Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelwanis Mahmoud el-Hasi
الكاتب الليبي عبدالونيس محمود الحاسي

الأحد 1 مارس 2009

أول مواطن ليبي يرفض الإنقلاب

عـبدالونيس محمود الحاسي

إطلعت على مقال"مسلسل بلا نهاية"، المنشور بموقع ليبيا المستقبل وكذلك بموقع ليبيا وطننا، بنفس التأريخ، وهو يوم الإثنين الموافق 9 فبراير 2009. وهو بقلم الأخ (أبو أحمد ـ الولايات المتحدة).
وما يهمني في ذلك المقال، هي الفقرة الأخيرة، حيث يقول الأخ أبو أحمد في نهاية مقاله، ما نصه حرفيا ـ بما فيه من أخطاء إملائية ونحوية، وجل من لا يخطئ ـ يقول:
(ولنستمطر شآبيب الرحمة والغفران، على روح المعارض الليبي الأول الإذاعي القدير أبو القاسم بن دادو رحمه الله الذي رفض قرأة بيان الإنقلابيون الأول وذاق بسبب ذلك ما ذاقه).
وفي الحاشية رقم (4) لمقاله، يقول الأخ أبو أحمد ما يلي:
(أبو القاسم بن دادو هو المذيع الذي رفض الإنصياع لأمر القذافي بقراءة بيان العسكر الأول وليس الإذاعي المهدي الجلـّي رحمهما الله كما ورد في بعض المقالات المنشورة على الصفحات الالكترونية).
وفي تعليقات القراء على مقال الأخ أبو أحمد، بموقع ليبيا المستقبل، يقول القارئ الأخ/ شمس الدين الحاج، في معرض تعليقه ما يلي:
(ثانيا: روايتك حول إذاعة البيان الأول وبأن الذي رفض إذاعته هو المرحوم أبو القاسم بن دادو وليس المرحوم ألمهدي الجلي رواية صحيحة مائة بالمائة وهو ما حدث بالفعل فأنا شخصيا أعرف المرحومين الإثنين معرفة شخصية وثيقة رحمهم الله وبارك فيك على إحقاق الحق وإعطاء كل ذي حق حقه. مرة أخرى لك كل الشكر والتقدير.)

* * *

هذا ما جاء في مقال الأخ أبو أحمد، وبالحاشية رقم (4) لمقاله، وكذلك في تعليق القارئ الأخ شمس الدين الحاج، حول عدم صحة معلوماتهما ـ رغم المائة بالمائة ـ فيما يتعلق بالمذيع الذي رفض قراءة بيان الإنقلاب الأول.

بداية، أود أن أذكر القراء الكرام، بأنني تحدثت عبر إذاعة صوت الأمل، دار الإذاعة الليبية بالمهجر، عن خمسة مواقف شجاعة ومجهولة، لمذيعين وإعلاميين ليبيين، هم: (المهدي الجلي، وعبد القادر طه الطويل، وحليمة الخضري، وأبو القاسم بن دادو، والطاهر ارحومة)، دون أن أعرف أيا منهم، معرفة شخصية، أو تربطني بأحدهم رابطة خاصة، اللهم إلا الرابطة الوطنية التي جعلتني أعرفهم موضوعيا، من خلال مواقفهم الوطنية الجسورة، بعد محاولات من البحث والتقصي.
كان ذلك قبل نحو سنتين، أي في بدايات عام 2007، والأستاذ المرحوم المهدي الجلي لا يزال وقتها على قيد الحياة، كما كان ذلك ـ حقيقة ـ بدفع وتشجيع من الاستاذ الفاضل/ عبد المنصف البوري، جزاه الله عن جهوده الوطنية كل خير. وهي موجودة ضمن تسجيلات إذاعة صوت الأمل (ارشيف صوت الأمل) بموقع الاستاذ حسن الأمين (ليبيا المستقبل ).
وفي وقت لاحق من نفس العام 2007 قمت بتحويل النص المسموع كتابة، بناءا على إقتراح من الدكتور عبد الحفيظ بن صريتي والاستاذ مفتاح لملوم، تعميما للفائدة، حيث قمت بنشره تباعا على حلقات، تحت عنوان (لكي لا ننسى) بموقع صوت الطليعة بتاريخ 29 اكتوبر 2007، ثم بموقع ليبيا وطننا بتاريخ 8 يناير 2008.

ولكن الأخ/ أبو أحمد، في سياق إعتراضه على المذيع المهدي الجلي، الذي رفض قراءة بيان الإنقلاب بالفعل، وترجيحه ـ دون دليل ـ للمذيع أبو القاسم بن دادو، جعل الأمر أكثر غموضا وإبهاما، عندما أشار للموضوع بصورة عامة، وعلى نحو عابر، هكذا: (كما ورد في بعض المقالات المنشورة على الصفحات الالكترونية).
هكذا... بصورة مبهمة، فلا عناوين مقالات، ولا تواريخ، ولا ذكر لمواقع الكترونية، ولا حتى لإسم الكاتب الذي عليه أن يتحمل مسئولية ما يكتبه.
وكذا فعل الأخ/ شمس الدين الحاج، حين نسج على نفس المنوال غير الواضح أيضا...
ولا أدري لماذا...؟ ولا ما هو السبب حقيقة على وجه اليقين...؟!

* * *

وعلى أية حال... القضية هنا، ليست قضية مفاضلة، بين المهدي الجلي وأبو القاسم بن دادو، فكلاهما مذيع قدير وجيد، وكلاهما له موقف وطني شجاع، يستحق من أجله، الإشادة والثناء والتقدير، ولكن القضية تتركز بالضبط، في معرفة الحقيقة التي ربما تكمن في سجلات الإذاعة الليبية ببنغازي ـ إن وجدت بعد أربعين عاما ـ لنعرف من خلال جداولها وبرامجها، من هو المذيع المناوب صبيحة يوم الإثنين الموافق 1 سبتمبر 1969، لكي يقرأ نشرة الأخبار الصباحية، في تمام الساعة السابعة، حيث يفاجأ بدخول الملازم معمر القذافي، وبعض من كان معه من ضباط الإنقلاب، إلى داخل استوديوهات الإذاعة، وحين يؤمر ذلك المذيع المناوب، بقراءة بيان الإنقلاب الأول، يرفض الإنصياع للأمر بهدوء وشجاعة...؟!

بالنسبة لي، فقد عدت من مصر يوم 3 سبتمبر 1969، أي في اليوم الثالث للإنقلاب، بناءا على أوامر رئاسة الأركان العامة، بعودة جميع منتسبي الجيش المجازين، وإلتحاقهم بوحداتهم العسكرية فورا، حيث عايشت بعدها الأحداث بنفسي، وصرت على إطلاع بكل ما يجري.
أول من حدثني عن موقف الجلي، هو صديقي وابن دفعتي بالكلية العسكرية، النقيب سليمان محمد الرفادي الذي اشترك في الإنقلاب كآمر سرية مشاة بكتيبة المشاة الثالثة، بمعسكر الابيار، حيث قامت الكتيبة الثالثة بالسيطرة على مخازن ذخيرة الجيش الرئيسية بمرتفعات الرجمة، وكذلك على معسكر القوة المتحركة القريب من مطار بنينة.
وفي وقت لاحق، كنت مع النقيب عبد الكريم عبد ربه والملازم حسين مصطفى، في زيارة إلى ثكنة الكلية العسكرية، حيث كنت أعمل قبل الإنقلاب، وذلك بعد صدور قرار بالغاء الكلية العسكرية الليبية، وتحويل طلبتها للدراسة بالكلية الحربية المصرية، وتحويل ثكنة الكلية العسكرية (في بوعطني) ببنغازي، إلى معسكر لوحدات الصاعقة الجديدة، بإمرة الملازم عبد الفتاح يونس المزيني، ومعه مجموعة من الخبراء والمستشارين العسكريين المصريين، في مجال قوات الصاعقة.
ولما كان الملازم عبد الفتاح يونس، قد تولى في الشهور الأولى للإنقلاب، الإشراف على الإذاعة الليبية في بنغازي، فقد سألته في ذلك اليوم، سؤالا مباشرا عن رفض المهدي الجلي لقراءة البيان الأول... فأجاب بالإيجاب، ولكنه حاول أن يتهرب من الحقيقة، فاستبدل كلمة الرفض، بعامل الرهبة والخوف، لا أكثر ولا أقل، على حد قوله كما أتذكر..؟!!
ومازلت أتذكر أيضا، أن الملازم حسين مصطفى، سأله عن سبب طرده، للمطرب محمد صدقي من الإذاعة..؟ فقال الملازم عبد الفتاح يونس: (لأنه غنى في فرح عمر الشلحي)..؟!!!. وكان فرح عمر الشلحي، قد أقيم بمدينة بنغازي، قبل وقوع الإنقلاب ببضعة أشهر..؟!!.
أما داخل السجن، فقد حدثنا المقدم آدم الحواز، أول وزير دفاع بعد الإنقلاب، الذي كان يتحرك في اليوم الأول للإنقلاب، بين مبنى إذاعة بنغازي، ومعسكر قاريونس، حيث توجد الأجهزة اللاسلكية، لمنظومة المخابرة الجديدة، من أجل تأمين الإتصالات اللاسلكية، بين الوحدات المتحركة، بعد قطع جميع الاتصالات السلكية والتلفونات، وخاصة بمبنى البريد الرئيسي، في كل من طرابلس وبنغازي.
حدثنا الحواز بشيء من التفصيل، منذ دخولهم على المهدي الجلي، وهم في حالة إرتباك وتردد وفوضى، إلى أن أخرج الملازم معمر القذافي الورقة المكتوب فيها البيان من جيبه، ثم مد بها يده نحو الجلي، وطلب منه أن يقرأ هذا البيان على الشعب الليبي، ولكن المهدي الجلي لم يمد يده لإستلام الورقة، بل اعتذر بهدوء، عن قراءة أي شيء، لا يدخل ضمن واجباته الملكف بها.
ونظرا لعدم وجود أي مذيع آخر، في تلك الساعة المبكرة، داخل مبنى الإذاعة، وجد الملازم معمر القذافي نفسه مضطرا لقراءة بيان الإنقلاب بنفسه، وبصوته الكريه الزاعق، ونطقه الركيك المخجل لمفردات اللغة العربية، لدرجة جعلت معها إذاعيا تونسيا، يقول عنه بعد أحداث مدينة قفصة عام 1980، ما يلي:
(عندما سمعنا بيان الإنقلاب، احسبنا أن الشخص اللي ألقى البيان، هو شخص أمي، لا يعرف القراءة ولا الكتابة).

* * *

هذا عن المذيع المهدي الجلي... فماذا عن المذيع أبو القاسم بن دادو..؟
وهل أستنجد الآن بذاكرة الكثيرين، من الذين حضروا أو شاهدوا على شاشات التلفزيون، أول خطاب يلقيه القذافي ـ بعد أن صار عقيدا ـ في الذكرى السنوية لاستشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، يوم 16 سبتمبر 1969، حيث أقيم الإحتفال، أمام ضريح عمر المختار* بمدينة بنغازي، وحيث تولى المذيع الأسمر أبو القاسم بن دادو، التعليق على فقرات الإحتفال، وهو يردد ـ من حين إلى آخرـ بصوته الجهوري المجلجل: (أيها الشعب الليبي العظيم..)، كما قام بتقديم أصحاب الكلمات التي ألقيت في ذلك الإحتفال الذي أختتم بخطاب القذافي.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن... لو كان المذيع أبو القاسم بن دادو، هو الذي رفض قراءة بيان الإنقلاب الأول، فهل سيسمح له القذافي، بتقديمه للشعب الليبي، لأول مرة، وفي أول خطاب يلقيه بعد نجاح الإنقلاب..؟!!

أترك الإجابة لتقدير القراء الكرام، ولحضرات الذين حضروا أو شاهدوا ذلك الإحتفال..؟!!.
أما لماذا سجن أبو القاسم بن دادو، فقد ذكرت السبب في الموقف الشجاع الرابع، من مواقف الإعلاميين الليبيين الخمسة، تحت عنوان (لكي لا ننسى) كما ذكرت آنفا.
وليس لدي الآن ما أضيفه، سوى القول، بأنني قد حصلت على معلوماتي عن المذيعين: (أبو القاسم بن دادو والطاهر ارحومة)، من مجموعة من السجناء السياسيين الذين زج بهم في سجن الكويفية، خلال حملة الإعتقالات الواسعة، بعد خطاب زوارة في أبريل عام 1973، بتهمة الحزبية والمرضى وبقية التهم الملفقة...؟!
حيث تواجدت تلك المجموعة في سجن الكويفية، مع (أبو القاسم بن دادو والطاهر ارحومة)، قبل نقلهم ـ أي نقل تلك المجموعة ـ من سجن الكويفية ببنغازي، إلى سجن الحصان الأسود بطرابلس، إنتقاما منهم بعد أن تمكن أحدهم، وهو المناضل ابراهيم عميش، من الهروب من سجن الكويفية..؟!.
من بين تلك المجموعة، أو بالأحرى تلك الكوكبة من الرجال المناضلين الشجعان:
الأخوان عبد العاطي وعبد الغني خنفر، وعبد الجليل الزاهي، وأحمد الشيخ، ومحمد حسن المنفي، وعمر المختار الوافي، والدكتور محمد المفتي، وفرج محمد الصالح، ومحمد بوسريرة، وأحمد فنوش، والمبروك الزول، والمقصبي... وغيرهم.
أما المهدي الجلي، فلم يعتقل، ولم يدخل السجن إطلاقا، ولكن تم تهميشه، وإبعاده عن قراءة نشرات الأخبار، وعن البرامج الرئيسية، إلى برامج جانبية هامشية أو ثانوية بالإذاعة...؟!!

* * *

وأخيرا.. لا يخالج كاتب هذه السطور أدنى شك، بأن المذيع الليبي الذي رفض بشجاعة، أن يقرأ البيان الأول لإنقلاب سبتمبر عام 1969، إنما هو : المربي الفاضل، والمذيع الراحل (المهدي محمد الجلي)، لينال عن جدارة واستحقاق، وبدون منازع، لقب :

( أول مواطن ليبي يرفض الإنقلاب )

وإذا كان المذيعان المهدي الجلي وأبو القاسم بن دادو، قد انتقلا إلى رحمة الله، فإن أسرتيهما موجودتان معنا، وسيكون في إمكانهما يوما، أن يتكلما بصوت عال، لنسمع منهما الحقيقة التي ننشدها جميعا بلا شك..؟! فضلا عن وجود عدد من زملائهما المذيعين والمذيعات، الذين يعرفون الحقيقة أيضا، من أمثال:
فرج الشريف، وعبد الفتاح الوسيع، وعلي أحمد سالم، وسالمة الحمري، ومحمد المهدي، وفتحية العمامي... وغيرهم. فالحقيقة لا يمكن أن تظل مجهولة إلى ما لا نهاية، أو أن تختفي إلى الأبد.

عبدالونيس محمود الحاسي
________________________

* لقد تم تهديم ضريح عمر المختار، بأوامر من العقيد معمر القذافي، بعد نفيه لرفاته إلى قرية (سلوق) الصحراوية، لكي لا يظل رمزا وطنيا، يحث على النضال والتضحية، ومنارة داخل مدينة بنغازي، تتجمع حولها المشاعر الوطنية، ضد نظام حكمه الفاشي، وظلمه وطغيانه، كما أمر بتهديم مبنى المحكمة الذي حوكم فيه عمر المختار بمدينة بنغازي، حتى لا يبقى صرحا أثريا تاريخيا، يذكر الأجيال القادمة، بالمحاكم الصورية الظالمة، وأعواد المشانق، والإعدامات الوحشية التي مارسها الطليان، لأنها نفس الجرائم البشعة، التي ارتكبها نظام حكمه الإرهابي، في حق أبناء شعبنا.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home