Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

Sunday, 3 February, 2008

       

خواطر في الغـربة(*) (1)

عـبدالونيس محمود الحاسي

(هذه الخواطر تمت كتابتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها لم تنشر. وهي عبارة عن خواطر وتداعيات أوحى بها موت ياسر عرفات المفاجئ يوم 11/11/2004، الذي تحول إلى لغز تراجيدي غامض، ستكشف الأيام سره الدفين، عاجلا أم آجلا…!؟)..

* * *

لا أدري لم داهمني شعور غامض بالحزن، وأنا أشاهد موكب تشييع جنازة ياسر عرفات، يوم الجمعة: 12 نوفمبر 2004م بمدينة القاهرة… لا حزنا من أجل عرفات نفسه، الذي مات في الوقت القاتل كما يقولون.. أعني في الوقت الذي كانت فيه أمريكا، تبحث عن معجزة، تمكنها من تغطية الجرائم التي ترتكبها قواتها في (الفلوجة)، فجاء موته في تلك الأياويم الحالكة بالضبط، بمثابة هبة لأمريكا من السماء، إذ التفت العالم كله، نحو شخص واحد، وهو يحتضر في سريره في باريس، ونسي الآلاف يموتون في الفلوجة رمز المقاومة العربية الباسلة، وهي تحترق..؟!!

ولكنني في الواقع، ومع حضور الذكرى 87 لوعد بلفور (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، حزنت من أجل أمة أنتمي إليها، وجزء من عذاباتي من أجلها، ولا أعتقد أنها قد مرت عبر تاريخها الطويل كله، بهذه الدرجة المتدنية من الضعف والإنحطاط والفرقة والإنقسام، كما هو عليه حالها اليوم.
وما زلت أهتز بعنف، كلما تذكرت مقالا كتبته صحيفة الجارديان البريطانية، عن الأمة العربية، بعد إحتلال العراق بوقت قصير، وكان بعنوان: A Nation Of Rats "أمة من الجرذان"، رغم موقف الجارديان الرافض بشدة لأي عدوان على العراق.
وفي لحظة ما، حسبت أن القادة العرب، الذين رأيتهم في الموكب، لم يأتوا لتشييع جنازة فرد واحد، وإنما لتشييع جثمان أمة بأسرها، هي الأمة التي يتولون هم أمرها وقيادتها..!!؟

فلماذا نكبنا بهم، ولماذا أصبحنا تحت قيادتهم (أمة من الجرذان)، ولماذا صادروا حقوق المواطن العربي الذي منحها له (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، حتى امتسخ فصار جرذا..!؟
ولماذا تنتهك يوميا في أقبية أجهزتهم القمعية، حقوق الإنسان العربي، في حين أصبح العالم من حولنا يزداد تطورا ورقيا وحضارة ومدنية، ويتألق إنسانيا، ويتطلع أن يقنن حتى لحقوق الحيوان..؟!!!
لكل علة سبب، ولكل داء دواء... والله إن علتنا لتكمن في قادتنا، الذين لا يهمهم من أمرنا، سوى ترويضنا على الطاعة العمياء بشتى الطرق والأساليب، وتسخير كافة إمكانياتنا الوطنية لهذا الغرض، لكي يظل الواحد منهم يحكمنا مدى الحياة، إلى أن يهرم ويبيد ويتهرأ، وهو لا يزال متشبثا بكرسي السلطة الذي يعبده أكثر مما يعبد الله..؟!!

إن الأمر ليبدو عجيبا حقا، لدرجة أتصور معها أحيانا أنهم لا يعيشون معنا في هذا العصر المتحضر المتنور، إلا بأجسادهم فقط، أما عقولهم فهي تنتمي إلى قرون سحيقة في القدم، وغاية في الجهل والتخلف. لقد تحولت الشعوب العربية تحت حكمهم وقيادتهم، وعبر عقود متتالية من الإذلال والقمع إلى مجرد قطعان، ترتع وهي ساكتة كالسوائم... يحكموننا بنظام (البيعة) المتخلف الذي ينتمي إلى القرن السابع الميلادي، ويورثوننا لأبنائهم من بعدهم، كما لو كنا متاعا أو قطيعا من الغنم أو البقر، ومن يجأر بكلمة حق واحدة، يلجم على الفور، ويتعرض للعقاب إرهابا لغيره، وكثرة العقوبات دليل على فساد الحاكم وظلمه وعدم شرعيته...؟!!!

* * *

إن القيادة السياسية هي التي تحرك الطاقات البشرية الكامنة لدى شعبها، أو تتركها خاملة ومتبلدة أو نائمة، وهي أيضا التي تنهض بالوطن وتدفعه إلى الأمام، أو تخذله وتشده إلى الوراء..؟!!
إن التخلف السياسي ـ في تصوري ـ هو الأب الروحي لبقية التخلفات الأخرى، وليس هناك ما هو أكثر دلالة على ذلك، من حال الأمة العربية التي تقع جغرافيا في قلب العالم، مهبط جميع الأديان السماوية، وتملك تاريخا عريقا، وتراثا حضاريا لا يدانى، كما تملك طاقات بشرية عظيمة، وثروات طبيعية ومادية هائلة.. ومع ذلك، ورغم الذهب الأسود المتدفق من أرضها يوميا، بملايين البراميل، فإن الفقراء والجياع بعشرات الملايين، ولا يتوفر نظام إحصائي جيد ودقيق، يبين نسبة الأمية المخيفة بنوعيها المنتشرة في جميع أنحاء الوطن العربي:
1ـ أمية الحرف، أو الأمية الأبجدية كما تسمى أيضا.
2ـ الأمية الثقافية والفكرية والذهنية بصفة عامة.
وما زال المواطن العربي، حتى هذا اليوم من العام الرابع للألفية الثالثة، يموت بمرض السل، ويصاب بالعمى أو فقدان البصر، بسبب مرض التراكوما..!!؟

والإنسان الجائع أو الجاهل أو المريض، هو إنسان ناقص، لأنه يعاني من العجز والقصور. إن الإنسان لا يعطي ويبدع ويتألق، إلا إذا تجاوز مثلث الرعب: (الفقر والجهل والمرض)، وأصبح في أمان من شبح الخوف منه. ولهذا، نحن الآن أمة في الحضيض، وتعاني من الإفلاس الحضاري على نحو مريع، لا تملك ما تقدمه للحضارة البشرية المعاصرة من إسهامات أو إبداعات، أو حتى مشاركات إيجابية فعالة... نحن الآن أمة تأخذ ولا تعطي، وتعيش عالة على عطاء الآخرين وإنجازاتهم وإبداعاتهم في كل شيء..!؟

وحتى عندما توفرت لها عوامل التطور والتقدم وبناء الرقي، بتوفر أهم العناصر التي تمكنها حتى من بناء حضارة قوية وعظيمة، وهي: التراث الحضاري، والثروات الطبيعية، والطاقات البشرية، لم يقيض لها الله القيادات السياسية الفاعلة والقادرة على تفجير طاقاتها الخامدة، وقدراتها الخلاقة، والمؤهلة لفهم ظروفها، واستيعاب حقائق أوضاعها، ومعرفة ما لديها من إمكانيات كبيرة، وكيفية توظيفها ولإستفادة منها لمصلحة شعوبها وأوطانها..!!؟

والسبب، هو أن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، لا تملك حرية اختيارهم، وإنما يفرضون أنفسهم عليها فرضا، إما وراثيا أو إنقلابيا، فهم ليسوا كفاءات الأمة، ولا صفوة عقولها، ومعظمهم لا يملك حتى الحد الأدنى لمؤهلات القيادة..!؟ فكيف يستقيم والظل ـ تقول العرب ـ والعود أعوج.. أعني كيف تستقيم أمورنا، وتصلح أحوالنا، بهكذا نماذج من حكام...!!؟.

يقول الشاعر أحمد مطر ساخرا:

دولة إذا مسها الكبريت طارت
حاكم إذا مسه الدبوس فشـــــا
هل رأيتم بعد هذا الغش غشــا..!!؟

سأكتفي هنا باختصار، بالإشارة إلى هذا التصريح:
في مقابلة بقناة الجزيرة القطرية، في وقت سابق من هذا العام، مع رئيس إتحاد العمال العرب، قال: "بأنه لو استثمرت عشرة في المائة فقط من الأموال العربية، المودعة الآن في البنوك الأمريكية والأوربية، أو المستثمرة هناك بشكل أو بآخر، لو استثمرت عشرة بالمائة فقط منها في الوطن العربي، لوفرت خمسة عشر مليون فرصة عمل، للعمال العرب الذين يتضور بعضهم الآن جوعا..!!؟". إنتهى التصريح.

ولنا أن نتصور الحال، فيما لو استثمرت في الوطن العربي أيضا، الـ 90% الأخرى..!؟

يتبع.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

(*) سبق لي نشر هذه الخواطر بموقع "صوت الطلبعة" ، ديسمبر 2007م..


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home