Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

الخميس 2 أبريل 2009

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة (الأخيرة)

العقيد ركن عبد العزيز الشلحي...
لماذا فشل في إحباط إنقلاب سبتمبر؟!
(1)

عـبدالونيس محمود الحاسي

( الحلقة الأولى )



تمهيد :

غيب الموت في الأيام الماضية، شخصية وطنية ليبية، هو: المرحوم العقيد ركن عبد العزيز إبراهيم الشلحي، مدير التدريب العسكري بالجيش الليبي، إبان العهد الملكي.
ومن منظور عام، وعلى صعيد وطني خالص، وهو الجانب الذي يهمنا في حياته وفي شخصيته، بعد رحيله، فإن الرجل، كعزيز قوم ذل، بلا رحمة... قد ظل يتجرع المرارة في صبر الرجال ووقارها، وفي صمت الصقور وتحملها وهدوئها، لما يقرب من أربعين عاما... تماما كما تجرعها معه في نفس الوقت، المقدم موسى أحمد، لأنهما شربا من كأس واحد، فتقاسما نفس المصير على نحو متقارب... الفرق بينهما ـ وهو فرق جوهري وكبير بلا جدال ـ هو أن المقدم موسى أحمد، هو الذي قاد إنقلاب سبتمبر الذي ما كان له أن يحظى بأدنى نسبة من النجاح ـ وخاصة في إقليم برقة ـ لولا قيادته له، فكان هو السبب الرئيسي والمباشر، في نجاح الإنقلاب، على صعيد ليبيا بصفة عامة... في حين كان العقيد عبد العزيز الشلحي، سببا آخر ـ غير مباشرـ في نجاح إنقلاب سبتمبر، وإن شئنا الدقة، في عدم إحباطه، والقضاء عليه في مهده، بعد أن وصلته معلومات مؤكدة، لا يرقى إليها الشك، في مذكرة خضراء، إلى داره أو بيته بمدينة طرابلس، قبل وقوع الإنقلاب بحوالى ستة أشهر كاملة، ولكنه ـ رحمه الله ـ إستخف بالإمر، واستهان بفكرة الإنقلاب والإنقلابيين، وعدم قدرتهم على القيام بأي شيء، فلم يقم لهم وزنا، ولم يحرك ساكنا، حتى كان أول من تم إعتقالهم بمدينة طرابلس، في فجر يوم الإنقلاب، وحتى قبل إعتقال الأمير الحسن الرضى ولي العهد ونائب الملك إدريس الذي كان خارج البلاد في تلك الأيام...؟!!.
فمن هو هذا الرجل.. من هو العقيد الركن عبد العزيز الشلحي، ولماذا ساهم، أو لنقل، لماذا إستهان إلى هذا الحد بالأمر، أو بفكرة وقوع الإنقلاب في ليبيا في ذلك الوقت، والقدرة على تنفيذه، حتى وقعت الفأس في الرأس، وحدثت الكارثة..؟!
أجل من هو...؟!

من هو..؟

• هو الإبن الثالث لأول ناظر خاصة ملكية بعد الإستقلال، وأمين أسرار الملك محمد إدريس السنوسي، وموضع ثقته الكاملة... ألا وهو المرحوم إبراهيم صالح الشلحي الذي اغتاله الشريف محي الدين السنوسي، أمام الديوان الملكي بمدينة بنغازي عام 1954، في قضية خلاف داخل العائلة السنوسية، ليس هذا مجال الحديث عنها.
• إعتبر الملك إدريس، عملية الإغتيال، كتضحية من جانب السيد إبراهيم الشلحي من أجله، أو دفاعا عنه وعن عرشه، فتبنى أولاده الثلاثة (البوصيري وعمر، وعبد العزيز)، واعتبرهم بمثابة ابنائه، خاصة وأنه قد حرم من الإنجاب.
• عين الملك إدريس الإبن الأكبر البوصيري إبراهيم الشلحي، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، مكان أبيه، كناظر للخاصة الملكية، ولكنه ـ أي البوصيري ـ ما لبث أن مات في حادث مرور، على الطريق الساحلي، بالقرب من مدينة اجدابيا، عام 1964.
• عين الملك إدريس الإبن الثاني، عمر إبراهيم الشلحي، في نهاية عام 1968، مكان شقيقه البوصيري، كناظر للخاصة الملكية، أو كمستشار خاص له، وبعد أقل من عام واحد، أطاح الإنقلاب العسكري في الأول من سبتمبر عام 1969، بالنظام الملكي في ليبيا.

* * *

نبذة عن حياته :


• أما الإبن الثالث عبد العزيز إبراهيم الشلحي ـ موضوع حديثنا ـ فهو من مواليد عام 1937 بمصر، حيث كان والده مرافقا للأمير محمد إدريس السنوسي الذي كان يعيش في المنفى بمصر، وقد إختار عبد العزيز حياة الجندية، أو المجال العسكري، حيث أرسل مع مجموعة من الطلبة، للدراسة بالكلية الحربية المصرية، في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.
• من بين الطلبة الذين كانوا معه، أو من دفعته بالكلية الحربية المصرية، وصاروا فيما بعد قيادات عليا في الجيش، في مواقع مختلفة:
العقيد الركن عون ارحومة اشقيفة، مدير الحركات العسكرية، والعقيد الركن حسونة عاشور، مدير التجهيزات العسكرية (العينة)، والعقيد الركن صالح الصبيحي، مدير الإدارة العسكرية، والعقيد الركن، رمضان صلاح، ممثل الجيش الليبي في القيادة العسكرية العربية الموحدة في القاهرة، والعقيد الركن طاهر أبوقعيقيص (آمر كتيبة)، والعقيد مفتاح الباح (آمر كتيبة)، والعقيد محمد التومية، والعقيد أحمد بن فايد، والعقيد سعد الدين بوشويرب، الذي إستقال من الجيش، قبل نحو سنتين من وقوع الإنقلاب، ولكن الإنقلابيين، أذاعوا إسمه في الساعات الأولى للإنقلاب، كرئيس لأركان الجيش الليبي، تضليلا وخداعا للرأي العام داخل ليبيا وخارجها...؟!
• بعد تخرجه من الكلية الحربية المصرية عام 1957، عمل في عدة وحدات عسكرية كضابط صغير، متنقلا بين الولايات الثلاث (برقة وطرابلس وفزان).
• بعد سنوات من العمل الميداني، وتدرج في الرتب العسكرية، تأهل للدراسة بكلية الأركان الأردنية، التي تخرج منها بتقدير جيد، وتحصل على شهادة الأركان، وعلى قدم ممتاز لمدة سنتين، كضابط ركن مؤهل وقدير.
• في منتصف الستينيات من القرن الماضي، تم تعيينه مديرا لمديرية التدريب العسكري، حيث أشرف وأدار عدة تمارين عسكرية (مناورات عسكرية)، كانت ناجحة جدا، ونالت تقدير المشتركين والمراقبين، ورفعت من مستوى الاداء العام في الجيش ومن مستوى قدرات الوحدات العسكرية المقاتلة، وكذلك الأسلحة الساندة والصنوف، والوحدات الإدارية.
• كان ضابطا محترفا وكفؤا، وملتزما بصلاحيات منصبه العسكرية، يؤدي واجباته، ويعرف حقوقه، دون أن يتجاوزها، ولم يعرف عنه أنه استغل وضعه كإبن للملك إدريس، من أجل الحصول على منصب أعلى، أو رتبة عسكرية أعلى في الجيش، أو من أجل الحصول على معاملة خاصة، أو عناية خاصة، أو إمتيازات مادية أو معنوية خاصة من أي نوع.
كما كان يفرق بين صلاحيات عمله، كرجل عسكري في الجيش، وبين المهام الخاصة الإستثنائية التي كان الملك إدريس يكلفه بها، من حين إلى آخر، وخاصة إلى خارج البلاد، كمبعوث شخصي له، أو يحمل رسائل خاصة، إلى رؤساء الدول العربية والأجنبية.
• بعد وفاة شقيقه (البوصيري) الذي ترك أطفاله وارملته الإنجليزية، ومن أجل رعاية أطفال أخيه، وحتى لا تعود بهم أمهم إلى بريطانيا، وجد أنه من الأفضل أن يتزوجها، وبعد الزواج إنتقلت للسكن معه في مدينة طرابلس، حيث مقر علمه بمديرية التدريب العسكري، بأحد معسكرات باب العزيزية القريب من المستشفى العسكري في ذلك الوقت.
• بعد الإنقلاب، مكث بسجن الحصان الأسود بطرابلس، حوالى سبع سنوات، من ساعة إعتقاله في الأول من سبتمبر عام 69، وحتى أغسطس عام 1976، دون أي ذنب جناه، وليس لدى كاتب هذه السطور الذي كان يتواجد معه في نفس السجن، أي تفسير لذلك، سوى وفائه وموقفه الشهم أثناء محاكمة الملك إدريس غيابيا، في ما كانت تسمى (محكمة الشعب)، التي ترأسها الرائد بشير هوادي، عضو مجلس الإنقلاب، وتولى فيها النقيب عمر المحيشي، عضو مجلس الإنقلاب، مهام المدعي العام، حيث أحضر العقيد عبد العزيز الشلحي إلى المحكمة، ليكون شاهدا على فساد الملك إدريس، وفساد القصر الملكي بصفة عامة، ولكنه أقسم ألا يشهد إلا بالحق، في أنه لم يشاهد فسادا في القصر الملكي، وأن الملك إدريس كان ولا يزال بمثابة والده بالفعل، وأنه كان رجلا صالحا ورعا تقيا، وفي اليوم التالي وجد وضعه في المحكمة قد تغير تماما، من خانة الشاهد (1)، إلى خانة المتهم، حيث فوجئ على نحو مباغت، ودون بلاغ سابق، بالزج به في قفص الإتهام... ليس هذا فحسب، بل إن العقيد عبد العزيز الشلحي، قد ظلم وكوفئ بجزاء سنمار لا يستحقه، من قبل طغمة إنقلاب سبتمبر الظالمة ـ كما سيتضح بعد قليل ـ من كونه كان على علم تام بتنظيمهم المسمى (حركة الضباط الوحدويين الأحرار)، ومع ذلك لم يتعرض لهم بأي سوء، أو يصبهم منه أي أذى.
• ليس لدى كاتب هذه السطور، معلومات دقيقة ـ خاصة أو عامة ـ عن المرحوم عبد العزيز الشلحي، بعد الإفراج عنه من السجن، في إغسطس عام 1976، سوى أن الإقامة الجبرية قد فرضت عليه في بيته، وكذلك عدم السماح له بمغادرة البلاد، لمدة 12 سنة، أي إلى مارس عام 1988، حين تم الإفراج عن بعض السجناء السياسيين، في مسرحية تهديم بوابة السجن، وأناشيد (أصبح الصبح)، حيث كنت واحدا من بين المفرج عنهم، ولكنني ما لبثت غير ستة أشهر، ثم غادرت ليبيا نهائيا يوم 14 سبتمبر عام 1988، ومنذ ذلك التاريخ، لم أسمع ولم أعرف أي شيء عن العقيد عبد العزيز الشلحي، حتى سمعت خبر وفاته المفاجئ يوم الجمعة الموافق 6 مارس 2009، رحمه الله وطيب ثراه.

* * *

التنظيمات العسكرية السرية في الجيش.. وأسبابها..؟! :

من الأمور الشائكة والمعقدة التي أصبحت في الآونة الأخيرة، أجد صعوبة وحرجا في الحديث عنها، هي وجود التنظيمات العسكرية السرية في الجيش الليبي، خلال العهد الملكي، وخصوصا في نهاية الستينيات من القرن الماضي... فعندما تذكر لمحدثيك وجود خمسة أو ستة(2) تنظيمات عسكرية سرية في الجيش، في ذلك الوقت، فإنهم يستغربون وجود مثل هذا العدد الكبير، في جيش صغير نسبيا، كالجيش الليبي، أما عندما تقول لهم، بأنها كانت معروفة لدى الكثيرين، سواء داخل الجيش أو خارجه، فإنهم يصابون على الفور بالدهشة والذهول، وعدم التصديق، وربما التكذيب أيضا، ولكن في قرارة نفوسهم..؟!!.
فمن لي بإنسان لم يكن داخل الجيش في تلك الفترة، حتى يتصور الأوضاع السائبة والسائدة على حقيقتها في تلك الأيام، لدرجة جعلت معها ضابط إستخبارات عسكرية ـ مثلا ـ مؤتمنا على أسرار جيشنا، هو الرائد (عوض خفاجة)، يذهب إلى مصر متطوعا، ليقدم معلومات مخابراتية ثمينة بالمجان، إلى المخابرات المصرية، ثم تتم معاملته، كما لو كان قد إرتكب خطأ إداريا بسيطا، ليس إلا...؟!!.
وهذا التسيب لم يكن سائدا في المؤسسة العسكرية وحدها، بل كان سائدا في جميع المؤسسات المدنية، والإدارات الحكومية، ويضرب أطنابه في جميع مفاصل الدولة، التي أصيبت بالترهل والشيخوخة المبكرة، وأصبحت قبضتها الأمنية ضعيفة ومرتخية، إلى حدود تفوق التصور... وبدا نظام الحكم الملكي، في نظر الكثيرين، كما لو كان رجلا مريضا لا أمل في شفائه، ويجب إستبداله أو إستئصاله، أو التخلص منه بأي شكل من الأشكال...؟!.

إن أي دارس أو باحث أو محلل سياسي، يريد أن يحكم على الأمور أو الأوضاع السياسية في ليبيا، قبل أربعين سنة، أيام الحكم الملكي، بما يراه أو يشاهده في ليبيا اليوم، من أمور أو أوضاع خانقة، غاية في الكبت والقمع والإضطهاد، سيقع في خطأ كبير لا محالة، ويصبح هو في واد، والحقيقية في واد آخر... لأنه لا مجال للمقارنة على الإطلاق، بين حكم اللين إلى درجة الميوعة، والتسامح بغيرما حدود، والطيبة المفرطة إلى حد السذاجة أيام الحكم الملكي، وحكم البطش والطغيان والإستبداد والإرهاب وسفك الدماء، أيام حكم الإنقلاب العسكري.
فليبيا، حين إنتقلت من حكم العهد الملكي، إلى حكم الأنقلاب العسكري، إنما إنتقلت ـ في الواقع ـ وبين يوم وليلة، من الضد إلى الضد، أو من النقيض إلى النقيض..؟!.
فذلك اللين، وذلك التسامح، وتلك الطيبة أيام الحكم الملكي، هي التي شجعت التنظيمات العسكرية السرية الخمسة أو الستة ـ بما فيها تنظيم العقيد الركن عبد العزيز الشلحي ـ على العمل والتنظيم... وهي التي جعلتها (كما ذكرت في برنامج حوارات عن الجيش الليبي، مع الاستاذ عبد المنصف البوري، بالإذاعة الليبية في المهجر، إذاعة أمل). فيما يشبه حالة سباق (ماراثون) فيما بينها، نحو دار الإذاعة الليبية، لإلقاء بيانها الأول قبل غيرها... وهي التي جعلت (صعلوكا) متشردا من فيافي سرت القاحلة، مثل معمر بو منيار القذافي، يصل إلى السلطة، ويتربع على قمتها.. وهي ذاتها التي جعلت ـ هذا الصعلوك ـ يستخلص الدرس المستفاد، من تلك القبضة الأمنية الضعيفة المرتخية التي أوصلته إلى السلطة، فيضرب بقوة وبسرعة وبصرامة وبلا هوادة، وبقبضة من حديد، ويذبح من الوريد إلى الوريد، كل من تسول له نفسه مجرد الإقتراب من سلطته التي إنتزعها بمنتهى السهولة، من الأيدي الناعمة للواجهات الهشة، في غفلة من الزمان، وأهل ذلك الزمان..؟!

يتبع...

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

1ـ خلال محاكمتنا في المحكمة العسكرية الخاصة الأولى، برئاسة الرائد محمد نجم عضو مجلس الإنقلاب في شهر مارس عام 1970، تم تحويل الملازم الشجاع سليم الحجاجي من شاهد إلى متهم، بعد أن رفض أن يشهد ضد النقيب عمر الواحدي، وضد كاتب هذه السطور، وقد حكم عليه بثلاث سنوات سجن ظلما، مع عقوبة تبعية هي الطرد من الجيش.
2ـ التنظيمات العسكرية ذكرتها بشيء من التفصيل، في برنامج "حوارات عن الجيش الليبي"، مع الاستاذ عبد المنصف البوري، بالإذاعة الليبية بالمهجر (إذاعة أمل).


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة (الأخيرة)

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home