Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير


أمـاريـر

الجمعة 23 مايو 2008


الإسلام ، نحن والآخرون (2)

أمارير

( أنا أفكّر ، إذاً أنا موجود ) ديكارت

آزول غفون :
Azzul ghefwin :
السلام عليكم :

نحن نعيش عالماً مشوباً بالشكوك و المخاطر ، تحيط بنا مخاوفنا من كل جانبٍ ، فيكون الليبي مستعداً لإلقاء التهم كيفما كان ، إذ أنَّ إبداء الرأي غير ممكنٍ هنا لأنه سيكون مبنيّاً على حكمٍ مسبقٍ ، الهوة تتسع بيننا جميعاً ، كما هو حال الهوة الفاصلة بين الإسلام ، نحن و الآخرون ، مذ بقي الإسلام حبيس أوقات الصلاة في جامعٍ لا يطرق بابه أحد ، عزلناه عن واقعنا الاجتماعيّ عبر ميراثٍ من الغيبيّات و الخرافات التي تملأ كتب السلف و الخلف أيضاً ، تلك التي لا تفيد أحداً ليصبح الدين طريقة موت أمّةٍ بكاملها بعد أن كان منهج حياة مجتمعٍ حي ، و عندما قمت بإلقاء كل تركة السلف خلف ظهري ، تطبيقاً لقوله تعالى ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) البقرة 134 ، إذ من الإجحاف في حق الأولين محاولة تطبيق الحالة التاريخيّة المقتصرة على الظرف الذي صاحب الحدث و محاولة نسخها في واقع اليوم ، ففي طبقات ابن سعد : الطبقات الكبرى 2: 266، 269 ، و في صحيح البخاري 5 : 8 ، و في الترمذي : الشمائل المحمدية 308، و النسائي : كتاب الوفاة 73 ترد قصةٌ مفادها أنّه وقت وفاة الرسول ، قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ( والله ما مات رسول الله و ليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم ) ، وأخذ بقائم سيفه وقال : ( لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي هذا ) و هذا التصرّف غير إنسانيّ و غير منطقيّ في هذا العصر لكن الحالة وقتها كانت مخالفةً للحالة اليوم بالتأكيد و الإجراء الذي اتخذه عمر - في حال صدّقنا الرواية التاريخيّة شأنها شأن كل روايات إسلام ما بعد النص - كان مرتبطاً بواقع الزمان و المكان حينها ، علينا أن نحاول قراءة التاريخ بأعيننا فقط ففي حال حاول أحدنا تقليد السلف فإنه يحاول إخراج الصورة من إطارها مرغمةً ، عندما قمت بذلك كان أن اتهمني البعض بكل ما جادت به قريحته عندما رفضت عبادة السلف ، حتى أن أحدهم اتهمني بالوقوف في عداءٍ ضد الإسلام بل الإلحاد أيضاً ، أنا من يؤمن بضرورة تحرير الإسلام من قيود الغيبيّات و عقائد التقليد المليئة بقصص الخرافة و التي لا تمت للإسلام بصلة ، سوى أن هؤلاء قرروا السير و رؤوسهم بين أيديهم يعرضونها للبيع .

قد يقول البعض أنّه من المستحيل و غير المنطقي تجريم ( التقنيّة ) ، لكن المصيبة التي تأتي بها التقنيّة هي أن المجتمع الذي يتقدّم تقنيّا دون المرور بمراحل هذا التقدّم ، يصبح شيئاً آخر ، متخلفّاً على أكثر من جانبٍ رغم آلاف خرّيجي المعاهد العليا و الكليّات التقنيّة ، و الجامعات التي لا تؤكدّ شيئاً سوى كون مرور الإنسان عبر هذه المنظومة التعليميّة تقتل فيه شيئاً أساسيّاً ، إنها تقتل الإنسان داخله ، فكيف يمكنّنا أن نتوقّع جمال الصورة و نحن نجد أن خريج كليّة الاقتصاد و المحاسبة في طرابلس ، ينال وظيفةً في الشركة العامة للكهرباء يتقاضى عبرها خمس دولاراتٍ يوميّاً ، يلزمه وصوله الى مقر شغله و العودة الى البيت مستخدماً وسائل الركوبة شبه العامّة ، دولارٌ و ربع بعد إضافة ثمن كوب القهوة العاديّة ، و في حال لم يستطع التكيّف مع الأمر فإنّه سيجد نفسه مضطرّاً للعمل كما فعل صديقه ، خريجٌ آخر يعمل في مستشفى طرابلس الطبي على ( تغسيل الأموات ) بمقابلٍ ضئيلٍ لا يكفل له حفظ كرامته ، هنا نسأل ما الذي يجنيه المجتمع الليبي من تكدّس طلبات الانتساب للكليّات و المعاهد في عدم وجود مجتمع إقطاع متخمٍ يستحق التضحية لأجله ؟ ، الكارثة هي عندما لا يتمكّن الإنسان من استخدام عقله أو عضلاته معاً ، إنها بطالةٌ مقنّعة ليست سوى نتيجةً طبيعيّة للأميّة المقنعّة ، فالخريج صاحب شهادة ( البكالوريوس ) في واقع الأمر ( أمّي ) و عندما أصبح موظّفاً لم يكتشف بعد أنه ( عاطل عن العمل ) .

المجتمع الليبي مجتمعٌ ( متخلفٌ ) وفق كل المعايير ، أصابته مجاعتان في قرنٍ واحدٍ و هو يعيش أمام شاطئٍ يمتد مسافة الألف ميل مليءٌ بكل أصناف الأسماك في مفارقةٍ مخجلةٍ خصوصاً عندما تقرأ على ألواح الفسيفساء الليبيّة أن الليبي بحّارٌ منقطع النظير !! ، لكنّ هذا الليبي على جانبٍ آخر لم يستطع سوى الفصل بين العالمين اللاهوتي و الماديّ عبر محاولة مزاوجةٍ مستحيلة خلال جملةٍ من العقائد و المخلفّات الثقافيّةٍ المليئة بالخرافة و التي قام بنسبها إلى الدين ، و الدين بريءٌ منها ، لكن و كإجابةٍ عن السؤال ( ما هي علامات التخلف الواضحة ؟ ) ، نضع مقارنةً بين مجتمعين من مجتمعات العالم الثالث ، المجتمع الليبي و المجتمع اللبناني ، ففي لبنان دارت حرب أهلية قبل عشرين عاماً و في ليبيا دارت هذه الحرب قبل ثمانين عاماً على جبهات مختلفة لكن الفارق الزمني بين الحالتين يبقى مجرد دلالات أرقام عبر دوائر عرضٍ و خطوط طولٍ لا تعني شيئاً ، لكن ما لا نعلمه جميعاً أن الحرب الأهليّة في ليبيا لا تزال قائمةً إلى اليوم ، ففي السنوات العشر الماضية مات ما يزيد عن الخمسين ألف ليبيٍ دهساً تحت إطارات السيّارات ، الليبي لا يزال يسارع إلى استخراج رخصة قيادةٍ لابنه القاصر ، متناسياً حقيقة أن الليبيّين جميعاً لا يزالون يملكون علاقةً غير حميمةٍ و جسور المشاة ، فيخاطرون بأرواحهم و هم يسارعون للنجاة من أمام سيارةٍ مسرعةٍ لا يأبه سائقها بالسرعة القانونيّة داخل أزقة المدينة ، مخالفاً قوله تعالى ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة 195 فأساس الإيمان احترام قيمة الروح و عدم تعريضها للخطر ، هل يمكن أن نكون مسلمين و في ذات اللحظة نمارس اللامبالاة على سبيل العادة ؟ الأمر مستحيل فتجاوز السرعة القانونيّة خروجٌ عن الدين و ليس مجرد مخالفةٍ للقانون ، و بناءً عليه تكون قيادة السيّارات في ليبيا امتيازاً لفئاتٍ بعينها بمواصفاتٍ بعينها لا حقّاً يناله الجميع ، إذ أنّ هذا الرقم المهول يفوق عدد قتلى الجيش الأمريكي في العراق و الضحايا الفلسطينيين في أرض الميعاد السليبة خلال خمس سنوات الماضية مجتمعة بما يساوي العشر أضعاف ، لكن ليست هذه هي دلالات التخلف ، بل هي ثلاث محاور مركزيّة (1) محور النخبة ، (2) محور الذاكرة و (3) محور العقل الجمعي :

• المجتمع المتقدم هو مجتمع نخبوي ، تقوده آراء النخبة وفق اتجاهاتها ، و في ليبيا غابت النخبة و تراجعت ، فكان التخلّف بأن استلم زمام قيادة المجتمع عقل جماعةٍ لا يفكّر ، و لا يمتلك ذاكرةً أيضاً ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) الزمر 9 .

• المجتمع المتقدم يمتلك ذاكرةً واسعة ، و المجتمع الليبي لا يمتلك ذاكرةً البتّة ، ففي لبنان لن تقوم حربٌ اهليّةٌ أبداً مهما حاولت الأطراف الخارجيّة ( و هو ما تقوم به وسائل إعلام آل سعود ، في إثراء النزعة الطائفية و إضفاء المذهبية إلى صفات الخلاف السياسي الحاصل اليوم في لبنان ) ، لأن الذاكرة الجماعية للمجتمع اللبناني لا تزال لم تنس بعد أهوال حرب الاجتياح ، بينما في ليبيا يمكن لشجارٍ مفتعلٍ بين سكّيرين أن يقيم الحرب و لا يقعدها في جبل نفوسة على سبيل المثال ، و الذي عانى من حرب أهليّةٍ في ثلاثينيات القرن المنصرم أتت على الزرع و الضرع ، الإسلام الذي يدين به جميع الليبيّون يحض على توسيع الذاكرة ، بل أن مرحليّة بناء المجتمع الإسلامي وفق المنهج القرآني تنطلق من نقطة الاتّعاظ بما تحمله ذاكرة المجتمع ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) آل عمران 137 ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ ) إبراهيم 9 .

• يتراجع تأثير العقل الجمعي في المجتمع المتقدّم ، و في ليبيا يسيطر هذا العقل سيطرةً متوحّشة تلغي الرأي ، بل و مسؤوليّة الإنسان عن أفعاله لأنه يفكر عبر نتائج جاهزةٍ ، و في هذا إجحافٌ في حق الإنسان ، يقول المولى عزّ و جل ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) المدثر 38 ، و بناءً على هذه السيطرة ، رفقة سيطرة موجات الإعلام اللاهوتيّة الوافدة ، يكون أي رأي مخالفٍ متحررٍ من عقد العقل الجمعي عرضةً لقراءاتٍ اجتثاتيّة و انتقائيّة ، و هو ما حصل لمعظم نصوصي باعتباري مصنّفاً تصنيفاً مسبقاً من قبل البيئة الطاردة للمجتمع الليبي ، على اعتبار أني ليبيّ أتحدّث لغةً أخرى ، و هذا الاختلاف الطفيف جنحةٌ اسمها ( الأصوليّة ) في مجتمعٍ يدّعي أنه مجتمعُ أصولي ، مجتمعٍ يعاني من معضل الطائفيّة اللغويّة ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) يونس 36 ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) الأنعام 116 ، إنّي لست أخجل من رأيي ، و ليس يخيفني التعبير عنه كاشفاً عن نفسي ، إنّها شجاعةٌ محفوفةٌ بالمخاطر ، لكن يعيش الإنسان فقط مرّةً واحدةً .

يقول برنارد شو : ( لست مستعداً أن أموت في سبيل أفكاري ، لأنها قد تتغيّر ) و هذه مقولةٌ طريفةٌ لا أؤمن بها ، لقد انطلق الإسلام يتيماً اعتبره الجميع رأي شخصٍ واحدٍ ، سرعان ما تحوّل إلى شعور جماعة ، تم أصبح في أقل من خمسين عاماً وعي أمّةٍ بكاملها امتدّت عبر مشروعٍ ثقافيٍّ لأمّةٍ تحوي الجميع داخلها من الصين الى الأندلس ، ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) آل عمران 19 ، قبل أن يقع الجميع في مطب الفصل بين الدين و الحياة ، بنقل الوعي الديني ناحية الغيبي المجهول ، فالإسلام هو منهج حياةٍ يحاول القفز فوق المتراكمات الفقهيّة التي حصرت الدين ( الإسلام ) في معارف غيبيّة لا تساهم إلا في سحب المجتمع الإسلامي خطوةً جديدةً إلى الخلف عبر سلطة الكهنوت التي يرسّخها المشايخ و الأئمة ، فمشكلة الأمّة في واقع الأمر هي فقدانها لطريقة التفكير ، فعندما فشل الفكر المعتزلي التقدّمي و تراجع أمام سلطة الفكر الأشعري الرجعي ، كان أن فقدت الأمّة صوتها المسموع أمام صوت رجال الكهنوت المرتفع ، و أصبح الجدل الإسلامي يطوف حول المبهمات و الغيبيّات ، في حالاتٍ متواليةٍ من حالات الانبهار و دوائر التقليد المتتاليّة التي حبس السلفيّون أنفسهم داخلها ، مستفيدين من قيمة الخداع الذي يكرّسه المسمّى الذي إدّعوه ، فلا هم سلفيّون ، و لا هم يستطيعون توسيع دائرة الاتصال لأجل توليد الأفكار التي تفرضها فكرة عدم جموديّة النص القرآني عبر المكان و الزمان المتغيّرين ، إذ أن نسبهم اختياريٌّ غير مطلقٍ لسلفٍ غير موجودٍ أصلاً ، فعبر العودة إلى نصوصهم نكتشف تناقضها و جميع من سبقهم من سلفٍ على امتداد التاريخ الإسلامي ما بعد التوثيق بالتأكيد ، أو كما يحلوا لي تسميته ( إسلام ، ما هو خارج النص ) .

يجب هنا التمييز بين ( الأصوليّة ) و ( التطرف ) ، فالأصوليّة في واقع الأمر هي مرسومٌ ثقافيٌّ يرتبط بالإسلام ارتباطاً وثيقاً ، بينما نجد أنّ التطرف ليس سوى حالةً حضاريّة طارئة لا تمت للإنسان أو الإسلام بصلة ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ) الكهف 29 ، ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) الكافرون 6 ، فالثورة الثقافيّة الصينيّة على سبيل المثال شأنها شأن أي حراكٍ ثقافيّ كانت احتجاجاً أصولياً لأجل حماية النفس من الاستلاب و التبعيّة ، الإسلام منهجٌ أصوليٌّ بالدرجة الأولى ، الأصوليّة هنا هي الاعتراف بقيمة الذات ( الأصل ) قبالة قيمة الآخر ( الصورة ) ، إذ بدون الصورة لا وجود للأصل ، و بدون الذات لا وجود للآخر ، الأنا ليست سوى وعي الآخر بها و الذات لا تحضر لذاتها ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات 13 ، ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) الروم 22 ، و أي إنكارٍ لوجود الآخر و المختلف ضمن إطار أي مجتمع يبقى مرتبطاً بوعيٍ دينيٍّ قاصرٍ ، فالقوميّات تتناسخ ، و لا يؤكد وجودها سوى قوةٍ ضاغطةٍ لسلطةٍ حاكمةٍ أو وعيٍّ شعبي ، ففي ليبيا لا وجود لبربر على حدة ، و عربٍ على حدة ، إن الأمر يبقى تصوراً يفتقد الصواب و المنطق ، فلا يمكن تصوّر وجود عرقين منفصلين يملكان صفاتٍ جينيّةٍ منفصلةٍ وفق مبدأ كونهما يعودان إلى رجلين اثنين ( مازغ ) و ( يعرب ) ، إذ أنّ ذا الطرح يعلن أن الحياة في جزيرة العرب و شمال إفريقيا كانت مقتصرةً على الشخصين بعد ( آدم ) بآلاف السنين ، و هذا تصوّرٌ طفوليٌّ ساذج ، فكلّنا ليبيّون بالوطن ، الأمر بهذه البساطة و لا يحتاج الأمر إلى تصوّرٍ مشوبٍ بسوء النيّة ، أو رواياتٍ مليئةٍ بالخرافات .

عصرنا هذا ليس عصر الملحدين ، بل أن الآلهة متعدّدةٌ تخلقها وحدانيّة السوق ، ( تَعِسَ عبدُ الدرهم و الدينار ) يقول الرسول الكريم ، فمن عبادة الدرهم و الدينار ، الى عبادة القوميّة ، عبادة السلطة وصولاً الى عبادة السلف لا يمكننا إعادة رسم الصورة إلا في حال استطعنا الوقوف موقف المحايد ، أمام كل شيءٍ للخروج خارج إطار الصورة البشعة ، عبر إلقاء كل المسلّمات السابقة و إعادة تنظيمها و تنسيقها في قراءةٍ آخري ممكنة ، فمجرد وصف الرسول الكريم كونه أفضل ، خير الأنبياء أو خلافها من الصفات التي تعكس فقط حسن النيّة يبقى خروجاً غير محمود العواقب عن النص ، لكن و كما يقول الصادق النيهوم ( بعض النوايا الحسنة توصلك الى جهنّم ) ، ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) البقرة 285 ، هذه هي القاعدة لا وجود لتصنيفٍ بين الأنبياء ، الأمر بهذه الصورة رغم أنف الجميع ، في ليبيا لكل كلمةٌ معانٍ آخر ، فعندما يخبرك الليبي عن أمرٍ أنه حاصلٌ ، و سيقوم به لأجلك ( إن شاء الله ) ، فاعلم مباشرةً أنه لن يقوم به ما أن أدخل ( مشيئة الله) في جملته ، إمّا في حال قال لك ( انتظرني قليلاً ) ، فاعلم أن انتظارك سيدوم ساعات ، في ليبيا فقط كل كلمةٍ تحمل معانٍ أخرى لا تعنيها .

يقول الأفغاني : ( إن كل نهضةٍ سياسيّةٍ و روحيّةٍ للإسلام تستوجب قراءةً جديدةً للقرآن الكريم ، متحرّرةً من تفسيرات العلماء الرسميّين الجافة و المجحفة ) ، فنحن مطالبون وفق الفهم القاصر للإسلام بأن نشطب آياتٍ لا تتوافق و سلطة الميثيولوجيا الخرافيّة ، في حال لم نتوقّف عن التمسك بالشكليّات ، و هو أمرٌ غير ممكنٍ طبعاً ، إذ ليس القرآن مجموعةً من الأحكام الشرعيّة فقط ، إنّها حلولٌ مؤلمةٌ للخروج من واقعٍ مؤلم ، سلطة الميثيولوجيا المسيطرة على طريقة التفكير هي التي تعلمنا وجود علامات ساعةٍ سوّق لها كل شيخٍ و كل صاحب طريقةٍ يستغل سذاجة مجتمع يؤمن بقدرة أيٍّ كان في تسخير الجن ، عبر نافذةٍ حقيقيّةٍ مفتوحةٍ بين العالمين الحقيقيّين ، العالمين الذين لا يملك الرسول المعصوم علماً بهذه النافذة الوهميّة ، إنّها فكرةٌ تخالف النص مرّات عدّة ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ) الجن 1 ، ففي حال قبول المعلومتين السابقتين وجب شطب الآيات :

• ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) النمل 17 .
• ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) سبأ 12 .

هذه الآيات التي تعلمنا بتخصيص معجزة تسخير الجن للنبي سليمان يعملون بأمره دون سواه بإذن ربّه ، و هذه المعجزة هي إثبات نبوءة ، و تكرارها ينفي هذه النبوّءة ، فالمعجزة لا تتكرّر ، لكن أن تخرج علينا اليوم وسائل الإعلام و منشورات الكتب الصفراء تقوم بإخبارنا عن قدرة البشر في تسخير الجن فإن الأمر مقبولٌ فقط لمن لا يؤمن بما أتى به محمد عليه الصلاة و السلام(1) ، نفس الشيء عند الحديث عن الساعة و علاماتها التي تم حصرها بواقع مجتمعٍ دون باقي البشر ، فإذا كانت الساعة مرتبطةً بحربٍ تدور رحاها بين المسلمين و اليهود لا ينجو منها يهوديٌّ واحدٌ ، حتى ذلك المختبئ خلف الحجر ، ما شأن سكان المعمورة على اختلاف بقاعها من لا يمت لهم الموضوع بصلة كي ينتهي عالمهم أيضاً ، لقد ساهمت الخرافة على خلق مجتمعٍ إتكاليّ يختبأ من فشله على أكثر من صعيد خلف هالة من الأوهام و الانتصارات الخياليّة و المفاجأة ، في تناقض لصريح النص و الذي يعلمنا أن الساعة تأتي ( بغتةً ) دون سابق إنذار ، ولن ينجينا من هزائمنا انتظارنا للنجاة الوهميّة بأبطال خارقين للعادة كالمسيح ، المهدي ، الدجال أو حتّى ياجوج و ماجوج :

• ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) القمر 1 .
• ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ) الأنعام 31 .
• ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) الأعراف 187 .
• ( أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) يوسف 107 .
• ( بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) الأنبياء 40 .
• ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) الحج 55 .
• ( فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) الشعراء 202 .
• ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) الزخرف 60 .
• ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) الزخرف 66 .
• ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) محمد 18 .

إنّها قراءةٌ أخرى ممكنةٌ ، إذ عبر جملةٍ من الأفكار الدغمائيّة وجد ( الدجّال ) مساحة في الذاكرة الشعبيّة ، رغم كونه لم يرد ذكره في القرآن أو أي كتابٍ سماويٍّ سابق ، خلاف ما يدّعي منظّروا عقيدة التقليد ، فهذه الأسطورة الوهميّة تناقض فكرتين تردان في النص :

• ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) الأنعام 48 ، دليل الرسل هي المعجزة ، و الحجة على من أنكر المعجزة ، فلا يجوز أن تكون المعجزة ممكنة لمن يدّعيها دجلاً و زوراً .
• ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) الكهف 51 ، إن تمكين الله للدجال بالمعجزات يجعلها حجّة لمن اتّبعه ، و لا يتّخذ الله المضليّن معيناً .

نحن في أمس الحاجة اليوم للدعوة الى حربٍ دينيّةٍ ، ليست حرباً ضد بقيّة الأديان بالتأكيد ، بل حرباً ضد رأس المال لأجل تحريره باسم الدين ، فالأصل هو الإنفاق لأجل تحصيل المال دون عمل ، هنا مركزيّة النظرة الإسلاميّة للمادّة ، الزكاة ليست ربا ، كلاهما طريقةٌ لتحصيلٌ للمال دونما عمل ، الأولى لأجل الحيلولة دون تراكم الغنى في قطب العالم الإقطاعي ، و الأخرى تعمل في مصلحة مجتمع الإقطاع في ذلك القطب ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة 274 ، الأصل هو الإنفاق ، وليست حسابات التوفير المصرفيّة ، أو حسابات الإيداع لأجل سوى فكرةً من أفكار الرأسماليّة المنافية للدين و التي ترغم سياسة السوق الإنسان الليبي على امتلاكها مرغماً ( الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ ، أيحسِبُ أنَّ مَالَهُ أَخلّدّهُ ) الهمزة 3 ، فلغاية الوصول إلى النتيجة لا بد من البداية ، إما في حال أن يبدأ المجتمع الإسلامي من النهاية و يعلن رغبته في تطبيق حد السرقة بقطع يد السارق فإنه يكون حينها يسير بالمقلوب ناحية نشر الهلع و الظلم ، يقول رسول الله في قصّة من دخل حقل الحنظة و أخذ منه دون أن يسأل صاحبه - ترد في سنن النسائي و أبو داوود - ( كان جاهلاً و لم تعلمه ، جائعاً و لم تطعمه ، أعد له ردائه ) ، و يقول عمر في قصّة عبيد قبيلة مازنة و الناقة التي ذبحوها ( أحسب أنّك جوّعت عبيدك ، حتى أقدموا على ارتكاب هذا العمل الذي حرّمه الله ) ، رأس مال المسلمين الذي أصبح ملكيّةً خاصةً لأمير المؤمنين ينفقه كيفما شاء ، كما يرد في بعض قصص التراث الإسلامي المخجل حقيقةً ، يرد في أحدها ( أن أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي ، و الذي كان يحرص على أموال الدولة !! ، يشترط أن تكون العطية وزن ما كتبت عليه ذهباً للشاعر على قصيدةٍ من نظمه ، و كان يحفظها من المرة الأولى، و له غلامٌ يحفظها من مرتين ، و جاريةٌ من ثلاث ، فكانت قصيدة الأصمعي بعنوان ( صوت صفير البلبل )(2) و التي قام بنقشها على لوحٍ رخاميٍّ استولى عبرها على كل ما في بيت مال المسلمين ) ، القصة مضحكة و مؤلمةٌ في ذات اللحظة ، ففي حال كانت القصة واقعةٌ حقيقةً فإن الأمر كارثيّ على أكثر من صعيد ، فأمير المؤمنين مرابي ، لصٌ ، و ساذجٌ في نفس اللحظة ، وفي حال كان أكذوبةً فإن الكارثة أكبر لأننا سنشكك تبعاً لذلك في كل ما يرد في كتب التاريخ الإسلامي .

إنّ القراءة الحرفيّة للنص إجحافٌ في حق النص بالدرجة الأولى ، هذه القراءة التي يتم تجاهلها لأجل إرضاء رأس المال ، و لأجل السكوت على سيطرة قوة اللاهوت على جانبٍ آخر ، فلقد كان المجتمع الليبي مهووساً – ولا زال – بقوة المعجزة الحسيّة ، فقام بنسب المعجزات الحسيّة للنبي كمعجزة إخراج الماء من بين الأصابع و خلافها من القصص المفبركة ، مناقضاً النص القرآني مرّة أخرى و الذي أنكر وجود معجزاتٍ محسوسةٍ للنبي ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت 51 ، ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ) الإسراء 91- 93 ، فالسؤال المركزي هو سبب سكوت القرآن عن معجزات الرسول الملموسة خلاف معجزة الإسراء ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الإسراء 1 ، ، في حال كانت المعجزات قد حدثت ، و هو ما لم يحدث عن الحديث عن عيسى و الذي ترد معجزاته في القرآن و الإنجيل أيضاً ؟ ، ( وَ رَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) آل عمران 49 ، كما يرد في إنجيل لوقا :

• في الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ اسْمُهَا نَايِينُ، يُرَافِقُهُ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَجمْعٌ عَظِيمٌ 12وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ ، وَهُوَ ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ الَّتِي كَانَتْ أَرْمَلَةً ، وَكَانَ مَعَهَا جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ 13فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ، تَحَنَّنَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ لَهَا: « لاَ تَبْكِي ! » 14ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ، فَتَوَقَّفَ حَامِلُوهُ وَقَالَ: « أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ : قُمْ ! » 15فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَبَدَأَ يَتَكَلَّمُ ، فَسَلَّمَهُ إِلَى أُمِّهِ 16 فَاسْتَوْلَى الْخَوْفُ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَ مَجَّدُوا اللهَ ، قَائِلِينَ: « قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَتَفَقَّدَ اللهُ شَعْبَهُ ! » 17وَذَاعَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْهُ .

لكن و كعادة شعوب الشرق المؤمنة بالخرافة ، كان أن قفز العرف الاجتماعي مزاحماً الشريعة في كل شيء ، بل أن قوانين مجتمعنا المدنية تعلمنا بوجود ( قوةٍ إلزاميّةٍ للعرف في التشريع ) ، هذا العرف الاجتماعي الذي يفرض جملة أفكار يستحيل فهمها ، من فكرة عذاب القبر الخرافيّة ، مروراً بمبدأ شعب الله المختار العنصري و المسيطر على طريقة التفكير العربيّة ، وصولاً الى منطق المؤامرة و المسيطر على طريقة التفكير تلك ، فرغم كون مجتمعاتنا الإسلاميّة علمانيّةٌ وفق الفهم الخاطئ للكلمة ، إلا أن الجميع ينكر هذه الحقيقة ، فالدين اليوم مفصولٌ عن حياة لمجتمع ، أو كما يقول محمد أركون في مقالته الأصول الإسلاميّة لحقوق الإنسان ( لقد حدث الأمر على غير وعي المسلمين ، نوعٌ من الزحلقة للتعاليم الدينيّة في الإسلام ، لكي تتحول الى نوعٍ من العلمانيّة غير المعترف بها صراحةً ) ، و يضيف ( إن العلمنة تكتسح كل أرض الإسلام ولا أحد يعلم ) ، قامت السلطة الحاكمة بترسيخه كجزءٍ منها بعد أن نجحت على امتداد التاريخ الموصل للحالة في أن ترسّخ فكرة أن الدين ( عبادة ) ، بل كانت نصوصٌ تحض على كون ( العبادات خروجٌ عن العادات ) أي أن الدين مقتصر على أوقات العبادة فقط ، و الدين موجودٌ خارج العادات و هذا أمرٌ مجحفٌ ، فانقلب الأمر رأساً على عقب فالعبادة جزءٌ من واقع الإنسان و حياته اليوميّة ، فكل ما يقوم به المسلم من أمره بالمعروف و نهيه على المنكر وصولاً الى ممارسة الجنس و زوجته عبادة ، إنّ في الأمر عداءٌ للعلمانيّة الصحيحة و الدين تبعاً لذلك ، فالعلمانيّة ببساطة ليست لاهوتاً جديداً ، فلقد أصبح الدين أمراً يقام به خارج العادة ، و هذا هو الفهم الخاطئ ، و هكذا نحن مجموعةٌ من المفاهيم الخاطئة لا يكترث بها أحد .

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv
________________________________________________

(1) نقول هنا ( عليه الصلاة و السلام ) تنفيذاً للأمر القرآني ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب 56 ، خلاف العادة بالقول ( صلى الله عليه و سلم ) و التي ليست تطبيقاً للأمر ، بقدر كونها تكراراً للآية بصيغةٍ أخرى ، و يظهر هنا تأثير العادة و منهج التقليد حتّى في أبسط الطقوس الدينيّة .
(2) هذا هو نص القصيدة :
صوت صفير البلبلِ ، هيج قلبي الثملِ ، الماء و الزهر مع ، مع زهر لحظ المُقلِ
وأنت يا سيدلي، و سيدي و موللي ، فكم فكم تيمني ، غزيلٌ عقيقلِ
قطفته من وجنةٍ ، من لثم ورد الخجلِ ، فقال لالا لالالا ، فقد غدى مهرولِ
و الخوذ مالت طرباً ، من فعل هذا الرجلِ ، فولولت و ولولت ، ولي ولي يا ويللي
فقلت لا تولولي ، و بينّي اللؤلؤلِ ، قالت له حين كذا ، أنهض وجد بالنُقلِ
و فتيةً سقونني ، قهوةً كالعسلِ ، شممتها بأنفي ، أزكى من القُرنفلِ
في وسط بستانٍ حِلي ، بالزهر و السرورلي ، و العود دندن لي ، و الطبل طب طب طب لي
و السقف سق سق سقلي ، و الرقص قد طاب إلي ، شوا شوا و شاهيشو ، على ورق سفرجلِ
و غرد القمري يصيحُ مللٍ ، في مللِ ، و لو تراني راكباً ، على حمارٍ أهزلِ
يمشي على ثلاثةٍ ، كمشية العرنجلِ ، و الناس ترجم جملي ، في السوق بالقم قللِ
و الكل كع كع كعي كع ، خلفي و من حويللي ، لكن مشيت هارباً ، من خشيةِ العقنقلِ
الى لقاء ملكٍ ، معظمٍ مبجلِ ، يأمرني بقلعةٍ ، حمراء كالدمدملي
أجر فيها ماشياً ، ميغدداً للذيلِ ، أنا الأديب الألمعي ، من حي أرض الموصلِ
نظمت قطعاً زخرفت ، يعجز عنها الأدبلي ، أقول في مقطعها ، صوت صفير البلبلِ



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home