Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير


أمـاريـر

Friday, 17 August 2007

شيءٌ ما ، يجب أن يقال(1)

أمارير

(الهوية لا تبنيها الأساطير ولا هرطقات المرتزقة ولا قمع المخبرين ، ولا الرصاص ولا أسماك القرش ، الهوية تبنيها الحكمة والمعرفة دون النظر للأغراض الزائلة وتفاهات المتملقين ، فلا يوجد هنا بربرٌ على حدة وعربٌ على حدة، إنه تصورٌ لا أساس له، كلنا ليبيون بالوطن بعضنا تعرب لساناً والبعض الآخر لا زال يتكلم الليبية لأسباب تتصل بالتضاريس أو بوعيٍ نسبيٍ ضئيل) ......... ( سعيد سيفاو المحروق )

عبر زمنٍ طويلٍ استقر الفكر القومي بمفهوم وحدة ( العرق ) الخاطئ ، داخل فهم الإنسان الليبي لذاته كوعي ، فكان الخلط بين مفهوم الثقافة و مفهوم العرق بمعناه الجيني ، بأن ألغى هذا الوعي حقيقة تركيبة هويّة الذات الحقيقيّة المتصلة على جوانب عديدة و مستوياتٍ متوازية تصاعدياً ، عبر المكان ، الثقافة و اللسان مجتمعةً مع تجاهل فكرة وحدة أو وجود العرق ، فالتقسيم الذي انتهج ( هنريكو دي ؤغوستين ) في كتابه سكان ليبيا ، كان مبنياً على قناعات المتكلمين بالعرق ، بتقسيم الليبيّين الى بربر ، عرب ، كرغليّة ... الخ ، و هذا خطأ لم يقترفه هنريكو عن قصد – ربما – ، بقدر ما كان خطأً في الوعي بالذات لدى الليبيّين مجتمعين ، خطأٌ لا يزال ساري المفعول حتّى اللحظة ، فلا يمكننا بأي شكلٍ من الأشكال في الوقت الحاضر أن نسمح لأنفسنا بالاعتقاد بوجود تفوق أو دونية عرقٍ من الأعراق بالنسبة لعرقٍ آخر ، سواء من وجهة نظر لاهوتية ، حضاريةٍ ، أو أنتروبولوجيّةٍ حداثيّة ، فالحقيقة العلمية تنفي إمكانية التعرّف على مزايا أي عرقٍ من الأعراق الرئيسة ( الأبيض ، الأسود و الأصفر ) ، مزايا هذه الأعراق البيولوجيّة من حيث الكم ، بل و حتّى من حيث الكيف ، فما بالك عند الحديث عن مسميّات عرقيّة وهمية ترسّخت عبر جملة من الصور الوهمية التي خلقها بالدرجة الأولى و داوم على خلقها إعلام السلطة الحاكمة على مرّ العصور ؟ .

إنّ هذا التقسيم الغير علمي يتنافى مع أبسط قواعد البحث التاريخي الأركيولوجي ، فالبحث في بيولوجيا العرق و الصفات المتوارثة الجينية يؤكد لنا عدم وجود عرقٍ محددٍ و نقيٍ يمكن أن نسميه بالعرق البربري أو العربي على أي حالٍ من الأحوال – إلا وفق منطق هتلري وقراءةٍ نازيّة – ، فالأعراق الرئيسيّة و التي يمكن تحديدها بصفاتٍ جينيّةٍ لا جدال فيها – نوعاً ما – هي ( الأصفر ، الأسود و الأبيض ) ، أمّا عند الحديث عن محيط شمال إفريقيا و الجزيرة العربية خصوصاً باعتبارهما بؤرتي تجمعٍ بدويٍ طارد ، فالقول بوجود إي عرقٍ بحقائق بيولوجية مطلقة محض خرافة لا تكلف سوى وطناً !! .

إن الخطأ الأول في واقع الأمر هو الخلط بين [ 1 ] بيولوجيا العرق و [ 2 ] المنتج الاجتماعي و النفساني للثقافة و الحضارة الإنسانية ، فالخلط بين الأمرين يجعل الباحث يلج دونما قصدٍ ربّما في دائرةٍ جهنميّةٍ بجملة أخطاء ثقافية عندما يحتكر قيمة الفرد و تبعاً لذلك خصوصيّته الثقافية في أرومته العرقية – و لا نستبعد هنا حسن نيّة الباحث بالتأكيد – ، فالهوية ليست كائناً حراً ، بل هي وعيٌ الإنسان المقيد بـ ( المكان ) ، و هنا نجد أنّ مستويات تكوين الذات و الأنا الرئيسيّة هي--:

· المكان ( Ajdi ) ، و يقرأ عبر طوبونومي الوطن .

· الثقافة ( Tadelsa ) ، و تقرأ عبر حدود انتشار الموروث الثقافي المعاش .

· اللسان ( Awal ) ، و يقرأ عبر تركيبة اللسان المنطوق داخل تكوين الأحكام لا الدلالات فقط .

إذ أنّ المساهمة الثقافية – المستوى الثاني – لأي فردٍ كان في الحضارة البشريّة تتّسم بشيءٍ من الخصوصية التي تمنع إحكام صفة عرق الفرد على صبغة الحضارة و الموروث الثقافي ، فالذات خاصّة لا تحكمها الأرومة العرقية التي لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال التأكد من حقيقتها و نقائها ، فالذات لا تميّز أفعالها ، حيث أنّ الخصوصيّة موجودةٌ في كل شيء ، و هذه الخصوصيّة تعود الى الظروف الجغرافية ، الاجتماعية و التاريخية – السوسيولوجيّة – التي تخلق الذات ، و ليست مقيّدة بالتكوين التشريحي أو الفيزيولوجي للعنصر، و هذه الخصوصيّة بدأت في الانحسار باختفاء معالم الخصوصيّة الثقافيّة الليبيّة – بمفهوم الأمازيغيّة الثقافيّة – و التي تنتهي عند حدود السّلوم و تمتد على امتداد الشمال إفريقي ( كموروث الزي ، الأكل و العادات الاجتماعيّة ) ، في وجه حالات الفوضى الثقافية و التي سبّبتها الموجات الثقافية الوافدة ، ابتداءً بالموجة الإسلاموية السلفية – على جانبي شطريها الانهزامي أو الانتقامي – بشكلها الاجتماعي انتهاءً بالموجة التقدّمية الغربيّة بشكلها المستلِب ، أي أن هوية العنصر لا تخلقها أرومته بل التركيبة المحيطة به بالدرجة الأولى ، فلا وجود حقيقيٍ للعرق عند الحديث عن هوية المواطن ، بل يوجد فقط المكان – المستوى الأول – ، و هذا الوطن يمكن التعرّف عليه ببساطة داخل قراءةٍ واقعه التاريخي عبر لغته التي يتكلم ، و عند الحديث عن الوطني الليبي – بالحدود الدولة المتعارف عليها طبعاً – ، نقرأ أسماء الأماكن بل تتحدث باللغة الليبيّة – الأمازيغيّة – ، ولنا في ذلك مثال مدن و مناطق مسلاّتة ، ترهونة ، مصراتة ، تاورغاء ، ورفلّة ، سرت ، سوف الجين ، جنزور ، ورشفّانة ، غريان ، ككّلة ، يفرن ، مزدة ، الزنتان ، نالوت ، غدامس و فزّان .... الخ ، و لنا في تجربة إلغاء اسم جبل نفوسة و تسميته بالجبل الغربي كخطأ اجتماعيٍ شديد الخطورة ، مثالاُ يوضح أهميّة لغة المكان كمركبٍ هويّاتيٍ رئيس.

أي أنّ الإدعاء بوجود علامات وحدةٍ و لو طفيفةٍ خارج حدود الوطن الليبي على اتجاهين متناقضين ، مشرقي إقصائي ، أو مغاربي أمازيغي شمولي ، يبقى محض خدعةٍ من مسلسل الخداع ، فهذه العلامات مجتمعةً تفتقد الى أي عاملٍ من عوامل الوحدة ، خصوصاً عند الحديث عن استهلاك و استغلال قيمة سند الشعور القومي الإيجابي عبر جملةٍ من الرسائل السلبية التي يمرّرها بعض الأصوليّين ، ففي المستويات الثلاث المكوّنة للذات – المكان ، الثقافة و اللسان – ، نكتشف أن حدود الخصوصيّة تجعلنا نضطر – و بارتياحٍ مفعمٍ بالحيويّة – الى اختزال عوامل هذه الوحدة داخل حدود الدولة القطرية ما أمكن ، فمع التسليم بحقيقة عدم وجود ( عرقٍ ) بربري أو عربي بصفاتٍ جينيّةٍ مميّزةٍ ، نجد أن العامل الموحد الرئيس – المستوى الثالث – ألا و هو اللغة المنطوقة يحتّم علينا الالتفات ناحية الوطن لا غير ، فلا وجود للغة أمازيغيّة واحدة ، فالحالة الأمازيغيّة مشابهةٌ حدود التطابق و الحالة الإسكندنافيّة ، و لا وجود للغةٍ عربيّة حيّةٍ واحدةٍ أيضاً على طرفٍ موازٍ ، بعد اختفاء أحكام اللغة العربية داخل أحكام و قواعد اللغة الأمازيغية ، و انحصار قيمتها في الدلالات لا غير ، و الدلالات لا تخلق لغةً – كما يؤكد ابن خلدون في مقدّمته – .

إنّنا نمر اليوم بمرحلة مخاضٍ جدّ عسير لأجل ولادة ( وطنٍ ) يحوي الجميع ، وطنٍ يسكن أبنائه الذّين يسكنوه ، فالكائن الليبي المستلَب بطبعه ، يقرّر إلغاء علامات ذاته مرّة تلو الأخرى ببساطةٍ منقطعة النظير ، حتّى أنّ اللغة في واقع الأمر أضحت مركباً اجتماعياً يُكتسب و يُفقد بسهولةٍ ، كفقدان الأرومة القبطية و الأمازيغية للسانهما بعد أن اجتاحهما طرحٌ لاهوتيٌ ارتدى فيه الدين لغة أرومة لسانه العربي ، فكلٌ من الأرومة العرقية و اللسان هما في واقع الأمر مركّبان لا يوفّران دليل مرجعيةٍ ثابتٍ و متطابقٍ منفصلٍ عن باقي المستويات و خصوصاً وحدة المكان ، فالأول لا يمكن التحقق من حقيقته وفق حقيقة كون الإنسان كائنٌ مهاجر باستمرار ، و فرضت هذه الهجرة اختلاطاً و تمازجاً عرقياً ، و الثاني – اللسان في حالتنا الليبية – لم يحافظ على صورة الأصل ( عربيةً كانت أو أمازيغية ) كدليلٍ على حقيقة أن اللفظ أيضاً في واقع الأمر هو كائنٌ مهاجرٌ أيضاً ، و لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الاستدلال على مصدر اللفظ أو استنباط مرجعيته الأساس ، إلا وفق طرحٍ عنصريٍ بالدرجة الأولى .

إنّ الهويّة في واقع الأمر هي وعيٌ بنتائج مشروعٍ اجتماعيٍ بالدرجة الأولى ، و هذا الوعي متزامنٌ و مرتبطٌ بدرجةٍ كبيرةٍ بالمكان – الوطن الجغرافي – ، فعندما يحدّثنا ( ليبي ) عن أصولٍ وهميّةٍ تربطه بالباسك على سبيل المثال – و هو ما حدّثني به شخصيّا أحد مثقّفي الساحة الثقافيّة الليبيّة – ، فإن هذا الحلم الوردي سرعان ما سيتحول الى كابوسٍ مرعب ، لأن هذا المواطن الليبي يفتقد لأهم عاملين يربطانه و الهويّة الباسكيّة ، أمّا الأول فهو الوطن الباسكي ، أمّا الآخر فهي اللغة الباسكيّة ، فلا وجود لرابطٍ حقيقيٍ بينه و بين هذا الوعي الاجتماعي سوى مجموعةٍ من الخرافات التي تبني وهم ارتباطٍ ( عرقيٍ ) لا أساس له من الصحّة

ذات الشيء عند الحديث عن شعور العلاقة الوهميّة بالمشروع الاجتماعي العروبي ، فلو فرضنا كون الأصول الأولى لكل قاطني ليبيا يمنية – كفرضيّة شديدة الجدل و التناقض التاريخي في ذات الوقت – ، فإن المشروع الاجتماعي فقد كينونته ما أن وطأت قدما هذا المهاجر الأراضي الليبيّة ، لأنه انسلخ تبعاً لهجرته ( الافتراضيّة و الوهميّة ) عن واقعه الاجتماعي الأصل ، و انطوى داخل منظومةٍ اجتماعيّة شديدة التعقيد ، لكنها تشترك في واقعها الجغرافي – المستوى الاجتماعي الأول لكينونة الذات – ، بأن أصبح جزاً مكملاً و مندمجاً لكينونة الذات الليبيّة عبر صورها الثقافيّة ، اللغويّة و السوسيولوجيّة الأمازيغيّة بالدرجة الأولى .

فالسرد السوسيولوجي للواقع الليبي لا يجب أن يمر عبر قراءةٍ تاريخيّةٍ ، بشريّة التعريف بالدرجة الأولى ، فالتاريخ من صنع المؤرخ و ينتهي عنده ، محكومٌ برغبة السلطة الحاكمة المنتصرة ، فالمؤرخ فردٌ يعرف فقط ما يمكن أن يعرفه ، و هذا في الأساس غير متوفّرٌ لدى كل الأفراد ، و الماضي المعلوم يتجاهل النسيان و السهو ، كما هو حال الماضي المحفوظ و المفهوم ، و الذي تسقط عنه قيمة الماضي ( اللغز ) ذكراً و حفظاً ، متجاهلاً جانب اللاوعي في عقل المؤرخ في كتابة النص التاريخي ، من هنا نفهم أن مسألة العودة الى المرجعية التاريخيّة كسند دليلٍ هويّاتي مسلّم به ، يضيف شعرة يجب قطعها ، و كما يقول الجاحظ ( دلائل الأمور ، أشد ثباتاً من شهادات الرجال ) ، فعلى سبيل المثال نجد أن المرجع الذي يعود له المؤرخ عند الحديث عن التصنيف العرقي ، في واقع الأمر ليس مرجعاً علمياً بقدر مما هو مرجعٌ لاهوتيّ لا ورائي ، يعتمد بالدرجة الأولى على خرافة توراتية ، ألا و هي الخرافة الحاميّة الساميّة ، و التي ترد في العهد القديم ، سفر التكوين ، الإصحاح التاسع ( نوح و بنوه )(2) ، تلك التي تم تمريرها بنجاحٍ عبر التنظير الميثيولوجي الإسلامي في نصوص ما بعد معاوية تحديداً ، و مثالها ما يرد في تاريخ دمشق لابن عساكر ، المتروك للنسائي ، المعجم الكبير للطبراني و مسند أحمد(3) .

عبر سلسلةٍ من الرسائل الميثيولوجيّة المشبّعة بمشاعر كراهية الذات ، كان أن حاول جزءٌ ليس بالبسيط الانسلاخ عن مشروع الواقع الاجتماعي الليبي ، هذه الرسائل التي حاولت أن تستمد قوّتها عبر مبدأ وحدة اللغة – الجانب الثالث من مستويات تكوين الذات – ، كرسالة ( ليست العربية بأبٍ أو بأم ) ، هذه الرسائل التي أنتجت تغييراً عبر الاتجاه السوسيولوجي .

عبر رسائل أخرى تمت محاولةٌ ناجحةٌ لاحتواء هذا المنسلخ ، كرسالة ( مولى القوم سيّدهم ) ، هذه الرسالة التي أتت عبر مبادئ المذاهب السنيّة التي ألقت صفة المولى التحقيريّة لغاياتٍ سياسيّةٍ على ركن المشروع الاجتماعي الأمازيغي الأصيل – المواطن الليبي – ، لأجل احتواءه داخل مشروع الشخصيّة العربية التي لم تتكوّن إلا عبر الطرح اللا ورائي الديني ، فالأمة العربية لم تكُ موجودةً ، و لم يكن هنالك وجودٌ للعرب قبل الإسلام ، ما بالك عند الحديث عن التسمية العرضية لليبييّن ( بعرب ما قبل الإسلام ) ، و بناء على ذلك الوطن العربي إلا بُعيد امتلاك مشروعٍ اجتماعيٍ تم تصديره عبر جملةٍ من الأصوات التي تتحدّث باسم الله !! ، رغم كون التنظير الميثيولوجي الذي مرّر هذه الرسائل يحوي جملة رسائل تناقض هذا الطرح ، كرسالة ( سلمان من آل البيت ) ، هذه الرسالة التي استوعبت احتواء الفرد داخل منظومة الهويّة الاجتماعية لاكتمال عناصر الوعي بالهويّة كشروع وعيٍ اجتماعيٍ بالدرجة الأولى لا يرتبط بأي شكلٍ من الأشكال بالتقسيم العرقيّ الوهميّ .

لقد أخطأ الليبيّون خطأً مركزيّاً أدخلهم دهاليز من الأفكار القوميّة ، بأن الغوا فكرة الدولة ( ليبيا ) ليتبنّوا فكرة الوطن ( العربي ) ، بأن أنكروا قيمة الأمّة و تشبّثوا برمزية العرق الذي لا يعني قيمة مشروعٍ متين ، بقدر ما يكوّن بنياناً اجتماعياً هشاً مبنيّاً عبر جملة من المصالح القبليّة السياسيّة المتغيّرة و المحفوفة بالمخاطر ، فانقلب السحر على الساحر اليوم بأن وجد المواطن الليبي فردوس الوطن العربي جحيماً مستعراً لا مكان له فيه ، إلا بأن يعلن تنصّله من هذا الوطن عبر أي ملاذٍ كان ، حتى لو كان هذا الملاذ مقدّماً له على طبقٍ ساخنٍ يشوي يديه و لسانه أيضاً ، و هو يلتهم عشائه الأخير بعد أن بقي لقرنٍ من الزمان يتضوّر جوعاً لوطنٍ يحوي الجميع .

هنا نجد أن الملاذ الأكثر رحابةٍ و أماناً هو بفرار الذات عبر ذاتها الى ذاتها ، إذ عبر هذا العالم المليء بالعنف ، و الذي بدأت كل صور الأنا تفقد قيمتها الاجتماعية في وجه الموجة الاحتوائية ( الأمريكيّة ) بالدرجة الأولى ، و التي اختزلت قيمة كل المشاريع الثقافيّة عبر مشروعها السياسي ، لا يمكن القبول بالحديث عن علاقةٍ مجازيّة داخل قيمة الوطن العربي ( الاقصائيّة ) ، و عروبة الليبي ، بناءً على فرضيّة واقع الهجرة و الأصول الإثنيّة العرقية الغير علميّة ، و التي تملك من الصواب فقط النذر القليل .

فالمواطن الليبي داخل الوطن الليبي ، عبر موروثه الثقافي الليبي الخاص و المنتشر عبر الصحراء ، مروراً بالجبال وصولاً الى المتوسط ، هو ليبيٌ بالدرجة الأولى و الأخيرة ، فعندما يتحدّث ليبيٌ عن أصوله التركيّة بناءً على قيمة لقبه – كعائلة الساقزلي ، القراملي , القورجي ، زمريلي ، قاجاجي ، يازجي ، باشاغا ، قرواش ، و خلاقها من العائلات الليبية الطرابلسيّة التي ترد في كتاب هنريكو دي ؤغستين ( سكّان ليبيا ) – ، فإن هذه القيمة لا تملك أي معنىًَ مذ استقر كجزءٍ من المنظومة الاجتماعيّة الليبية بفقدانه لعاملي الوطن و اللسان التركيين ، بعد تسليمنا دون نقاشٍ بعدم جواز الحديث عن عامل ( العرق التركي ) نظراً لاندثاره قبل وجوده جملةً و تفصيلاً ، كما هو حال صديقنا الباسكي المسكين ، و لا وعي المواطن الليبي الناطق باللغة العربيّة – وفق قيمة الدلالات فقط – ، بعروبةٍ انسلخ عنها إما عبر هجرته – الافتراضية – ، أو بها عن طريق محاولة انسلاخه عن ذاته بفقدانه لغته الأمازيغيّة – التعريب القسري ، الجبري أو الاختياري – .

إذ مع مطلع هذا القرن ، بدأت صورة الكون في التغيير عبر جملةٍ من التصوّرات و المشاريع الاجتماعيّة ، فانقرض القوميّون بمشاريعهم الشوفينيّة البائسة بعد انقراض دولة الخلافة و أصبح ما للهِ لله و ما لقيصرَ لقيصر!! ، و حان الوقت لانقراض الوطن العربي بعد أن أصبحت الدولة ضروريّة الوجود ، نظراً لاختفاء كل المشاريع الأيديولوجيّة و الميثيولوجيّة الواضحة و نحن نعدو مسرعين دونما كللٍ مقتربين ناحية يوم القيامة !! ، هذه الدولة التي أصبحت ضروريّة الوجود كما البقرة الحلوب التي يملك صاحبها ثمن حليبها الذي يشتريه لأطفاله الجوعى !! , فالدولة يجب أن تخلق و توجد بحدودٍ واضحةٍ و مواطنين يمكنهم حلب هذه البقرة بالدرجة الأولى ، قبل أن يتمكّنوا من التعرف على الصورة التي تحملها بطاقتهم الشخصيّة المميّزة ، تلك التي لا يملكون سواها لتعريفهم كمواطنين يملكون وطناً يعرفه الجميع .

فعبر هذا الوطن المكوّن من الآخرين جميعاً ، يمكننا أن نستوعب فكرة قبول الآخر ، فحتى الطفل بين عمر الستة أشهر و السنة ، يخرج من حياته البيولوجيّة الصرفة ، و يكتشف نفسه عبر الآخر ، فيبدأ أولاً في اكتساب اللغة عبر معجزة النطق ، كعمليّةٍ لترتيب الأشياء ، و وسيلةٍ للتعامل مع الآخرين لأنه يعتقد اختلافه عنهم ، هذا الاختلاف الذي لولا وجوده لا وجود له بذاته ، هذا الاختلاف الذي يكوّنه و يجعله ينمو ، و هذا الاختلاف هو الذي سيكوّن الوطن و يجعله ينمو.

يقول روجي جارودي (4) : ( يجب علينا أن نتوقّف عن توقّع سوء النيّة ، فلقد حان الوقت للحوار في حال أردنا أن نعبر دونما أن نموت العتبة التاريخية القادمة ، فبعد ولادة الأرض و الانتظار ألف مليون عام لولادة الإنسان ، ولادة الحضارة ، و ولادة القدرة على التلاعب بالنواة و الجينات ، علينا أن نسعى جاهدين من أجل خلق عالمٍ يقبل الجميع ، قبل أن ينهار هذا العالم ، و ينتهي أي أثر للحياة على الأرض ) ، فعلينا و بحذرٍ العمل من اجل تحويل لغتنا من كتابةٍ بقلمٍ ( دون حبر ) ، كتب على سماءٍ من سحب ( أمطرت ) الليلة البارحة ، ليصل أرضاً ( غرقت ) داخل أكوامٍ من فشل لتستدرج ( حماستنا المفرطة ) ، عبر زحامٍ من الإحداثيّات ( المتناقضة ) ، لنطلب من أنفسنا و لا نأمرها ، أن نحاول جميعاً أن نصبح ( ليبيّين ) قدر استطاعتنا ، و لنعمل حثيثاً للالتقاء في منتصف الطريق ، و لنحمل لبعضنا بشرى مفادها أننا سنبدأ في العيش معاً في خانةٍ واحدةٍ ، بعد أن كنّا لقرونٍ بيادق في رقعة شطرنجٍ مليئةٍ بالألوان ، فنحن هنا لسنا نتحدّث عن فترةً تعسفٍ ثقافيٍ امتد فترة الأربعين أو الخمسين عاماً ، بل نتحدث عن إجحافٍ نال موروثنا الثقافي الأمازيغي لفترةٍ تزيد عن الأربع آلاف عامٍ أجهدنا فيها أنفسنا حتى النخاع ، فلو قرأنا و بتجّردٍ الفرق بين نسبة الوعي و الواقع سنقرأ تناقضاً يدفعنا دفعاً الى تجاهل كل طرحٍ أصوليٍ يقصي الآخر متجهين نحو ليبيّة ليبيا ، إذ كلما اقتربت صورة الآخر ، كلما ازدادت صورة الأنا جمالاً .

و تظلّ هذه وجهة نظرٍ جدليّةٍ أقلّ سلبيةً من قريناتها التي تعتمد على مبدأ الإقصاء أو الاحتواء الشمولي و إنكار الآخرين جميعاً ، لأننا نرى ملائمتها لطرح ( الأمّة ) بمفهومها المحوري وفق مبادئ علم الاجتماع ، فمصطلح الأمة كمفهومٍ سياسيٍ أيديولوجي وفق مبادئ التعددّية مصطلحٌ يستمدّ صرامته و واقعيته من مبادئ أزليّة مفادها أن الأرومة العرقية الواحدة ، اللغة الواحدة كما هو حال المعتقد الديني الواحد ليست من العناصر التابثة و الرئيسة لأنها ببساطة غير ممكنة التحققّ ، ما لم تعتمد على طرحٍ عنصري و قفزةٍ أخرى نحو الفراغ بالاستمرار في مسلسل الخداع الذّي لن يكلّف أيّاً كان سوى تصديق خدعةٍ جديدة .

Ar Tufat
آر توفات
Usigh s ghades d ughigh yaytv
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
________________________

(1) نص مشاركتي في ندوة 14 من هانيبال 2007 بعنوان (الأمازيغيّة ، أصالةٌ وحداثة)، والتي أقيمت في مدينة طرابلس ، تحت إشراف رابطة شباب جادو ، و هو تجميع و إعادة صياغة و تنسيق لجزئي مقالة (اقطعوا هذه الشعرة)، والمنشور مسبقاً في مجلتي ليبيا وطننا وليبيا جيل (ملصق الندوة من تصميمي الخاص).
(2) و كان نوح أول فلاحٍ ، فغرس كرماً فشرب نوح من الخمر فسكر ة تعرّى في خيمته ، فرأى حلم أبو كنعان عورة أبيه ، فأخبر أخويه و هما خارجاً ، فأخذ سام و يافت ثوباً و ألقياه على أكتافهما و مشيا الى الوراء ليسترا عورة أبيهما ، و كان وجهاهما الى الخلف فما أبصرا عورة أبيهما .
(3) فلمّا أفاق نوح من سكره ، علم بما فعل به ابنه الصغير ، فقال ( ملعون كنعان ، عبداً ذليلاً يكون لأخويه ) ، و قال ( تبارك الرب سام ، و يكون كنعان عبداً لسام ، و يزيد الله يافت فيسكن في خيام سام ، و يكون كنعان عبداً له ) .
( أ ) تاريخ دمشق ، ابن عساكر ، الجزء 62 ، ص 277 : حدّثني يحيى بن سعيد عن سعد ين المسيب عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : و لد لنوح ثلاثة ، سام و حام و يافت ، فولد لسام العرب و فارس و الروم و الخير فيهم ، و ولد ليافت ياجوج و ماجوج و الترك و السقالبة ، و لا خير فيهم ، و ولد لحام القبط و البربر و لا خير فيهم .
( ب ) مسند أحمد ، الجزء الثاني ، ص 367 : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ثنا سريج قال : قال ثنى عبد الله بن نافع ، قال : حدثي بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال : جلس رجلُ الى النبي ، فقال له : من أين أنت ؟ ، فقال : بربري ، فقال الرسول : قم عنّي ، فلما قام عنه أقبل علينا رسول الله فقال : إن الإيمان لا يجاوز حناجرهم .
( ج ) مسند أحمد ، الجزء الثاني ، ص 221 : حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا بن هليعة عن القاسم بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن القاسم بن سعيد ثنا بن لهيعة عن القاسم بن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من أخرج صدقة ، فلم يجد إلا بربرياً فليردها .
( د ) المعجم الكبير للطبراني ، الجزء العشرون ، ص 332 : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا بن لهيعة حدثني يزيد بن عمرو المعافري عن مولى لرفيع بن ثابت ، أن رجلاً من أصحاب النبي اشترى جارية بربرية بمائتي دينار، بعث بها الى أبي محمد البدري من أصحاب الرسول ، و كان بدريا ، فوهب له الجارية البربرية ، فلما جاءته قال: هذه من المجوس ، التي نهى النبي عنهم .
( هـ ) المعجم الأوسط للطبراني ، الجزء الثامن ، ص 292 : حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عثمان بن عفان ، قال : سمعت رسول الله قال : الخبث سبعون جزأً ، فجزءٌ في الجن و الإنس ، و تسع و ستون في البربر .
(4) جارودي ؛ روجيه ، أمريكا طليعة الانحطاط .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home