Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير

Friday, 24 November, 2006

إصلاح دونما ملامح واضحة.. الثقافة أولاً

أمارير

Azzul ghefwin :
آزول غفون :
السلام عليكم :

إن الحديث المضطرد عن ملامح حركة إصلاحٍ متسارع يعمّ ليبيا تحت شعار ـ من أجل ليبيا الغد ـ ، يظل مجرد لغطٍ لن يأتي أكله ، لا لأنه غير واقعيٍ أو لأنه لا يستند على أرضيةٍ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ صلبة تعين السائرين في هذا المسار ـ الإصلاحي ـ فقط ، بل لأن هذا الإصلاح لم يتبنى إصلاح ـ الإنسان ـ ، بقدر ما وضع جلّ جهده في إصلاح ـ الحجر ـ ، نحن حقاً نعيش عالماً مقلوباً ، منذ استبدلنا التراب بالحجر .

الثقافة تعريفاً ، هي مجموعة من الممارسات و المعارف في عملية ( تنميةٍ ) للعقل ، فهي صفة الشخص المتعلم ، الذي أنمى ذوقه ، إحساسه ، حكمه ، و هي أيضاً ـ التربية ـ بحد ذاتها التي تعمل من أجل إكساب المرء للصفات الأنفة ذكراً ـ النمو العقلي ، الإدراكي و الحسي ـ ، من أجل تكوين شخصية الإنسان ، و تحويله من قردٍ بدائيٍ لا يعي أكثر من غريزته ، الى إنسانٍ يعي جلّ إنسانيته .

و تستخدم كلمة ( ثقافة ) مرادفاً لكلمة ( حضارة ) ، في معنيين اثنين ، ذاتي بمعنى ثقافة العقل الإنساني المنفرد ، و موضوعي بمعنى الأحوال الاجتماعية و المنجزات الفكرية و العلمية و التقنية و أنماط التفكير ، القيم السائدة في مجملها ، أي بمعنى أنها تعني كل القيم الاجتماعية التي يتداولها الناس فيما بينهم ، أو بمعنى أكثر وضوحاً ( حالة التقدم العقلي ) .

لكن المعنى الاصطلاحي لكلمة ثقافة أوسع بكثيرٍ من المعنى اللغوي ، فالمفهوم الأنتروبولوجي للثقافة يعني أنها كل ما هو غير مادي ، المخزون الحي للذاكرة البشرية ، كمركب كلّي و نموٍ تراكمي ، مكون من محصلة العلوم ، الأفكار ، المعارف ، المعتقدات ، الفنون ، الآداب ، الأخلاق ، الآراء ، القوانين ، الأعراف ، الشرائع ، التقاليد ، و الموروثات اللغوية ، التاريخية و البيئية حتى ، كل هذه المكونات تصّوغ فكر الإنسان ، و تمنحه صفته الخلقية ، و صفاته الاجتماعية .

فهي ـ كما يقول الفيلسوف المعاصر آرنست باركر ـ : ( .. ذخيرةٌ مشتركة لأمّةٍ من الأمم ، و انتقلت من جيلٍ الى جيل خلال التاريخ الطويل ) ، فهي مجموعةٌ من العادات الموروثة ، و الأفكار المتداولة بين أفراد الجماعة الواحدة ، يؤمن أصحابها بصحتها ، و تنشأ بناءً على هذا الإيمان ، عقليةٌ خاصةٌ تمتاز عنها الأمة ـ الجماعة ـ عن سواها .

أي أن ثقافة الشعب هي ما يكون شخصيته المستقلة ، فينفرد بحالةٍ عقليةٍ خاصة ، لكن الحاصل اليوم ـ كما الأمس القريب ـ ، هو حالةٌ ثقافيةٌ مزرية ، في أمسّ الحاجة الى إصلاحٍ قد يكفينا جميعاً عناء البحث عن منظومةٍ نستغلها من أجل الحصول على تركيبةٍ اقتصاديةٍ ، سياسيةٍ خاليةً من الأمراض العقلية ، فمجتمعنا الليبي في منظومته التعليمية يعاني من حالةٍ من الفوضى الثقافية ، فمجتمعنا الذي لا تملك أي مدينةٍ من مدنه ساعةً في ساحةٍ عامة ، توشك أن تصبح أي كارثةٍ تصيبه عادةً يومية .

أطفالنا يسيرون في الشوارع يبحثون قطط هذه الشوارع لغاية مطاردتها ، كلعبةٍ ممتعةٍ اعتادوها ، يقتنون الأسلحة البلاستيكية في عيد الفطر ، و ينتشون بأصوات المفرقعات في احتفال مولد الرسول ـ هذا الاحتفال الجدلي حقيقةً ـ ، كجيلٍ سينشأ ليكون في الغد القريب ( كائناتنا الليبية العزيزة ) .

إن ثقافة العنف ليست وليدة اللحظة ، بل هي في واقع الأمر محض نتيجةٍ ـ معتادةٍ ـ و ـ أكيدة ـ ، لمرحلةٍ تاريخيةٍ عنيفة ، عاشها الكائن الليبي ، لمدةٍ تزيد عن العشر قرون ، لكن الأدهى من ذلك عندما تكتشف أن منظومة الدولة ـ الوليدة ـ ترسخ هذا المفهوم الثقافي السلبي ، داخل منظوماتها التعليمية ، داخل مناهجها الدراسية !! ، ( أليس الأمر يحتاج الى حملة إصلاحٍ و إنقاذ ؟ ) .

نأخذ هنا مثالاً بسيطاً في حجمه ، عميقاً في تأثيره ، نلخص بواسطته عجز المنظومة التعليمية الليبية في خلق مواطن ، بقدر نجاحها في خلق كائنٍ عنيف لا يملك أي علاقةٍ بالأرض الليبية ، و هذا المثال هو كتاب ـ اللغة العربية ـ للصف الثالث ابتدائي من التعليم الأساسي ، ( من منتجات اللجنة الشعبية العامة للتعليم ) .

لست أدري هل يفتعل موجهي تأليف الكتب المنهجية الجهل ، و يتلاعبون بعقول أطفالنا بقصدٍ أو لربما دونما قصدٍ يفعلون ذلك ؟، نقرأ في الدرس الثاني تمرير فكرة ـ الهوية اللغوية ـ بدرس عن اللغة العربية، بتزويد عقول الناشئة بمعلومات تلقي خلفها تبعات غير محمودة ففي الدرس ترد جملة ( شرّف الله ـ تعالى ـ هذه اللغة ، بأن أنزل القرآن الكريم بها ، فانتشرت في جميع بلدان العالم ) !! ! ، في وسيلةٍ لإرسال رسائل مبطنة ، تحوّل لغة الدين الى ـ دينٍ موازٍ ـ ، و يلاحظ أن كلمة ليبيا لا تذكر إطلاقاً في أي درسٍ من دروس الكتاب الأحد و الثلاثين ، إلا مرتين مسبوقةً بكلمة ( العربية ) ، فتكون كلمة ( الليبية ) مجرد كلمةٍ هامشيةٍ لاحقةٍ بعروبتها الافتراضية التي تلغي علاقة الطفل بوطنه ببناء علاقةٍ هلامية وهمية مع وطن يبعد آلاف الكيلومترات لا يراه الطفل إلا عبر وسائل الإعلام العروبية ـ الملغمة أساساً ـ ، ففي الدرس الثالث بعنوان ( القدس ) تمرر معلومةٌ مزورةٌ مفادها ( القدس مدينةٌ عربيةٌ يسكنها العرب منذ أقدم العصور ) !! ! ، و في درسٍ أضحوكة عنوانه ( النخلة ) ـ الدرس الحادي و العشرين ـ ترد جملةٌ كئيبة ـ مضحكةٌ حقيقةً ـ لكنها تظل جزأً من منظومة غسل الدماغ العروبية مفادها أن ( النخلة شجرةٌ عربيةٌ ) !! ! ، و في الدرس الخامس و العشرون بعنوان ( أمتنا ) ترد معلومة تلج داخل نفس المنظومة ـ منظومة غسل الدماغ ـ والتي تكون نتيجتها فكرة كون ( خير أمةٍ أخرجت للناس ) التي ترد في القرآن الكريم في لاوعي الطفل الليبي ـ الذي سيضحى المواطن الليبي قريباً(كائننا الليبي العزيز) ـ، هي الأمة العربية ، فيرد في نص الدرس بعنوان ـ أمتنا ـ ، جملة ( الأمة العربية أمةٌ عظيمةٌ ) ، لكن النكبة الثقافية حقيقةً ليست في هذه الدروس بل في الدرس ( التاسع ) ، بعنوان ( الفدائي الصغير ) ، و التي ترد فيه كلماتٌ أقل ما يقال عنها أنها ( عنيفةٌ ) و ( غير ملائمة لأي فئة عمريةٍ كانت ) ، فما بالك ملاءمتها للفئة العمرية التي خصص لها هذا المنهج الدراسي ( عمر 8 سنوات ) ، فترد جملة ( فاشتعلت فيه النيران ، و انفجرت مخازن السلاح ، و تطايرت الشظايا .. ) ، و جملٌ مثل ( يكره المستعمرين ) ، ( قتلوا والده ) ( محاطاً بالأسلاك الشائكة ) ، ( يثأر لوالده ) ، ( ينتقم لأخيه ) ، ( مات عدد كبير من الأعداء ) ، ( يفزع ) ، جملٌ مثل هذه يحفظها ـ رغماً عنه ـ طفلٌ يبلغ من العمر الثمانية سنوات ،الذي يجد نفسه ـ كرهاً ـ يجيب بالإيجاب على سؤال يرد في مناقشة الدرس مفاده ( هل تريد أن تصبح فدائياً؟ ) !!! ، سترسخ دونما شكٍ داخل عقله الباطن أفكاراً عنيفةً ، تنتج مواطناً لا يرغب ( الحوار ) ولا يعتبره طريقةٍ لحل أي معضل، يؤمن بمذهب العنف في كل مشاكله كحلٍ ـ فعّالٍ ـ ، و لازم ، كجزءٍ من موروثه الثقافيٍ ، و كعلامةٍ دالةٍ على ثقافة الفرد الذي يكتسب ثقافةً طاردةً لذاته ، مملوءة بأفكار عنيفة ، شرسة ، تكون نتيجتها حالةٌ من التخلف العقلي الجماعي حقيقةً .

إن النتيجة الحتمية لعدم البحث عن حلٍ فعالٍ ينهي هذه ـ المهزلة ـ الثقافية، بالبدء بعملية إصلاحٍ ثقافية، بانقلاب فكري على كل المناهج التعليمية، ستحول مجتمعنا كما قصة المرأة التي تبحث عن مكانٍ ليختبأ فيه أطفالها خوفاً من ( الغولة ) ، و في نهاية المطاف بعد أن تجد لهم كهفاً حصيناً، تكتشف أنها كانت هي ( الغولة ) التي ( سيلتهمها ) أبنائها .

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home