Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

الثلاثاء 7 أبريل 2009

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة (الأخيرة)

العقيد ركن عبد العزيز الشلحي...
لماذا فشل في إحباط إنقلاب سبتمبر؟!
(2)

عـبدالونيس محمود الحاسي

( الحلقة الثانية )


 المقدم/ آدم الحواز    المقدم/ موسى احمد


أول حملة تصفية في صفوف الجيش :

بعد ثلاثة أشهر وسبعة أيام على وجه الدقة، من وقوع إنقلاب سبتمبر، وتحديدا يوم 7 ديسمبر عام 1969، الذي وافق ليلة القدر من شهر رمضان ذلك العام، شنت أول حملة إعتقالات واسعة في صفوف الجيش، بعد يوم الإنقلاب، شملت أكثر من ستين ضابطا من مختلف الرتب، بقصد تصفيتهم، كان في مقدمتهم المقدم آدم سعيد الحواز وزير الدفاع، والمقدم موسى أحمد وزير الداخلية... وكان (العبد لله) من بين الذين شملهم عطف الإعتقال..؟!!.
وتزامنت مع حملة الإعتقالات الواسعة تلك، حملة إعلامية مكثفة، عن إكتشاف مؤامرة ضد (الثورة العظيمة)..!؟.
في بداية الإعتقالات والتحقيقات والحبس الإنفرادي، لم يكن من السهل معرفة جميع الضباط الذين شملتهم حملة الإعتقالات، نظرا للعزل المتعمد والمقصود في الزنازين الإنفرادية المحروسة في جميع أقسام السجن، ولكن بعد حوالى شهرين ونصف تقريبا، وعندما إنتهت جميع التحقيقات، إلى حين وقت إنعقاد المحكمة، تم جمعنا ووضعنا في قسم واحد، هو القسم الأول في البداية، ثم إلى القسم العاشر في ما بعد، لأنه في وسط السجن، ومحاط بالحراس، ومن الصعب الهروب منه، كما أنه القسم الذي يشترك مع المشنقة في جدار واحد، لكي نظل على تماس تام مع تخوم الموت..؟!!.
وعلى أية حال... ولما كانت الإعتقالات تستهدف مجموعة معينة من الضباط، الذين كان مجلس الإنقلاب يعتبر بقاءهم في الجيش، كمصدر خطر على سلطته، ولهذا قرر تصفيتهم والتخلص منهم، بدعوى إكتشاف مؤامرة ضدهم، أي ضد مجلس الإنقلاب، أو ضد ما يسمونه الثورة.
ولهذا السبب، شعرت بشيء من الإستغراب، لوجود الملازم محمد جمعة الشلماني، من بين الضباط المعتقلين، فأنا أعرفه معرفة جيدة، فهو من دفعتي بالكلية العسكرية، وهي الدفعة السادسة، ولكنه لم يتمكن من إجتياز السنة الأولى المعروفة في الكلية بإسم (الصف المستجد)، الأمر الذي أجبره على إعادتها، حيث لحق به طلاب الدفعة السابعة الذين كان من بينهم: معمر القذافي، وعبد السلام اجلود، ومصطفى الخروبي، ومحمد نجم، وأبوبكر يونس، ومختار القروي، وغيرهم.
وبعد تخرجهم من الكلية يوم 9 أغسطس عام 1965، تم تعيين محمد الشلماني وعوض حمزة بكتيبة المشاة الثانية (كتيبة عمر المختار)، التي كانت آنذاك بمعسكر رأس اعبيده بمدينة بنغازي، وبعد نحو سنتين، تم نقلها إلى أحد معسكرات باب العزيزية بطرابلس، وأثناء حضورنا مع طلبة الكلية العسكرية، للإشتراك في إستعراض عيد الإستقلال يوم 24 ديسمبر عام 1968 بمدينة طرابلس، عرفت أن لديه ـ أي لدى الشلماني ـ مشاكل عائلية، لأن زوجته المدرسة بمدينة بنغازي، رفضت الإنتقال معه إلى مدينة طرابلس، والمشكلة أن كتيبة عمر المختار، ستنتقل بعد ذلك من طرابلس إلى فزان (وفق برنامج تنقلات الوحدات الفعالة في الجيش، من أجل التعرف على جميع الأراضي الليبية). وكان واضحا أن الزوجة التي رفضت الإنتقال إلى مدينة طرابلس، سيكون من المستحيل إقناعها، بالإنتقال إلى مدينة سبها..!؟.
من ناحية التنظيمات العسكرية السرية في الجيش، كنت أعرف أن الملازم محمد الشلماني والملازم عوض حمزة، هما من تنظيم الدفعة السابعة، كما كنا نسميه أحيانا، وهو تنظيم الملازم معمر القذافي، ومجموعة الملازمين الذين كانوا معه، غير أن الشلماني ما كان عضوا ناشطا، ولا فاعلا في التنظيم، بل كان عضوا خاملا حتى قبل أن تصبح لديه مشكلة عائلية..؟!!.
وبعد حوالى أربعة أشهر، أي في شهر أبريل عام 1969، فوجئت بوجوده في الشرطة العسكرية بمدينة بنغازي (البوليس الحربي آنذاك)، مع المقدم مسعود سعد آمر البوليس الحربي، ومعاونه الرائد عمر اقويدر... وبدا لي الملازم محمد جمعة الشلماني يومها، منشرحا مرحا وفي غاية السعادة، وهو يخبرني بنقله إلى البوليس الحربي، وحين غادرته، لم يراودني أي خاطر غريب، أو يخالجني تفكير بسوء نية، أو كما نقول هذه الأيام، ترد إلى ذهني (نظرية المؤامرة)، بل نظرت إلى الأمر بمنتهى حسن النية... لا بد أنه قدم طلبا للإنتقال.. وربما استطاع أن يقنع مدير الإدارة العسكرية، أو حتى رئيس الأركان نفسه، بأن لديه مشاكل عائلية، يستحق أن ينقل من أجلها إلى مدينة بنغازي... هذا كل ما في الأمر...!؟.

الشلماني.. والمذكرة الخضراء (3):

ونحن بالقسم العاشر، بسجن الحصان الأسود، وبعد انتهاء جلسات المحكمة العسكرية الخاصة الثانية(4)، برئاسة النقيب سليمان شعيب، في شهر أغسطس عام 1970، وأصبحنا في إنتظار الجلسة الأخيرة للنطق بالحكم، وهي جلسة مؤجلة، أو غير معروفة التوقيت بالنسبة لنا... في هذا الوقت، بدأوا يأخذون الملازم محمد جمعة الشلماني، فيما يشبه عملية تحقيق، أو شيء من هذا القبيل، لم نعرف كنهه على وجه الضبط، خصوصا ونحن لم ننته من التحقيقات فحسب، بل ومن المحاكمة أيضا، وفي إنتظار الجلسة الأخيرة فقط، للنطق بالحكم... واستغربنا الأمر.. وتذكرنا التهمة الغريبة الموجهة إليه في المحكمة، وحوكم بسببها، وهي انه إتصل سرا بقنصليتي امريكا وبريطانيا بمدينة بنغازي، باعتباره الضابط الملكف ـ من قبل بقية ضباط المؤامرة ـ بالإتصال بقنصليتي امريكا وبريطانيا، من أجل تقديم العون العسكري لهم، من قاعدتي الملاحة وطبرق، وكذلك تأمين المساعدات اللوجتسية الضرورية عند طلبها في الوقت المناسب...؟!. وأعلن الملازم محمد جمعه الشلماني دهشته في المحكمة قائلا "بأنه ذهب فعلا بصورة رسمية، وهو يرتدي ملابسه العسكرية، وفي سيارة عسكرية من سيارات البوليس الحربي (الشرطة العسكرية) ويحمل رسائل رسمية، سلمها له النقيب مصطفى الخروبي، من أجل تسليمها إلى جميع القنصليات الأوربية بمدينة بنغازي، بما فيها القنصلية الفرنسية والإيطالية والألمانية، وليس فقط قنصليتي امريكا وبريطانيا، وباستثناء هذا الإتصال الرسمي الوحيد، فإنه لم يتصل باية قنصلية إطلاقا...؟!. وطلب محامي الشلماني وهو المرحوم مصطفى الشيباني، من هيئة المكمة استدعاء النقيب مصطفى الخروبي كشاهد، لكي يتمكن الدفاع من استجوابه امام المحكمة، ولكن الخروبي في تلك الايام، كان يطوف على مساجد مدينة بنغازي، بعد صلاة الجمعة، ويخطب فيها، بأن المتآمرين قد اتصلوا بامريكا وبريطانيا، ووعدوهما ببقاء القواعد في ليبيا إذا ما نجحوا، وذلك لأن الثورة قد بدأت مفاوضات الجلاء مع امريكا وبريطانيا من اجل إزالة القواعد من التراب الليبي... ومع تذكرنا لهذه التهمة، ازداد استغرابنا... وأنتصبت أمامنا علامات إستفهام تبحث عن إجابة... خاصة، وأن الملازم محمد الشلماني، يعود كئيبا كالح الوجه، ولا يرغب في الكلام مع أحد... وصار عصبيا وعزوفا عن الطعام... صامتا ومنطويا على نفسه..؟!!

ليس من السهل الحصول على المعلومات داخل سجن الحصان الأسود، لهذا، أصبحنا نتصيد بعض الحراس الذين نشعر بتعاطفهم معنا، وتجاوبهم مع اسئلتنا، عندما يحين موعد مناوباتهم أما باب قسمنا، وخصوصا، عندما نحس بوجود شيء يجري داخل السجن، ولكننا لا نتمكن من معرفته، إلا من هؤلاء الحراس الشجعان، مثل عملية إنتحار رئيس الوزراء الليبي السابق محمود المنتصر في شهر مايو عام 1970، بسبب الإذلال والإهانات والمعاملة اللا إنسانية، وكذلك جلسات التعذيب الوحشية، للشيخ الطاعن في السن، المجاهد محمد سيف النصر، مما أدى إلى التعجيل بوفاته، إضافة إلى معرفة حملات الإعتقال الجديدة التي أصبحت تتعاقب على نحو لا يتوقف... إلى غير ذلك من الأمور الأخرى.
وفي هذا الصدد، تمكن النقيب عبد الرزاق بالخير، من الحصول على معلومات في غاية الأهمية من أحدهم، حول موضوع الملازم محمد جمعة الشلماني الذي كانوا ياخذونه للتحقيق، حول إفشائه لسر تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار ـ كما كانوا يسمونه ـ للعقيد ركن عبد العزيز الشلحي مدير التدريب العسكري، ورئيس لجنة إعادة تنظيم الجيش، وعندما كان الشلماني يحاول أن يتهرب، أو يروي رواية غير صحيحة، كانوا يواجهونه بالعقيد الشلحي الذي يصحح له روايته الخاطئة، إلى درجة من الدقة، حدد له فيها لون وحجم المذكرة التي كتب فيها أسماء أعضاء التنظيم، وهي مذكرة صغيرة خضراء..!؟.
عموما... كنت والنقيب عمر الواحدي، والنقيب سليمان الرفادي، من دفعة واحدة، هي الدفعة السادسة، ولما كان الملازم محمد الشلماني من دفعتنا في الأساس ـ كما ذكرت آنفا ـ فقد حاولنا نحن الثلاثة مساعدته، والوقوف إلى جانبه في محنته، والتخفيف عنه، وإخراجه من عزلته وانطوائه وصمته، وقلنا له: ما حصل قد حصل.. واللي صار صار.. فلا تجعل الموضوع أكبر من حجمه، ولا تعطيه أهمية أكثر مما يستحق، وخذ الأمور ببساطة، إلى أن تزول هذه المحنة التي نتعرض لها جميعا...!؟.
وقد حكى لنا عن الموضوع، بشيء من الخجل والتردد، وقال بأنه كان يعاني من مشاكل عائلية، وأنه كان سينتقل إلى سبها، فتزداد تلك المشاكل تعقيدا، ووجد نفسه مضطرا للذهاب إلى عبد العزيز الشلحي في بيته بمدينة طرابلس، في شهر مارس من العام الماضي 1969، وسلمه المذكرة، وشرح له ظروفه العائلية، وطلب منه أن ينقله إلى مدينة بنغازي، وقد نقله الشلحي بالفعل إلى البوليس الحربي بمدينة بنغازي...!؟!.
ولم نشأ أن نحرجه أكثر، عن الأسماء في تلك المذكرة، أو كم عددها..؟! وهل كلفه الشلحي مثلا بشيء ما، كمتابعة نشاط التنظيم، والتبليغ عنه... بل اكتفينا بقولنا له: حاول أن تنسى الموضوع..!؟.
ولكن الشلماني، كان في عجالة من أمره، إذ شرع منذ ذلك الوقت، يكتب طلبات الاسترحام إلى القذافي، ويلتمس على يديه العفو له، حتى تم الإفراج عنه بعد ثلاث أو أربع سنوات.

* * *

لماذا لم يفعل العقيد الشلحي شيئا لإحباط الإنقلاب:

من الواضح أن العقيد عبد العزيز الشلحي، لم يعط بلاغ الملازم محمد الشلماني، درجة الأهمية التي يستحقها في تلك الكراسة الخضراء... بل ظل العقيد ركن، مرتكنا إلى هدوء اللون الأخضر في درجة الأهمية، وربما صعد من تفكيره قليلا، إلى اللون الأصفر، ودرجة الإنذار والحذر، ولكنه في يقين كاتب هذه السطور، لم يصل بتفكيره إطلاقا، إلى درجة اللون الأحمر، ومرحلة الخطورة القصوى.
ولعله من الأدلة على ذلك، أن أذكر هنا، بأن حملة إعتقالنا، قد شملت الرائد آدم أحمد الحاسي آمر سرية الطلبة بالكلية العسكرية، والرائد محمد على الفيتوري معاون آمر سرية الطلبة، وكان الرائدان عند قيام الإنقلاب، بمدينة طرابلس، في لجنة إختيار دفعة جديدة، من طلبة الكلية العسكرية، برئاسة العقيد ركن جمعة أبو حلقة آمر الكلية العسكرية الملكية، وقد شملت ثلاثتهم، حملة إعتقالات اليوم الأول للإنقلاب، وزج بهم مع الآخرين، بمن فيهم العقيد ركن عبد العزيز الشلحي، في سجن (بورتا بينيتو) الإيطالي القديم، أو سجن الحصان الأبيض، قبل أن يتحول إلى اللون الأسود.
حدثنا الرائدان، الحاسي والفيتوري (5)، فقالا، بأنه عندما صدر قرار ترقية الملازم معمر القذافي إلى رتبة عقيد، وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة، سأل العقيد الشلحي، عمّن يكون الملازم معمر القذافي هذا...؟!. فقال له الرائد الفيتوري: هل تتذكر الملازم الذي دخل قاعة إمتحانات الترقية، في شهر أبريل الماضي، وهو يرتدي (البيريه)، بدلا من (الكاب) (6)، كما تقضي التعليمات، ولقد أمرته أنت بالرجوع وارتداء (الكاب)، والتقيد بالتعليمات ا\لصادرة حول اداء الإمتحانات..؟!. فقال العقيد الشلحي: نعم أتذكره.. ورد عليه الرائد الفيتوري قائلا: ذلك الملازم هو معمر القذافي الذي صار اليوم عقيدا...؟!!.
ويتبادر إلى ذهن المرءهنا، سؤال منطقي... لو كان العقيد الشلحي، قد تمعن في تلك الكراسة الصغيرة الخضراء، وتعرف على الأسماء الواردة فيها... بل وتأكد من هوياتهم وشخصياتهم، وتابعهم ميدانيا بطريقته الخاصة، التي كانت في إمكانه بمنتهى السهولة، كمدير تدريب عسكري للجيش، وكرئيس لجنة إعادة تنظيم الجيش أيضا... أجل، لو فعل هذا.. أو حتى بعضا من هذا... فهل كان سيسأل عمّن يكون الملازم معمر القذافي الذي لا بد أن إسمه، كان يتصدر قائمة الأسماء الواردة في تلك الكراسة الصغيرة الخضراء..؟!.
أغلب ظني، أنه نظر للأمر باستخفاف، ولا مبالاة، ودونما إهتمام يذكر...؟!.

يتبع...

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

3ـ معلومات تنشر كتابة لأول مرة، بعد تناولها مذاعة في برنامج "حوارات عن الجيش الليبي"، مع الاستاذ عبد المنصف البوري، بإذاعة أمل.
4ـ تمت محاكمتنا مرتين، مرة بالمحكمة العسكرية الخاصة الأولى، برئاسة الرائد محمد نجم، عضو مجلس الإنقلاب، في شهر مارس عام 1970، ولكن هذه المحكمة الغيت، بعد صدور قرارها بعدم وجود احكام بالإعدام، وبعد مسرحية مظاهرات، تطالب بتشديد العقوبة، حيث تم تشكيل المحكمة العسكرية الخاصة الثانية، برئاسة النقيب سليمان شعيب، واصدرت هذه المحكمة احكامها يوم 17 اكتوبر عام 1970، وحكمت بالإعدام على خمسة منا، وهم: المقدم آدم الحواز، والمقدم موسى احمد، والرائد الهادي بلقاسم الرابطي، والنقيب عمر الواحدي، والنقيب عبد الونيس محمود. وقد تم تنفيذ حكم الإعدام سرا، في المقدم آدم الحواز، والنقيب عمر الواحدي، في شهر مايو عام 1984.
5ـ الرائد آدم احمد الحاسي والرائد محمد على الفيتوري، أفرج عنهما في بداية شهر نوفمبر، ثم تم اعتقالهما من جديد بعد نحو شهر واحد، في حملة اعتقالات يوم 7 ديسمبر عام 1969..
6ـ البيريه beret يعني غطاء رأس على هيئة قلنسوة مستديرة. أما الكاب cap فهو ايضا غطاء رأس، ولكن على هيئة قبعة ذات حافة أمامية.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة (الأخيرة)

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home