Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

الثلاثاء 6 ابريل 2010

قصة قصيرة

حيث لا يفرح الأطفال

قصة واقعية بتصرف(1)

عـبدالونيس محمود الحاسي

الإهداء :

"إلى إبنة صديقي ورفيق العمل القومي السري بحركة القوميين العرب، خلال عقد الستينيات من القرن الماضي.. إلى منال محمد الطيب بن سعود التي اعدم والدها ظلما مع عمر دبوب بمدينة بنغازي يوم 7 ابريل عام 1977 ولما تبلغ ـ إذّاك ـ الخامسة من عمرها... إليها أهدي هذه القصة، وفاءا لوالدها الشهيد البطل، في الذكرى الثالثة والثلاثين لاستشهاده".

* * *

تضاريس يوم الفقدان :

المطر ينهمر بغزارة، وساحة السجن تكتظ بالبشر منذ الصباح الباكر، إنتظارا لخروج السجناء. السجانون يهرولون باسلحتهم في كل اتجاه.. بينما ظل المساجين الذين تقرر اطلاق سراحهم يتزاحمون قرب الأبواب الحديدية المغلقة، كما لو كانوا يقفون على احر من الجمر في إنتظار الخروج...؟! ومن هناك.. عبر الممرات والدهاليز، يصفع آذانهم ضجيج المكبرات المشنوقة في كل الزوايا، وهي تئن وتتأوه بالأناشيد على نحو متواصل.
"اصبح الصبح، فلا السجن ولا السجان باق..!"
همس سجين لآخر:
ـ أي صبح هذا، والذين اعدموا سرا او اختفوا نهائيا لا احد يعرف عددهم. وأكثر من نصف المساجين مازال يقبع في الزنازين المظلمة.
ولكن احدا لم يدع بانه قد سمع شيئا.. فما من شيء يمكن تعاطيه غير الهمس المخنوق، في بلد تصلب فيه الكلمات الحرة على الشفاه.
عند منتصف النهار، اختلط الحابل بالنابل.. حين فتحت الأبواب الحديدية فجأة، واخذت تقذف بالسجناء المفرج عنهم الى الساحة.. حيث تدفقت نحوهم ـ في اضطراب وفوضى ـ الجموع التي كانت في انتظارهم من الأهل والأقارب والأصدقاء. من كل مكان جاءوا.. من كل الأعمار كانوا. شيوخ ورجال وشباب.. نساء وصبايا وأطفال. يحملون على اجسادهم مشاق السفر، وفي عيونهم اشواق السنين المترعة بالحزن والألم والإنتظار الطويل. في حين خرج المساجين كمن يخرج من مقبرة حقيقية مسكونة بالموت والوحشة.. وجوههم كتب مفتوحة تقرأ في سطورها آثار العسف والتعذيب والعذاب.. وسنوات القهر والحرمان والإنتظار الطويلة. بعضهم دخلوا السجن شبابا، وخرجوا كهولا، امتصت الجدران الرطبة رحيق اعمارهم.
كان يوما حافلا بالأسى على نحو ليس إلى تصويره من سبيل.. وكانت السماء تسح امطارها فوق الجميع، فاختلطت دموع البشر بدموع السماء. وليس في مقدور أحد أن يرسم ذلك المشهد المثير، وذلك اللقاء المشحون بالعواطف الجياشة. العيون المدربة وحدها، استطاعت أن تلتقط من هذا الحشد الهائل، حجم المأساة والعدد الذي غيبته السراديب وأقبية التعذيب الرهيبة عبر سنوات وسنوات.
غير ان ما يدعو إلى الأسى حقا، هو أن دموع الحزن كانت أكثر من دموع الفرح.. لأن الذين فقدوا كانوا اكثر من الذين وجدوا. وكان خليقا بمن شهد ذلك اليوم المشهود والمعبأ بالحزن والقتامة ان يسميه "يوم الفقدان".

* * *

بدايـــة :

قال الرجل الذي خرج من السجن لتوه بعد ان كتبت له الحياة من جديد.. قال لاقربائه حين احتوتهم السيارة: "إلى اين نحن ذاهبون..؟!". انفجروا جميعا ضاحكين.. ثم صمتوا فجأة، وخيم عليهم الوجوم طوال الطريق. كان الرجل قد سلخ ما يقرب من نصف عمره في السجن.. وخرج نحيفا هزيلا شاحب اللون. وبينما كانت السيارة تلهب ظهر الطريق، كان لا يفتأ ينظر في كل اتجاه مثل طفل صغير، وهو لا يدري إن كانت السيارة تسير على الطريق ام تطير في الهواء.. وفي لحظة ما، خيل اليه ان العالم واسع إلى حدود تفوق التصور.. مما جعله يتعجب من ان احلامه في السنوات الأخيرة باتت لا تغادر اسوار السجن..!!

* * *

تداعيـــات :

[1]

حين اقترب من منزل اسرته الواقع في اطراف القرية.. انثالت في اعماقه اطياف الحنين والذكرى، ثم اخذته الدهشة وهو ينظر إلى المواقع التي عاش فيها طفولته وصباه، وجزءا من شبابه، وكأنه يراها لأول مرة في حياته. وعلى نحو غامض داهمه شعور جارف بحب الأرض والوطن، لكنه حينما ابصر الناس الذين ينتظرونهم امام البيت، حاول جاهدا ان يتصامد كيما يزمّ فيض العبرات المتحفز للإندفاع.
في صباح اليوم التالي مباشرة، اخذته الدهشة مرة اخرى من منظر الشروق الرائع.. وسمح للدموع كيما تهبط برفق فوق اعشاب الربيع الخضر الندية التي حرم من رؤيتها منذ زمن ما عاد يذكره احد. رغم انه تظاهر امام الآخرين، بأن ذلك إنما حدث بتأثير اشعة الشمس..!
في تلك الأيام، تحول بيت اسرته إلى عرس ومأتم في وقت واحد. العرس من اجل الذين خرجوا من السجن، والمأتم من أجل الذين شيعوا نحو المدافن او ظلوا في غيهب الظلمة.
غير ان الأطفال الذين لا يفقهون من هذه الأمور شيئا، اصيبوا بالإزعاج دون ان يعرفوا له سببا. فقد احتلت اماكن نومهم النساء القادمات من اماكن بعيدة، وطردوا لكي يناموا في المطبخ. لذلك كان الأطفال تواقين لليوم الذي يعود فيه الناس من حيث اتوا، وينزاح عنهم هذا الكابوس المزعج.. دون ان يدور بخلد اي منهم، ان كابوسا آخر اكثر وحشية وضراوة يجثم على صدور شعب بأسره.

[2]

بعد اسبوع او أكثر، ذهب الجميع إلا واحدا.. هو ذلك الرجل ذاته.. وظل اطفال اخيه يحومون حوله باعتباره سبب البلاء..!. كانوا جميعا على اختلاف اعمارهم قد ولدوا بعد دخوله السجن.. وكانوا جميعا ينظرون إليه على انه مجرد دخيل او ضيف ثقيل مكروه الإقامة. ودونما اكتراث لوجوده ظلوا يثرثرون ويتقافزون ويملأون البيت ضجيجا إلا هي.. "راجية" الصغيرة الجميلة التي لم تكمل الخامسة من عمرها بعد. صغيرة هي في حجم حذائها الممزق.. صامتة ووديعة مثل حمامة.

بعد صمت طويل، قالت راجية لأمها:
ـ لماذا لا يذهب هذا الرجل إلى أهله..؟
ـ أي رجل..؟
ـ هذا الذي يجلس إلى جانب الراديو في المربوعة..
بعد اقل من دقيقة واحدة، دخلت عليه زوجة اخيه وهي تضحك.
ـ هل سمعت ماذا قالت راجية..؟
ـ لا لم اسمع.. ماذا قالت..؟
ـ قالت.. لماذا لا تذهب إلى أهلك..؟!!
ـ عندها حق.. انا بالنسبة لها رجل غريب.. أجل.. مجرد رجل غريب ليس إلا.
ـ ولكنني سميتها راجية، إنتظارا لخروجك من السجن..؟!
وعندما نادتها امها ودخلت، بادرتها قائلة:
ـ هذا عمك يا راجية، كان في مكان بعيد.. بعيد جدا.. وقد جاء الآن.. ونحن هم اهله.. وسيبقى معنا.
لم تنبس راجية بحرف، لكنها نظرت إليه نظرة عجلى ممزوجة بالرفض والقبول في آن معا.

[3]

منذ تلك اللحظة، بدأ الرجل في تنفيذ خطته، لكي يجعل راجية تقبله وتأنس إليه.. بل انه بذل جهدا خارقا من اجل الحصول على موافقتها بأن تكون ابنة له. واخيرا.. اخيرا وافقت راجية، ولكن بشرط:

ـ قولي.. قولي يا راجية اي شيء.
ـ أن تشتري لي مسّاكة حمراء على شكل فراشة؟
ـ فقط.. فقط..!! نطق بها الرجل مرتين، ثم هب مندفعا نحو الأسرة المتحلقة حول براد الشاي في ساعة الظهيرة. ضاحكا قال وهو يجلس:
ـ خلاص.. راجية وافقت ان تصبح ابنتي.
ـ عنيدة.. بنت عنيدة. قالت أمها.
ـ بشرط أن البّي طلبها البسيط.
اسرعت عمتها تقول:
ـ ارجو أن لا تكون المسّاكة.
ـ بل هي.. ولكن كيف عرفت..؟!
ـ كيف عرفت..! هه.. منذ شهور مرضت راجية. حملتها إلى المدينة.. إلى طبيبة الأطفال الهندية التي كانت معها ـ صدفة ـ في ذلك اليوم ابنتها الصغيرة.. حيث كانت الطفلة الهندية تضع في شعرها مسّاكة حمراء على شكل فراشة. وبعد خروجنا من العيادة، رفضت راجية ان تأخذ الدواء، وطلبت المساكة الحمراء.. ومنذ ذلك النهار صارت هاجسها الوحيد. ثم التفتت إليه وقالت:
ـ لقد ورّطت نفسك.
ـ ولكن.. ولكن لماذا لم تشتروا لها المسّاكة..؟!
نافضا يده قال والدها:
ـ نحن لم نجد لها حتى الحذاء او الحليب.. وانت تحكي عن المسّاكة.
ـ انتم تمزحون ولا شك..!
محتدا، نافذ الصبر قال اخوه:
ـ تخرف انت.. الأسواق الشعبية خاوية على عروشها من كل شيء، إلا من "المقولات" التي لا يأكلها احد، ولا يلبسها احد.. والرواتب مرهونة في المصارف.. والنشاط الخاص ممنوع.. والكساد يعم البلاد.. انت لم تر شيئا.. اسكت احسن..!
وسكت الرجل، وهو لا يكاد يصدق أن يحدث هذا في بلد تتفجر ارضه بالذهب الأسود، وتعداد سكانه لا يشكل قرية صغيرة في بلاد الصين، أو في بلاد الهند والسند..!!
لكنه ظل مثابرا من اجل تنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه. بحث بنفسه في بداية الأمر، ثم أوصى كل الأصدقاء والأقارب. لكن احدا لم يعده بشيء على الإطلاق، غير عبارة:
ـ يستر الله..!!

عندما التجأ إلى خالتها المعلمة التي تحبها كثيرا، علها تجد تلك المساكة لدى إحدى الطالبات في المدرسة. قالت له جادة وباقتضاب:
ـ اسمع.. أنت تبحث عن السراب..!!

[4]

ما من مرة كان يذهب فيها ويعود، إلا ويجد راجية في إنتظاره.. يطوقها بذراعيه.. يمسد شعرها بيده.. يلاطفها.. يمازحها.. تضحك الصغيرة، وتظل تحلم بالمرة القادمة..!
حين غاب عدة ايام لأمر ما، لم يكن يدري أن اختها عزيزة التي تكبرها بعامين، قد اخبرتها بأنه ذاهب إلى مدينة بعيدة، وهائلة الحجم إسمها "طرابلس"، فيها اسواق ضخمة وكبيرة جدا.. قالت لها. وهي مملوءة عن آخرها بالمساكات الحمراء. ثم اضافت:
ـ سوف يشتري لك عمك عشر مساكات حمراء دفعة واحدة..!!
ـ لا أريد سوى واحدة فقط. قالت راجية بنبرة مفعمة بالقناعة.
في طريق عودته من طرابلس، كان اكثر ما يؤلمه، أنه لن يكون قادرا على أن يجعل الفرحة تزغرد في عيني راجية كما كان يرجو ويتمنى.
فور وصوله إلى البيت، هب الجميع ترحيبا بقدومه. تسللت راجية من بينهم حتى صارت في المقدمة.. ثم أنها طفقت تنظر إليه على نحو موصول. تحاشى النظر في عينيها مباشرة، ولكنه أخذ يرمقها خلسة بين الفينة واللأخرى. كانت عيناها معلقتين بكل حركة تصدر منه.. كما لو كانت تستنجد برب السموات السبع بأن يضع يده في جيبه، ويخرج لها مساكة حمراء على هيئة فراشة ربيعية رائعة. وظلت معلقة العينين تنتظر.. وطال انتظارها. وحينما تيقنت من ان شيئا من حلمها لن يتحقق وعصف بها الخذلان، انسحبت إلى الوراء وهي مطرقة، حتى ابتعدت قليلا.. ثم ارتمت على الأرض مثل قبرة صغيرة طرية الجناحين.. وراحت تبكي على نحو يذيب حبات القلوب.
وامضت بقية نهارها مهيضة الجناح، كسيرة القلب.. صامتة ودونما طعام. وقبل ان تنام، وصله قرارها الحاسم:
ـ خلاص.. ما عدت ابنة له
ـ لماذا يا راجية..؟! سألتها امها
ـ لأنه كذب علي..!

ـ والله ما كذبت يا راجية.. قالها الرجل في ذات اعماقه.. لو كان الأمر بيدي لرصعت شعرك يعناقيد النجوم.. ولوضعت مدائن الفرح بين يديك. لست انا يا صغيرتي من يصادر قناديل الفرحة من عيون الأطفال، أو ينشر أوهام "النعيم الأرضي"، بينما ينطق الواقع بالجحيم.. اجل لست انا.. فهل سيأتي يوم فيه تدركين.. !!

[5]

على غير عادته، قرر الرجل ان ينام مبكرا في تلك الليلة. وكان يقلب في رأسه امرا طوال ايام متتالية. وإذ كان الوقت صيفا، وهو يستشعر سرا غامضا لم يدرك كنهه على وجه الضبط، فقد اختار ان ينام خارج البيت في الخلاء.. تحسبا لطرقات ما بعد منتصف الليل، او زوار الفجر المجهولين.
وهناك وسط السكون المغلف بالظلام.. راح يجتسّ بعينيه نجمة تائهة في أبعاد السديم الخرافية.. ثم طفق يحدث نفسه:
ـ حين تنعقد الألسنة من الخوف، ويهمس الناس بالحق.. وتنطفئ الحروف المتوهجة في اقلام المبدعين.. وتذوي ازاهير الفن الفواحة بالعبير في إنكسار ووجوم.. وتتوقف السنابل السخية عن العطاء من سنوات القحط والجفاف.. وتنصب المشانق الوحشية للواعدين بالمطر والبيادر والمدن الدافئة.. وتضرم المحارق الهمجية للكلمات المبهجة في بطون الكتب.. وتهاجر النوارس الناصعة البياض من قسوة الصقيع.. وتموت القبرات المدهشة من شدة القيظ.. وتجف الجداول الخضراء في غياب مواسم الهطول.. وتتلاشى أماني الأطفال المجنحة في سيل الدموع.. ويختفي عشاق الشمس والضوء في أقبية الجحيم.. ويضيع الحب في طوفان الأحقاد.. ويتساوى الحزن والفرح في النفوس المعذبة.. وتنكسف الشمس.. وينمحق القمر.. ويزحف الليل.. وينصاع الجميع لأمر السلطان. إذ ذاك بالضبط يصبح الوطن مجرد منفى.. ويغدو الإنسان فيه غريبا إلى حد فاجع..!!
حين صمت، صار حزنه بحجم مدينة اسطورية. ولم يشعر بأنه وحيد وغريب أكثر من تلك الليلة. وظل ساهرا يتابع النجمة الضائعة في التيه، ويطارد شتات أفكاره عبر سواد الليل الحالك. وقبل أن يغتاله النوم، كان الرجل قد إتخذ قراره الحاسم.
بعد ثلاثة ايام ليس غير.. ودون أن يعلم بقراره أحد.. طار الرجل في سماء الله الواسعة مثل نورس يتيم تعود على الرحيل في مواسم الهجرة الأبدية..!!
وظل ينظر إلى الأرض الطيبة على نحو متواصل.. فيما كانت الطائرة ـ بعد إقلاعها بقليل ـ تحلق في اجواء المطار ما تزال.. هو ذا الوطن المغدور والمسجى بين الرمال والرمال.. رمال البحر الأبيض، ورمال الزيت الأسود.. فهو يغرق ويحترق في آن معا.
وما لبثت المرئيات أن اخذت تصغر وتتلاشى من العلو الشاهق. كان آخر ما شاهده ذوائب النخيل وهي تسبح في الفضاء الفسيح.. ومفاوز الصحراء وهي تنداح أمام البصر حتى تعانق الأفق.
وتتأجج في أعماق أعماقه اطياف الذكرى والوداع والإغتراب الوشيك.. وتتفتح الجراح القديمة.. ويتدفق النزيف بغيرما انقطاع..!!

* * *

بداية أخري :

هبطت الطائرة في مطار الغربة.. بدأت خطاه على رصيف المنفى.. ركب سيارة التاكسي دون ان يتوجس خيفة من أن يكون سائقها مخبرا. نزل في قلب المدينة العريقة، حيث ميدان سنداغما ومبنى البرلمان وقبر الجندي المجهول.. شاهد الناس تطعم الحمائم وهي تحط على أكفهم آمنة.. شاهد طفلا يتهلل جذلا في عربة تدفعها امه.. شاهد اكشاك الصحف وهي تفيض بالصحف الحرة.. شاهد طفلة تتألق وتزرع البهجة في النفوس المتعبة.. شاهد محلات الزهور وهي تعبق بالأريج. مضى مع شارع الجامعة يتأمل ويفكر.. تماثيل ونقوش وشرفات تتعانق فيها الزنابق والورود. مر بالجامعة، او بيت اليونان الوطني كما وصفها كولوكوترونيس (2) منذ ما يقارب من مائتي عام.. تذكر المواقف الجسورة للطلبة ضد النظام العسكري في اليونان في عهد مضى.
طفق ينظر ذاهلا إلى الحياة الضاجة بالحركة والنشاط في شوارع أثينا.. تداعت إلى ذهنه صور شتى للحياة الهامدة والصمت الرهيب و"المقولات" المحنطة، والشوارع المدفونة تحت اكداس القمامة في مدينة طرابلس عروس البحر الأبيض قبل أن تجتاحها الرياح الهمجية..!!
تجاوز المكتبة الوطنية وشارع ابوقراطس.. تسارعت خطواته هبوطا مع الشارع.. اقترب من ميدان اومونيا.. توقف فجأة امام احد الأكشاك.... تسمرت عيناه على باقة مزدهرة بالمسّاكات الملونة كفراشات الربيع.. مد يده إلى مساكة حمراء وهاجة الجناحين.. دفع ثمنها دونما سؤال، وبغيرما تردد... تأملها بحنان.. دسها في جيبه بعناية.. تحسسها برفق.. تراءى له وجه "راجية" في غبشة الغسق وهي تبتسم وتبكي في آن معا.
ظل واقفا لا يريم... ينتظر ولا ينتظر.. شعر ببرودة المساء.. جف العرق البارد دبقا على عنقه.. تناهى إلى سمعه نغم قيثارة حزين... اندفعت الى الذاكرة... الحان الرعاة الحزينة على المزمار خلف القطيع... وأهازيج جز الأغنام... ومواويل الساهرين في الخلاء في ليالي الصيف... واشواق الحصادين بالمناجل لأعناق السنابل.... ومواسم هطول الأمطار والفرح بالغيث... واغاني الحرث والبذار.... وغناوي العلم الدامعة على الدوام... ومناجاة الأمهات الودودة للأحباب اثناء الطحن على الرحى... ورائحة ارغفة التنور... وجدائل عراجين البلح... وشذى أزاهير الشيح والزعتر.... ومشاتل النعناع العابقة بالأريج..... ومواكب الأعراس.... وخيام العزاء.... ومراثي الجهاد... وضحايا الحروب الخاسرة في اوغندا وتشاد... ومشانق شهر رمضان والمدن الرياضية.... وحملات الاعتقالات والقمع والارهاب.... ورفاق السجن بالحصان الأسود.... وزغاريد الرجوع.... ودموع الفراق.......؟!
ـ "قد تغادر الوطن لكن الوطن لا يغادرك على الإطلاق".
هتف بها الرجل في حبة قلبه مرتين.. ثم إنه اندفع كالسهم في الشارع المكتظ بالجموع المتراصة، يدفعه عزم هائل المدد.. وتوارى وسط الزحام وغاب.....غاب... ولا احد يدري متى يعود..!!

عبدالونيس محمود الحاسي
اثينا في/ 7 ابريل 1991
________________________

1 ـ كتبت هذه القصة في ابريل عام 1991، ولكنها لم تنشر، ثم ضاعت مني اثناء التنقلات من مكان إلى آخر. وبعد تسعة عشر عاما، ومنذ حوالى اسبوعين فقط، فاجأني الأخ محمود خليفة دخيل، بأنه ما زال يحتفظ لديه بنسخة منها، مع اقتراح بنشرها، ثم بعثها الي مرفقة مع الرسالة القصيرة التالية:

"إلى الأخ المناضل/ ابو راجيا: عبد الونيس محمود الحاسي
الذي احترق رحيق شبابه بين الجدران الرطبة والأبواب الحديدية المغلقة في زنازين القذافي.
إليك..
يا من قهر الجلاد وسياطه في ابشع رحلة عذاب، في زنزانة الموت الرهيب، وقساوة ايامها القاتلة، والآم عذابها المفجعة على مدى ثمانية عشر عاما.
إليك..
مني وفاء الوفاء... وكل فخر واعتزاز
اخوك/ محمود
استكهولم في/ 25 مارس 2010

وبعد... فللأخ الفاضل محمود خليفة دخيل، جزيل شكري، وعظيم تقديري، وخالص امتناني.... بعد ان عجزت عن إيجاد كلمات أخرى في مستوى كلماته.

2 ـ قائد القوات اليونانية خلال حرب التحرير اليونانية من الاحتلال التركي التي اندلعت شرارتها عام 1821.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home