Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير


أمـاريـر

Monday, 19 March, 2007

       
       

قـلـق (2) (*)

أمارير

عندما تجد نفسك منتصب القامة في وجه موجةٍ عارمةٍ من الشكوك ، الخزعبلات ، و الأكاذيب التي قلتها أنت فقط ، و لم يقلها سواك لك ، تقف وحيداً تواجه كل عوامل التعرية التي تزيل ملامحك و لا تبقي سوى بضع سماتٍ تميّزك عمّن لم تجد جانبك في تلك اللحظات التي استمرت لسنوات ، حينها يحق لك أن تخترق قلقك و تفعل ما لا يستطيع سواك فعله لك ، حينها يحق لك الانتحار ، و قد تكون نصيحتي هذه لك محض دعابةٍ سمجةٍ لم تعتد سماعها .

عندما تكتشف أنك غير موجود ، ألا بالنسبة لك ، أنك غير مريء ، ألا بالنسبة لمن يقف أمام المرآة في غرفتك التي تحوي داخل جدرانها الأربع شيئاً اعتدت أن تناديه ( أنا ) ، حينها يحق لك أن تصرخ بصمت ، لأنه لا يوجد من سيسمعك ، لكن أن تجد حنجرتك و قد شلت أوتراها و عزفت صدىً لا يستطيع أحد تحملّه ، حتى أخاك الذي لا تملك صحبته سوى ملامح تشير الى كونكما تناولتما ذات الحليب من ذات الثدي في يومٍ ما ، قبل أن تصبح ( أنت ) ، و يصبح ( هو ) ، حينها ستأخذ دعابتي هذه بمحمل الجدّ .

سترغب بالتأكيد صمتي ، و سأرغب أنا صوتي ، و هذه لعبةٌ يمكن لكلينا أن نلعبها ، فأنت فقط من يعرف ما معنى أن تكون موجوداً في عالم مليء بترهاتٍ لا يراها سواك ، و تحاول أن تخبر الجميع بما تراه ، لتكتشف أنك بالنسبة لهؤلاء جميعاً ترّهة فقدت قيمتها و معانيها التي كانت تثير انتباههم ، قبل أن يتم إلقائك في سلةٍ للمهملات نسي حتى عامل التنظيف الطريق التي توصله إليها ، ليضمها صحبة باقي السلال في ساحة قاذوراتٍ واحدة .

مرةً أخرى أخبرك صديقي في أحسن تقويم ، أني لا أستطيع الصمت ، فلقد اعتدت مزاولة لعبة الكلام مذ قررت أنت الصمت عن الحديث بصفةٍ يعرف الجميع تصنيفها داخل صفاتٍ تملك موصوفاً ، لذلك سأخبرك سراً تعرفه لكنك تتفاداه ، مفاده أنك لا تعاني من حالةٍ مزمنةٍ من القلق كما تدّعي ، فأنت خلاف الجميع رقمٌ إيجابيٌ لا يقبل القسمة إلاّ على نفسه ، تملك سعة معارف تُخجلك ، و فصاحةً تُعيقك ، لكنّك أنت من يرفض القبول بحقيقةٍ مفادها أن الآخرين جميعاً ( غير موجودون ) .

ستتهم كلماتي بوابلٍ من التهم تؤرقني ، غايتها القول بأني أمتدحك لغايةٍ في نفسي ، لكن هذه الغاية أنت فقط من يعرفها ، لأنك أنت صديقي الخلوق من يكتبني ، و سأجيب بالإيجاب حينها فقط ، لأني لا أستطيع النفي مخافة استمرارك في الحديث ، و ستنتهي لعبتنا في تلك اللحظة ، لأن صوتك ببساطةٍ منقطعة النظير لا يستسيغه سواك ، فلقد مزجته بقدرةٍ عجيبةٍ بكمٍ ضخمٍ من النوايا الطيبة ، تلك التي لم تفدك يوماً و لن تفعل .

فدعني أسترسل في الحديث ، و سأدعك أنت تسترسل في الصمت ، مخافة كشف حقيقتك لغيرك ، رغم كون الأمر لم يعد يعني أحداً ، فلقد أضحيت ذرّةً خاملةً بالنسبة للآخرين جميعاً ، و من ثم لن يعيدك الى حساباتهم سوى انفجارٍ مدويٍ يسمعه الآخرون بصيغة خبرٍ يفيد ( انتحارك ) .

لقد فقدت أبجديتك عزيزي ، فلا تحاول الحديث ، فقدت كل عوامل بقائك و نجاتك داخل هذا العالم ( الحقير ) ، هذا العالم المليء بالحقراء ، هذا العالم المليء أيضاً ( بك ) ، فلا تحاول أن تنجو ، لقد فقدت أيضاً كل الدلالات التي تدلّك الى أين المفر ، فلا تحاول الفرار منك إليك ، و فقدت كل الأفكار المخادعة التي تعينك لتقتني كلباً شارداً تطلق عليه صفة ( الصديق ) ، أو شاباً يافعاً تعلمه بأسرارك التي لا طائل منها ، تطلق عليه صفة ( الصديق ) ، أو عاهرةٍ مجانيةٍ تتحايل عليها غرض الحصول على كومةٍ من الأحلام التي لا تملك الجرأة لتحقيقها ، و تطلق عليها ذات الصفة ، صفة ( الصديق ) ، لكن دعني أخبرك أن صديقك هذا لن يصدقك شيئاً البتة ، لأنه جنديٌ داخل رتل الحقراء ، من اعتدت أن تراهم و هم يعبرون كما الجرذان الخاملة أزقة مدينتك الخاملة أيضاً .

أعلم أنك ستعمل جاهداً من أجل التجرّد من كل صفاتك التي امتلكتها دونما رغبة ، ستلقي بعيداً عنك إيمانك ، صدقك ، نقاء سريرتك ، ثقتك المهولة بالجميع و عطشك الدائم لمعرفة كل شيء ، لكن دعني أخبرك بأن هذه المحاولة ستبوء بالفشل ، لأنك تعلم أن الأمر غير ممكن التحقيق ، فهذه العناصر هي المتبقية لديك لتثبت أنك حيّ ، و بدونها ستعمل وفق نصيحتي ، ستقترف ( الانتحار ) و أنت تعرف مدى صعوبة الموت قبل معرفة اتجاهك الذي ستسيره كذكرى ( طيبة ) ربما ، فهل ستجد هؤلاء الآخرين جميعاً يتذكرونك ما داموا أحياء ، أم أن اسمك سيبقى محض علامةٍ دالةٍ فوق ضريحٍ يشير ناحية مكان قبرٍ جديد ، لحقيرٍ من الحقراء .

واصل المسير نحوهم ، لن أحاول منعك ، واصل التودد ، لن أحاولك كبحك ، و واصل التقرب منهم ، لن أحاول ردعك ، فهم من سيتكفل بتطبيق مهمة المنع ، الكبح و الردع ، فمتى ستفهم أيها الأحمق أنّك سلعةٌ منهكةٌ جرّاء الاستهلاك المستنفذ لها ، فهؤلاء محض ( نفعيين ) لا يملكون القدرة حتى على الاعتراف بجميل الله الذي منحهم بالمجّان مجموعةً من الصفات التي يمكنهم بيعها ، فإذا كان هؤلاء مستعدّون لبيع ضميرٍ مستنفذ ، سمعةٍ سيئة ، كومة أخلاقٍ بالية ، شرف جُسّد في بقعةٍ من الدماء تسيل في لحظةٍ ينتظرها حقيرٌ و حقيرة من هؤلاء ، و صفة غباءٍ مستفحلٍ في الجميع تفيد أن هؤلاء أغبى من أن يستوعبهم عقل جماعةٍ أكثر غباءً ، أفلا تعتقد معي أنّهم سيهبونك شيئاً منها بالمجان .

أعلم أن فصاحتك ستخبرك أن كلماتي التي تكتب أنت فصيحةٌ بسبب ( أناملك ) ، لكن إياك و أن تخدع نفسك مرةً أخرى ، فمذ فقدت صفاتك الطبيعية ، و أنت تنهك هذه الأنامل في نصوص لن يقرأها أحدٌ سواك ، حتى إذا فعل و قرأها آخرون ، فأعلم أنك تعلم أن لا أحد من هؤلاء الآخرين جميعاً سيعي ما الذي تريد قوله لي ، فهؤلاء لا يعرفون التمييز بيني و بينك ، ربما لأني أنت ، المغضوب عليه من السماء ، المسلوب من كل نعم الله في الأرض ، الباحث بقلقٍ مثيرٍ للشفقة ، عن منفذ يفرّ عبره ، يوصله ناحية قلقٍ لا يقلقه ، قلقٍ يقلق الجميع سواه ، بعد أن تستهويه فكرة ( الانتحار ) .
________________________

(*) قلق ( 1 -> 3 ) و أمارير.


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home