Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير


أمـاريـر

Monday, 21 January, 2008

المثقّف الليبي ، سيدٌ حافي القدمين

أمارير

المثقّف ليس سوى فرداً من المجتمع ينشط في مجال الفكر ، يزاول تجربة الكتابة بشغفٍ ربما ، ليعبُر عبر خطابه وصولاً الى مشروعه ، فأساس وجود المثقّف هو المشروع، إذ لا وجود لمثقفٍ دون مشروع ، و بناءً عليه لا وجود لمشروعٍ دونما مثقفٍ يتحدث بصوته ، و الثقافة مبنيّةٌ على المعرفة أولاً و الحريّة ثانياً ، المعرفة لا يمكن احتكارها اليوم في عالمنا المفعم بالحيوية التقنية و المعلوماتيّة ، و الحريّة لا يمكن تحديد شكلها ، لكن يمكننا الحديث عن غاية هذه الحرية التي يرجوها المثقف ، إلا وهي غاية كل سلوكٍ بشريٍ ، تحقيق الانسجام بين الفرد و بيئته كما يقول الفيلسوف الانجليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903 ) .

لا يمكننا أن نتصوّر مثقّفاً مقيّداً بأفكاره ، إلا في حال تكلمنا عن المثقف الذي يبيع نفسه للسلطة أو أجهزتها على طرفين متوازيين قد يلتقيان أحياناً و قد لا يلتقيان أحايين كثيرة ، أو لقوةٍ خفيّةٍ كقوة اللاهوت أو طاغوت الوعي الاجتماعي السلبي للعقل الجمعي الذي لا يمارس التفكير – رغم كون هذا العقل لا يستطيع التفكير حقيقةً - ، ليكون مثقفنا الليبي خائناً يسير مرفوع الرأس بيننا ، كسيّدٍ يسير حافي القدمين عبر طريقٍ مليءٍ بالمسامير ، وبناءً على قيمة المشروع يمكننا الحديث عن أدوارٍ ثلاثةٍ رئيسيّةٍ يقوم بها المثقّف ، (1) دورٌ توعويٌ ، (2) دورٌ تنظيريٌ ، و (3) دورٌ حقوقيٌ ، هذه الأدوار قد ينتقل المثقف متجاوزاً الحدود الوهميّة بينها ، ليقع ضمن إطار تصنيفٍ آخر و هو تصنيف يعتمد على قيمة المشروع ، فالمثقّف إمّا أن يكون (1) موسوعاتيّاً ، (2) اختصاصيّا أو (3) منتجاً ، و بناءً على هذا التصنيف يكون اللقاء الغير ودّي بين السلطة و المثقف ، و اللقاء المحفوف بالمخاطر بين المثقف و الجمهور .

في ليبيا لم يلتق الاثنان إلا ما نذر بسبب تراكم عوامل اللا مبالاة كما يقول رافيسون في كتابه ( العادات ) و الذي يتحدث فيه عن اللا مبالاة التي تتحول من لا إراديّةٍ شعوريةٍ الى جزءٍ من الطبيعة في المجتمعات التي تمارس اللا مبالاة على سبيل العادة ، و الاثنان هنا هما المثقّف الليبي و الجمهور الليبي ( المتلقّي ) ، فلقد تم احتكار دور المتلقي من قبل قوى الإعلام التلفزي الوافد فكان أن خُـلقت هوّةٌ شاسعةٌ بينهما – المثقّف و المتلقّي - ، قام بملأها هذا الإعلام الثقافي الوافد ، الديني المشرقي الميثيولوجي الوهابي تحديداً و المليء بالرسائل السلبيّة ، و الأيديولوجي المنظّر ، ذاك القادم من بعيد و المليء بالرسائل الاحتوائيّة أيضاً – غربي و شرقيّ على طرفي نقيض - ، و بناءً عليه أصبح خطاب المثقف الليبي محصوراً في فك الاشتباك بين أجهزة السلطة و المشروع الثقافي ، فتقربت الأجهزة من المثقف لغرض ( أدلجته ) ، و تقرب هو لها لغرض الوصول الى مكاسب تكفيه عناء البحث عن دورٍ يكفل له ثمن رغيف يومه وفق مبدأ أن الإنسان قد خُلق ( هلوعاً ) .

إن أزمة المثقف الليبي ثنائيّة ، أزمة مشروعٍ ، و أزمة نخبويّةٍ أو ما يعرف بوهم النخبة ( الدغمائيّة ، النرجسيّة ) ، فالمثقف الليبي يعيش وهم بناء مشروعٍ يخلقه هو لا يمت له بصلّة ، كتعبيرٍ عن حالةٍ من حالات اللا مبالاة ، أو ما يعرف بـ ( النشاط الزائف ) ، هذا المشروع الذي يعتقد أنه قد أوجده بعيدٌ عن واقعه الجغرافي ، حيث لا يستطيع الإدعاء بأنه يستطيع التأثير في مناخه الحيوي ، كما أنّه يعيش وهم ثقافة المستلب باستيراده مفاهيم و مبادئ لم تتكوّن في مجتمعاتها الأصليّة إلا بعد مرورها بواقعٍ لا يمت له بصلّة ، فيعتقد أنه عندما يصبح صحفيّاً سيمثل ( السلطة الرابعة ) في بلده ، رغم معرفته بعدم وجود تقسيم للسلطات في محيطه الاجتماعي أو السياسي ، ما لم يكن يعيش في أوروبا بعد زمن الثورة الصناعيّة ، لكنه يستيقظ صباحاًَ كل يومٍ ليكتشف أنه لا مكان للفرار ، لا مكان لمشروعه هنا ، و لا مكان لمشروعه هنالك ، لا مكان له على أي بقعةٍ من بقاع البسيطة .

في بيئةٍ مهيأةٍ للقيل و القال ، يجد الأصوليّون مساحةً واسعةً لبناء مشروعٍ يستند على بساطة المجتمع ، فمجتمعنا الليبي بمنظومته القبليّة الرجعيّة ، يؤمن فيه المواطن الليبي الذي لا يزال لم يعرف بعد كيف يرتدي زي مواطنته ، يؤمن بأن كل قبيلةٍ تعود الى جدٍ واحدٍ ، و بناء عليه يكون دونما درايةٍ يعلن أن ليبيا قبل عشرة أجيالٍ لا غير كان يسكنها آدم يبحث عن حواء ، و كل القصور والقلاع التي تستقر على أرضنا الليبيّة قبل هذا الزمن بقرون طوال بنتها قوةٌ خفيّة لملوك الجان لم يستطع تحريكها سوى سليمان النبي الذي لم تطأ قدمه ليبيا على حد علمنا ، و بناءً عليه نجد أنّ المثقف الليبي الذي يفكر عبر عقل الجماعة لا يمكن أن يملك مشروعاً يخرج عن هذا الإطار سيء السمعة ، ما لم يكن أصوليّاً ، متسلّقاً ، انتكاسيّاً أو مستسلماً إمّا لرأي السلطة الإقطاعي أو لرأي الجماعة الغير عاقلة ، من هنا لا يمكن للدهشة أن تعقد لسانك و أنت تقرأ أن مثقّفاً عبر الطريق الموصلة الى جهنم ، في رحلته نحو الجنّة !! .

أتحدّث هنا وفق منطق المثقّف الذي يجلد نفسه ، فعبر المجال المتداول للتعبير لا مجال للحديث عن مشروعٍ يمكنه أن يتجاوز حاجز صدمة واقعنا المرير ، ما لم يحدث انفجاراً و انقلاباً رأسياً في التركيبة العقليّة للمجتمع الليبي ، و هذا ما لم يقم به أي مثقّف ليبي في واقعنا المعاصر ، في حال استثنينا تجربة ( الصادق النيهوم ) - العلامة الثقافيّة الليبيّة الفارقة - و الذي نبذه عقل الجماعة الليبيّة الذي تسيطر عليه قوة اللاهوت المليئة بالخرافات ، و الذي تسيطر عليه في جانبٍ موازٍ عقدة الآخر الأسطورة ، فنحن متخلّفون لأن العالم تحرّكه أنامل اليهود !! ، و نحن سعداء رغم ذلك لأننا نلعب دونما خوفٍ دور الضحيّة دائماً ، يشدنا الماضي نحوه وفق عقلية قبول الوصاية ، لا لأن هذا الماضي ورديٌ أو رائع ، بل لأننا لم نعشه لسببين ، أما الأول فلأنه بعيدٌ عنّا على جانبي المكان و الزمان ، فهو ليس ماضينا ، و لم نعرفه إلا كما قيل لنا ، أمّا الثاني لأننا بيئةٌ مهيأةٌ لقبول صور الآخر و نبذ صور الذات ، فعندما يحمل أحدنا صورةً فوتوغرافيّةً لطفلٍ رضيعٍ فإنه أمام طريقين لا ثالث لهما ، إما أن يملأ المسافة بين الصورة و ذاته بسرد تسلسل أحداثٍ تخبر عن تاريخه الشخصي ، في حال كانت الصورة له ، و إمّا أن يملأ الفراغ بوهمٍ و جملةٍ من الأكاذيب في حال كان قد وجد الصورة في محفظةٍ سرقها من جيب غافلٍ أو شخصٍ غير مكترث .

المثقف الليبي يمر عبر دورة حياةٍ فائقة السرعة، لأسباب عديدة قمت بالحديث و لالتفاف حول جملةٍ منها، لكن في حال كان الحديث عن المثقفة الليبيّة – في حال تمكنّا من إيجادها و التعرّف عليها - فإن هذه الأسباب تسقط جملةً واحدةً قبالة سببٍ واحدٍ و هو كون هذه المثقّفة ( أنثى ) في مجتمعٍ يعتبر صوت المرأة خارج غرف النوم ( عورة ) ، ففي ليبيا ليست المقاهي فقط مخصّصةٌ للرجال ، إذ لا تملك المثقّفة الليبيّة سوى أن ترتدي زي المنظّر الوهمي الذي لا يملك سوى دوراً توعويّاً يعتمد على قدراتٍ إنشائيةٍ استهلاكيّةٍ و بسيطةٍ ، لا تمثَّل مشروعاً مستقلاً بقدر ما تمثل تبعيتها الاجتماعيّة لعقل مجتمعها الذكوري المسيطر .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home