Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Tuesday, 5 February, 2008

       

خواطر في الغـربة(*) (2)

عـبدالونيس محمود الحاسي

هذا هو حالنا إذن.. وهؤلاء هم قادتنا، منذ وراثتهم لكراسي حكمهم من الاستعمارين الانجليزي والفرنسي، واستبدالهما بما عرف إذّاك، بالأنظمة العربية الوطنية المستقلة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
أتذكر الآن ـ فأنا شاهد منسي من شواهد هذا العصرـ قبل ما يزيد على ثلاثين عاما، ألقى الصديق الشاعر "راشد الزبير السنوسي" في مهرجان الشعر العربي الذي أقيم ببغداد بمناسبة الذكرى الألفية الأولى "لميلاد أو وفاة لا أدري" الشاعر العربي الكبير (أبو تمام)، شاعر المعتصم وعمورية، وصاحب القصيدة الشهيرة:
السيف أصدق إنباءا من الكتب :. في حده الحد بين الجد واللعب
وكان المهرجان في شهر اغسطس عام 1969، بعيد إحتراق المسجد الأقصى بوقت قصير. ألقى قصيدة غاضبة، خاطب فيها الحكام العرب بقوة، وسخر من هزائمهم وعجزهم وقصورهم، ولكنني لا أتذكر منها الآن شيئا، سوى عنوانها، وهو: "مللناكم طواغيتا... مللناكم". ولم تنشرها سوى صحيفة عربية واحدة، هي صحيفة المجاهد الجزائرية، في غفلة من أعين الرقيب فيما يبدو، لأن ثمن نشرها كان باهظا جدا، حيث طار رأس مدير تحرير صحيفة المجاهد الشجاع، وتم فصله من عمله، أو بالأحرى تم طرده من الصحيفة..؟!
أما صاحب القصيدة نفسه "راشد الزبير"، فقد زج به في غيهب من غياهب سجوننا العتيدة، التي يزيد عددها على عدد المدارس.. أجل.. لقد زجوا به في غياهب سجن الحصان الأسود، ليسلخ في أقبية جحيمه، أكثر من سبعة عشر عاما، هي زهرة عمره (من أغسطس 1970، وحتى مارس 1988).
هذا هو حالنا اليوم... فشلنا فشلا ذريعا، وعلى كل صعيد ـ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ـ سياسيا، وعسكريا، واقتصاديا... فحتى الثروة النفطية التي حبانا الله بها، وتأتينا جاهزة على طبق من فضة، ولا تحتاج لأي جهد، سوى ما يعرف "بعدالة التوزيع"، فحتى هذه فشلنا أو أخفقنا في توزيعها بيننا بالعدل، فاختلت التوازنات والمستويات المادية والاقتصادية في مجتمعاتنا على نحو لم يسبق له مثيل، فالفقراء يزدادون فقرا إلى حد مدقع، والأغنياء يزدادون غنى إلى حد فاحش، فتكونت طبقات وطحالب طفيلية نفطية جديدة، لم تعرف من قبل، ولم تخطر يوما ببال ماركس ولا انغلز ولا لينين..!؟

فحول كل حاكم عربي، حاشية وبطانة وتنابلة وأزلام وجلاوزة وأقرباء ومحاسيب وخدم وحجاب وأتباع وأتباع الأتباع.. و..و.. وكلها تعيش في ترف وبطر ورفاهية، وتحيا حياة بذخ وتبذير وفساد من المال العام، او الثروة الوطنية.. في حين تعيش الملايين في ضنك وسغب، وتحيا حياة البؤس والشقاء، وكأنها من طينة أخرى، أو درجة أخرى..؟!!
وفي الوقت الذي لا يجد فيه هؤلاء التعساء في وطنهم أحيانا حتى مكانا فوق السطوح المكتظة، فانتقلوا للسكنى بالمقابر، نجد الطبقات المخملية الجديدة، تتفتق أذهانها الخربة، عن أفكار عجيبة وغريبة أيضا، بسبب البطنة والتخمة، لأن هذه الأفكار أو الصرعات المنحرفة، لا تنتمى ولا تمت بصلة لمشاكلنا وهمومنا، لا من قريب ولا من بعيد..!
فهل لم يبق لدى الأمة العربية المتخلفة على كل صعيد، من محيطها الهادر إلى خليجها الثائر، والزاخرة بالأمراض والعلل، والفقر والجهل، والبؤس والشقاء، والمعبأة بالمشاكل المستعصية والمزمنة إلى حدود الإختناق، سوى مشكلة واحدة، هي إقامة معرض لاختيار أجمل كلابها طرا...؟!!

ينبري الشاعر المصري "أحمد فؤاد نجم" بشعره الشعبي اللاذع، ساخرا بطريقته الخاصة، من إقامة معرض للكلاب بالقاهرة، ويتخذ إسم (إسماعين) رمزا للمواطن المصري المضطهد والمقهور "الغلبان".. ويخاطبه قائلا:

انت فين والكلب فين
ما انت كده يا اسماعين
طب دا كلب الست يا ابني
وانت تطلع.. كلب مين..؟!!

"اسماعين" هو ذاته البائس ذو الأسمال البالية المرقعة، وهو يعقد يديه منحنيا حزينا كسيرا خلف ظهره، والذي كان يتخذه الفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل "ناجي العلي" رمزا للمواطن العربي المقموع والمغلوب على أمره..؟!

فحتى "سهى عرفات" أيها العليّ المغدور، إبنة الوطن المحتل، تعيش مترفة في باريس بينما بالكاد تجد بنات المخيمات، قوت يومهن من مفوضية غوث شئون اللاجئين..؟!!
أما ياسر عرفات نفسه، فقد رحل في نهاية المطاف، رغم الشكوك القوية التي تحوم حول صحة وفاته بصورة طبيعية.. مات عرفات أخيرا، وقبله بأيام فقط، مات أيضا الشيخ زايد بن سلطان بعد عمر طويل، وقبل ذلك، وبمدد متفاوتة، رحل عدد من حكام العرب أو قادتهم القدامى: الحسن والحسين والأسد وابورقيبة و...؟!!

هل ثمة في ذلك من غرابة..!؟
كلا.. ليس في الموت من شماتة، إنها ظاهرة طبيعية، وسوف تدركنا جميعا عاجلا أم آجلا... ولعل أكثر أسرارها غموضا، هو أنها جزء من الحياة، ونقيضها في آن معا..!؟
أما على الصعيد الوطني أو القومي، فإن المهم في موت أي حاكم، ليس هو توقيتها بلحظة الرحيل والتواري، وإنما ما قبل الموت وما بعده... أعني ما الذي فعله (الخالدون) بنا وبأوطاننا، طوال مدة حكمهم الطويلة..!؟ ومن سيخلفهم من بعدهم في مواقعهم..!؟ وعلى أي أساس ـ وهذا هو المهم ـ على أي أساس أو شرعة أو دستور أو ميثاق.. أو .. ستتم هذه الخلافة..؟!.
لن أجيب، ولكنني سأصمت، استنادا إلى القول المأثور: (إذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت أحيانا من ذهب).
سأدعوكم فقط إلى التأمل في خريطة الوطن العربي، والتفكير في كيفية تعاقب حكامنا على مواقع السلطة فيها... ودعوني اتأمل معكم.. وأنتحب في صمت..!؟.

يتبع.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

(*) سبق لي نشر هذه الخواطر بموقع "صوت الطلبعة" ، ديسمبر 2007م..


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home