟
غير أن المتخلفين، والعاجزين عن استيعاب وفهم حركة التاريخ، لن يكون في مقدورهم أبدا، إيقاف عجلة التاريخ التي تمضي قدما، وهي تحمل في دورانها المتواصل التقدم والتطور نحو غد أفضل للبشرية كافة، سواء على صعيد الازدهار الإقتصادي، أو على صعيد نيل الحقوق الإنسانية، ومنح الحريات العامة الضرورية التي لا يصبح الإنسان إنسانا حقيقيا بدونها.

*   *   *

وهكذا شرعت الأمور في العالم تمضي بوتائر متسارعة منذ سقوط جدار برلين الذي انطلق منه زحف الحرية المقدس حثيثا، في السنوات الأخيرة، فسقطت أصنام وطواطم، وتهاوت عروش وطواغيت وطغاة، في رومانيا، وروسيا، وتشيلي، واندونيسيا، ويوغوسلافيا، وجورجيا، واوكرانيا.... وحصلت تغييرات هائلة، وإصلاحات جوهرية في مجالات حقوق الإنسان والحرية السياسية، وممارسة الديمقراطية، في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا.
وتزداد هذه التغييرات والاصلاحات إتساعا وتكثيفا ونموا وشمولا، من أجل ترسيخها، والوصول بها إلى مداياتها القصوى، والمستقبل يبشر بآمال كبار، وببزوغ عالم جديد وأفضل، مع بدايات الألفية الثالثة.
في حين تبقى النظم الشمولية المتبقية، في حالة جمود أو تراجع، لأنها تسبح ضد التيار، أو هي في حالة دفاع يائس عن نفسها ووجودها، من أجل بقائها واستمرارها، رغم أن الزمن لا ينتظرها، ويتجاوزها على نحو أسرع، ويمكن اعتبارها في الواقع محاصرة أو شبه محاصرة، ويتناقص عددها، وتضعف شوكتها، ويضيق عليها الخناق يوما بعد يوم، الأمر الذي سيشجع شعوبها على الإنتفاضة ضدها، والخلاص من نير عبوديتها، في زمن هو أقرب بكثير، مما يظنه طغـاتهــا وجلادوها..!!؟ هؤلاء الطغاة الذين ثبت عنهم، أنهم يشتركون في مرض واحد، يصيبهم جميعا، إسمه "البارنويا" paranoia، وهو نوع من الجمود العقلي أو التبلد الذهني المصحوب بالإضطراب الذي يجعله دائما مبلبل الفكر، يتجاهل الحقائق ويخطئ الفهم، ويصيبه الوهم بأنه دائما على صواب وغيره على خطأ، وهو ما يعرف أيضا بإسم misunderstanding، وفي نوبات أخرى، قد يفقد توازنه العقلي، ويسيء تقدير الأمور على نحو قد يتخذ معه قرارات مدمرة، خاصة إذا تزامنت هذه النوبات، مع نوبات الشك والإرتياب فيمن حوله، وهي المرحلة الثالثة لتكامل مرض البارانويا، وتعرف بإسم mistrust.
ويعتقد بعض المحللين، أن هذا المرض كان على أشده لدى "تشاوشيسكو" في أيامه الأخيرة، إذ لم يتعظ مما حدث في "تيموشوارا"، وكان حريا به أن يفعل لو كان سويا، بل لم يصدق بأن الشعب الروماني يمكن أن يثور ضده، ورفض التحذيرات الخارجية، ونصائح جميع من حوله، مستخفا بالأحداث، ومستهينا بالطوفان، وكأنه لا يراه إلى أن اجتاحه اليم...!!!؟؟
وثمة مرض آخر، قد لا يصيب الطغاة جميعا، ولكنه يصيب بعضهم، وهو مرض "الإنفصام" أو "إنفصام الشخصية" = الشيزوفرينيا schizophrenia، ويتجلى هذا المرض أكثر ما يتجلى في صاحبه، بالظهور بمظهر العظمة والأبهة الخلّب، ومنح نفسه ألقابا وأوسمة ونياشينا وحجما أكبر بكثير من حجمه الحقيقي، وأهمية وقدرا هو دونهما بمراحل عديدة... بعبارة واحدة وأكثر وضوحا، مثل قزم يتصور نفسه وقد صار عملاقا ...!!؟
وأعتقد أن من أطلق إسم "الجماهيرية العظمى" على بلد صغير ومتخلف مثل ليبيا، لا يملك شيئا غير براميل النفط، هو واحد من بين هؤلاء البعض...!!!؟
المفارقة التي تدعو حقا للحزن والرثاء، أنه في الذكرى السنوية الأولى لتسميتها "بالعظمى"، هُزمت هذه "العظمى" أمام جارتها "تشاد" "غير العظمى"، والفقيرة والضعيفة عددا وعدة...!!؟

(إلى الحلقة الثانية)

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________________________________

(*) يصادف يوم السبت الموافق 10 ديسمبر 2005 الذكرى 57 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، أي منذ سبعة وخمسين عاما.
كما يصادف الذكرى الثانية عشرة لإختطاف مخابرات نظام القذافي للمحامي وداعية حقوق الإنسان الأستاذ منصور رشيد الكيخيا من القاهرة مساء يوم 10 ديسمبر 1993، وهو يحضر مؤتمرا رسميا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، بإعتباره أحد مؤسسيها، وأحد أعضاء أمانتها. وقد حدث ذلك بتواطؤ من جانب النظام المصري الذي تجاهل القضية تجاهلا تاما، ولم يصدر عنه أي بيان أو تصريح رسمي بشأنها حتى يومنا هذا، رغم أنه كان يزور مصر رسميا، ومن حقه أن ينال الحماية المصرية الرسمية إلى أن يغادر أراضيها.
وفي شهر أغسطس 1995 نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية تقريرا حول مصير الكيخيا، ذكرت فيه بأن النظام الليبي قد قام بالتخلص من الكيخيا، وذلك بإعدامه سرا، بعد تعذيبه اثناء التحقيق معه في سجن "بو سليم" الواقع بضواحي مدينة طرابلس.
ومما يحز في النفس حقا، أن جميع الليبيين مجردين أو محرومين من ممارسة حقوقهم، بسبب النظام الفاشي الإستبدادي الذي يحكمهم.
وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1. قلة واعية، وتعرف حقوقها، ولكنها تنازلت عنها بسبب الخوف ....!!!؟
2. كثرة جاهلة بهذه الحقوق، ولا تعرف عنها شيئا ....!!؟
3. قلة من القلة الواعية، تجاسرت وحاولت أن تمارس حقوقها، وهي الآن إما مكللة بمجد الشهادة في قبورها، أو تقبع في المعتقلات، أو مشردة في المنافي، وتمثل هذه القلة القليلة قاعدة المعارضة الوطنية الليبية ضد النظام الدكتاتوري، من أجل إرساء دعائم الديمقراطية في ليبيا.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home