|
و يستطيع المرء أن يلاحظ
أن النص يخلوا خلواً متعمداً من التفاصيل ، فليست ثمة إشارة إلى
عدد أصحاب الكهف أو عدد السنين التي قضوها هناك أو مكان الكهف نفسه ، و
ليس ثمة تحديد خاص لمفهوم الكلمات المستعملة فالآية ( فضربنا على
آذانهم ) تعني ( منعناهم من السمع ) ، و أحد معاني ( ضرب ) : سد وأغلق
، و لكن الآية تعني أيضاً ( عزلناهم عن العالم من حولهم ) و اللغة
العربية ما تزال تستعمل جملة ( ضرب حوله ستاراً من العزلة ) و تعني (
عزلة كلية عما يحيط به ) .
|
أي أنمناهم نومة عميقة ،
و النوم نوعان:
1
– خفيف : وهذا لا يمنع السماع ولهذا إذا نمت فأول ما يأتيك النوم تسمع
مَن حولك .
2
– عميق : إذا نمت النوم العميق لا تسمع مَن حولك .
و لهذا قال: {
فَضَرَبْنَا
عَلَى آذَانِهِمْ } أي بحيث لا يسمعون .
(( و لا نعلم من أين
استقى المفتي هنا –
ببساطة -
لفظ النوم أو
فكرة النوم التي لم ترد في النص ))
|
{
َفضرَبْنَا
عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
}
( الكهف:11 )
|
|
أي كهفٍ ذي مدخلٍ شمالي
يقع فوق مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي لا تصله الشمس في أي وقت من
أوقات النهار ، فإذا أضاف المرء إلى هذه الحقيقة ، أن المسيحية انتشرت
أولاً في أوربا فوق مدار السرطان فإن الرمز يصل نهايته من الدقة ،
وتتحول الحادثة إلى صور بلاغية معجزة .
|
كان من حسن حظهم أن هذا
الغار له باب لا يتَّجه للمشرق و لا للمغرب، لأنه لو اتجه إلى المشرق
لأكلتهم الشمس عند الشروق، و لو اتجه إلى المغرب لأكلتهم عند الغروب .
(( و لا نعلم أيضاً كيف
تعتمد المعجزة على الحظ )) |
{
وَ تَرَى الشَّمْسَ
إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ إِذَا
غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ
ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ
مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً
}
( الكهف : 17 )
|
|
هنا ترد أول إشارة إلى (
النوم ) باعتباره عكس اليقظة ، و ترد بقية التفاصيل الخاصة بكلب
الحراسة ومكان عند المدخل في وضع محدود حافل بالحياة .
و هذه الصورة التي
يعتبرها معظم المفسرين نقطة الحادثة في رواية أهل الكهف ، تثير ـ في
الواقع ـ مزيداً من الثقة في تبني تفسير رمزي من نوع مغاير فالوحدات
اللفظية المخصصة لتحديد صورة القديسين داخل الكهف تتميز بأربع ظواهر
حادة من ظواهر الرمز .
الأولى : أن الآية تقول (
و تحسبهم أيقاظاً وهم رقود ) و لو كانت الصورة تتعامل مع نظر بضعة من
القديسين النائمين في أحد الكهوف لما كان ثمة حاجة إلى تحديد لحظة (
الشذوذ) في المظهر فالنوم ظاهرة عادية من جميع الوجوه و عندما يرى
المرء بضعة رجال يستلقون في كهف ما ، فإن أول ما يخطر بذهنه أنهم
هاجعون للنوم إلا إذا كان ثمة شيء شاذ يعترض طريق رد الفعل الطبيعي
لديه و إشارة القرآن إلى هذه النقطة بالذات لا يمكن اعتبارها مجرد وحدة
لفظية عادية .
الثانية : أن الآية تقول
( و نقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) وهي حركة تحتمل التفسير بحالة
واضحة من النوم القلق ، و لكنها ـ بالتأكيد ـ تحتمل أكثر من تفسير أخر
ولو كان القرآن يتعامل مع صورة واحدة محددة لبضعة قد يسين يلجئون للنوم
في كهف ما ، لاستبعد كل مسارب التفسيرات الجانبية .
الثالثة : الإشارة إلى
وضع الكلب المتأهب للحراسة في مدخل الكهف جزء جانبي من الصورة الأصلية
يضاهي أجزاء الرمز العاملة في إبعاد الأصل القائم وراء السطح اللفظي .
وليس ثمة شك أن الصورة مكتملة بدون ذلك الجزء ، وإن الإصرار على ذكره
في نص موجز لا بد أن يكون عملاً ذا أهداف أوسع نطاقاً .
الرابعة : أن الآية تقول
( لو طلعت عليهم لوليت منهم فراراً ) وهي إشارة واضحة إلى حالة من
الشذوذ لا يمكن تفسيرها كلية داخل أبعاد صورة القديسين الهاجعين للنوم
في أحد الكهوف .
وموجز هذا كله أن الوحدات
اللفظية في الآية تتميز بظاهرتين :
الأولى : أنها تتطابق
تماماً مع حدود التفسير المعروف الذي يتبنى قصة شبان ( ايفيسوس ) في
عصر الإمبراطور ( ديكيوس ) .
الثانية : أن كل جملة في
النص المقدس تأتي في صيغة أكثر اتساعاً من أبعاد تلك القصة وحدها .
و لعلي أستطيع أن اقترح
هنا أن ثمة تياراً رمزياً خفياً يجري تحت سطح الأحداث الظاهرة في
الرواية وإن القرآن يجمع بين صورة محددة لبضعة رجال في أحد الكهوف
النائية و بين صورة أخرى شاملة لرمز أوسع أبعاداً .
و هنا تصبح الآية : (
وتحسبهم أيقاظاً و هم رقود ) رمز لحالة الركود المعروفة في تاريخ
المسيحية بين ميلاد عيسى وبين عصر الإمبراطور قسطنطين ، و هي فترة
تميزت بحالة حادة من الخمود الكلي في جميع مناطق الدين الجديد .
و تصبح الآية ( و نقلبهم
ذات اليمين وذاتا لشمال ) رمز لحالة التيه التي عاشها أتباع المسيحية
في تلك الفترة ، متلمسين طريقهم لنشر تعاليم المسيح بين أوروبا وبين
أثيوبيا عبر أديرة سيناء و كهوف الرهبان في جبال البحر الأحمر وتصبح
الآية : ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) إشارة أكثر وضوحاً إلى أن
الدين الجديد كان يواصل انتشاره في مناطق مأهولة بالشعوب التي تحترف
الرعي وهي حرفة شعوب أوروبا خلال تلك الفترة بصورة عامة ، و حرفة سكان
سيناء والمناطق العربية المجاورة وأثيوبيا .
ثم تصبح الآية : ( لو
أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ) إشارة أخرى إلى تلك
الفكرة التي سادت المسيحين الأوائل ـ خاصة أوروبا ـ والتي ظلت تربط بين
التعبد وبين ممارسة الزهد المسيحي المتطرف إلى حد تجاوز النطاق الطبيعي
بكثير ، وحتى معظم الرهبان كانوا يمارسون حياة أقرب إلى حياة المتوحشين
في الأدغال ، و يطلقون لحاهم وشعورهم و يعزفون عن الغسل و يطيلون
أظافرهم ويعيشون العمر كله في مسوح ممزقة وهي ظاهرة بوذية ما زالت
معروفة حتى الآن . |
قوله تعالى: { وَ
تَحْسَبُهُمْ } أيها الرائي : إذا رأيتهم { أَيْقَاظاً } لأنه ليس
عليهم علامة النوم، فالنائم يكون مسترخياً، وهؤلاء كأنهم أيقاظ، و لذلك
يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم و رجل مضطجع لمَّا يراه، حتى لو أن
المضطجع أراد أن يتناوم و يخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم.
( وَهُمْ رُقُودٌ ) جمع
راقد.
(
وَ نُقَلِّبُهُمْ
ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) يعني مرة يكونوا على اليمين
ومرة على الشمال، و لم يذكر الله الظهر ولا البطن، لأن النوم على
اليمين و على الشمال هو الأكمل.
(وَنُقَلِّبُهُم ) فيه
دليل على أن فعل النائم لا ينسب إليه، و وجه الدلالة أن الله أضاف
تقلبهم إليه، فلو أنّ النائم قال في نومه: "امرأتي طالق" أو "في ذمتي
لفلان ألف ريال" لم يثبت لأنه لا قصد له ولا إرادة له؛ لا في القول؛ و
لا في الفعل، و الحكمة من تقليبهم ذات اليمين و ذات الشمال: بعض
العلماء قال لئلاَّ تأكل الأرض الجانب الذي يكون ملاصقاً لها، ولكن
الصحيح أن الحكمة ليست هذه، الحكمة من أجل توازن الدم في الجسد لأن
الدم يسير في الجسد، فإذا كان في جانب واحد أوشك أن ينحَرِم منه الجانب
الأعلى، و لكن الله بحكمته جعلهم يتقلبون.
قوله تعالى: {
وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يعني كأنه، والله
أعلم، لم ينم.
( بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ
)أي جالس على بطنه وقد مدَّ ذراعيه.
( بِالْوَصِيدِ ) و هو
فتحة الكهف أو فِناء الكهف يعني: إما أن يكون على الفتحة، وإما أن يكون
إلى جنب الكهف في فِنائه ليحرسهم، وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الكلب
للحراسة، حراسة الآدميين، أما حراسة الماشية فقد جاءت به السنّة،
وحراسة الحرث جاءت به السنة كذلك
،
حراسة الآدمي من باب أولى لأنه إذا جاز اتخاذ الكلب لحراسة الماشية
والحرث أو للصيد الذي هو كمال فاتخاذه لحراسة البيت من باب أولى .
قال الله تعالى: { لَوِ
اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ
مِنْهُمْ رُعْباً } أي لو اطَّلعت أيها الرائي عليهم لولَّيت منهم
فراراً، رهبة ينْزِلها الله في قلب من يراهم، حتى لا يحاول أحد أن يدنو
منهم، و لهذا قال: { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً } مع أنهم لم
يلحقوه، لكنه خائف منهم ،
وملئت: لم يُملأ قلبُه
فقط، بل كلُّه، و هذا يدل على شدة الخوف الذي يحصل لمن رآهم .
(( و لا نعلم لماذا لم
تتم الإشارة الى عمر الكلب المعمر ، الذي وفق التفسير القصصي للنص
نعلم أنه عاش 309 سنين
! !!
))
|
{
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ
الْيَمِينِ وَ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ
بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
فِرَاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
}
( الكهف : 18 )
(( و في هذه الآية
بالتحديد يبرز بصورةٍ سهلةٍ جداً عدم ملائمة طرح السرد التاريخي لهذا
النص ))
|