Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير

Saturday, 14 April, 2007

       

المسير خلف فكرة تـقـليد الـظـل (3)

القرّاء كثر ، والصامتون هم الجميع

أمارير

( في مركبٍ غارق ، يدّعي الجميع عدم سماع استغاثة الأصم )

آزول غفون :
Azzul ghefwin :
السلام عليكم :

عندما تقف أمام نصٍ لا تفقه لغته ، فإنّك أمام خيارين اثنين : إما أن تقرأ النص بالمقلوب ، أو أن تقلب رأسك رأساً على عقب لتتمكن من قراءة النص ، لكن عندما تكتشف أن النص لم يكن يحتاج سوى لمترجمٍ يتقن تلك اللغة ، و اعتقادك الأول أن الأحرف مقلوبة نظراً لخطأٍ في الطباعة كان نتيجة جهلك بلغة النص لا غير ، فهذه كارثةٌ لن تؤلم سواك .

و أنت تقرأ للمفكّر ( الصادق النيهوم ) فإن أمرين يجب أن يراودك أحد الأمرين ، أولهما أن يراودك الحذر في كل ما تقرأ ، لأن النص هنا سيوقعك في مطبٍ يصعب الخروج منه في حال كنت درويشاً ليبياً، إذ أنّ الشك سينتابك في عقيدتك – و هذا أمرٌ لا يخص الصادق أو ما يكتبه ، بل يخص جهلك - ، و الثاني أن تملأ خيالك الخصب بفكرةٍ مفادها أنّك تعيش عالماً مقلوباً رغم أنفك .

هنا سنتحدّث جميعاً عن نصٍ قرأه الجميع ، لكني سأضع مقارنةً بين تفسيرين لذات النص لنكتشف سوياً من هو الخائن و من هو الجبان ، فالتفسير الأول لفقيهٍ لا نعرف من منحه صفة الفقيه – و فقيهنا هنا هو المجسّم الوهابي العثيمين - ، وصل ناحيتنا عبر موجةٍ إعلاميةٍ ضخمةٍ قرأت النص في تفسيرٍ جدّ هامشيٍ ساهم في اغتياله ( و هذا ما نجح فيه أتباع المدرسة الفقهية السلفية ) ، و تفسيرٍ لم يقرأه الكثيرون ، لأن الصوت المسموع تم استبداله بصوتٍ أخرس .

إن اللفظ في القرآن الكريم يتشابه و لا يتكرر ، وهذه حقيقةٌ يخبرنا بها النص وفق قراءةٍ لجملةٍ من الألفاظ، { أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } الغاشية 17 و النظر هنا يفيد البحث العلمي ، { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ } الروم 42 النظر هنا يفيد البحث التاريخي ، { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } العنكبوت 20 النظر هنا يفيد البحث في علم الأجنّة ، فتشابه ذكر اللفظ لا يعني تكراره و مثال ذلك لفظ ( نطفة ) و الذي ذكر متشابهاً لغرض التفصيل لا لغرض التكرار – في اثني عشر موقع مختلف - ، { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى }القيامة 37 ، { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } الإنسان 2 بما يفيد بدء الخلق ، { مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } عبس 19 ، { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } المؤمنون 13 بما يفيد التفصيل بالإشارة الى المكان ، { وَ اللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً } فاطر 11 بما يفيد التكاثر التزاوجي .

لكن السؤال عند الحديث عن المشرّع الأعظم الله عز و جلّ المنزّه عن اللغو و التكرار ، هل القرآن نص سردٍ تاريخي تفصيلي تتكرر فيه نفس القصة مرتين اثنتين لغايةٍ واحدة ، فقط لغرض السرد ؟ , و الحديث هنا عن قصة النوم طويل الأمد ، و التي ترد في سورتي البقرة و الكهف { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَ شَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَ انظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } البقرة : 259 ، { وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً } الكهف : 25 .

يقول الصادق النيهوم أنه ليس فقيهاً ، لكنه سلك طريقاً خلاف الطريق التي سلكها العثيمين – والآخرون جميعاً – في تفسير قصة أهل الكهف، وسأسلك الطريقين جنباً الى جنب رغم كونهما ليسا متوازيين البتّة، لقراءة النص بطريقةٍ تروق لي، وقد تروق لكم – ولكم حرية الإختيار في عبور أحد الطريقين -.

بدأ الصادق الحديث عن هذا النص – في دراسة بعنوان الرمز في القرآن - بهذه الآية { وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً } ( الكهف : 25 ) ، إذ يقول :

(( المسيح لم يولد في الخامس والعشرين من ديسمبر كما يزعم الإنجيل و قد ثبت الآن بأدلة لا تقبل الشك أن عيسى قد ولد قبل التاريخ المعتمد حالياً بخمس سنين على الأقل، و القرآن يذكر أن مريم جاءها المخاض بجانب نخلة ، و قد أشار القرآن إلى هذا المكان بالذات لكي يشير بعد ذلك إلى أن بلح النخلة كان قد استوى و صار رطباً .

ولأن البلح لا ينضج في ديسمبر ؛ فمن الواضح أن القرآن يرفض تاريخ الميلاد الحالي الذي يحتفل به المسيحيون . و لعله من المدهش أن يثبت علماء المسيحيين بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن أن المسيح لم يولد في شهر ديسمبر فعلاً ، ثم أثبت الأسقف ( بارنز ) أن تاريخ الميلاد ذاته ليس صحيحاً ، ( و إن عيسى كان قد ولد قبل ذلك بخمس أو ست سنين ) .

فإذا افترض المرء أن المسيح بدأ في نشر دعوته ـ مثل كل الأنبياء ـ بعد أن بلغ مبلغ الرجال ، فإن المسيحية تكون قد بدأت في السنة الخامسة و العشرين للميلاد ، و ليس في السنة الثلاثين كما يزعم القسيس و هذه السنوات الخمس مهمة للغاية ، فبعد ثلاثمائة و خمسة و عشرين عاماً بالضبط أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي ، و فقدت وحدانيتها لأول مرة عندما اعتمد الإمبراطور نظرية الثالوث ، و عملية الحساب العادية تثبت أن الدين الجديد ظل مطارداً ثلاثمائة عام بالضبط )) .

ويضيف معتمداً على مرجعية تاريخية حقيقية –خلاف ما يفعل الوهابي الذي يعتمد على خيالٍ غنيٍ فقط -: (( وظل عبادته سرية يزاولها القديسون في الكهوف طبقاً لكل المراجع المعتمدة حتى عصر قسطنطين، ألا يفسر ذلك قول القرآن: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين))

ثمة نقطة أخرى : أن القرآن يقول ( و لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ، و ازدادوا تسعاً )، فما هي السنوات الزائدة ، الإجابة المذهلة أن كل مائة سنة شمسية تزيد بمقدار ثلاث سنوات عن كل مائة سنة قمرية ، و المسيحيون يحسبون تاريخ الميلاد بالتاريخ الشمسي والعرب يحسبون بالتاريخ القمري ، و أشار القرآن إلى الفرق دليل حاسم على أن يتحدث هنا عن حقيقة تاريخية تتطلب كثيراً من الدقة ، و ليس من المحتمل أن تكون تلك الحادثة شيئاً أخراَ غير التاريخ المسيحي الذي يتبناه العالم الآن )) .

لكن العثيمين يتخذ مساراً جد بسيطٍ و فائق الخطورة في ذات الوقت في محاولةٍ مشبوبةٍ بالشكوك في تفسير نفس الجزء من النص إذ يقول :

(( قوله تعالى: { َلَبِثُوا } يعني أصحاب الكهف { فِي كَهْفِهِمْ } الذي اختاروه لأنفسهم و ناموا فيه ، - ويضيف بعد سلسلةٍ من التحليلات اللغوية التي لا طائل منها صراحةً – (( وَازْدَادُوا تِسْعاً ، ازدادوا على الثلاث مائة تسع سنين فكان مكثُهم ثلاث مائة و تسع سنين، قد يقول قائل: " لماذا لم يقل ثلاثمائة و تسع سنين؟ " )) .

و يجيب إجابةً جدّ خطيرةً توقعنا في مأزقٍ مثيرٍ للقلق ، فيقول : (( فالجواب هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب رؤوس الآيات قال: { ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً } !! ! )) .

يقول المولى { وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُّبِينٌ } يس 69 ، أمّا الحديثُ عن الفصل بين الثلاث مائة و التسع لغرض ( تناسب رؤوس الآيات ) فإن هذا جرمٌ في حق النصّ ، بل في حق الله أيضاً ، فما نتحدّث عنه هو القرآن الكريم و اللفظ هنا مخلوقٌ ليتوافق مع النص ، ليس النص يتوافق مع اللفظ ، ففي الحالة الأخيرة يقبل التفسير عن الحديث عن شاعرٍ يطابق الألفاظ التي وجدها أمامه لغاية تناسب القافية ، أما عن الحديث عن الله فإن قولنا أن الله يختار اللفظ - الذي أوجده - لتوافق مع النص - الذي أوجده أيضاً - فإن هذه جريمةً لا تقلق أحداً سوى مقترفها .

ينقلنا الصادق الى بداية القصّة الرمزية قائلاً : (( تبدأ القصة في سورة الكهف من هنا : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجباً إذ أوى الفتية إلى الكهف ، فقالوا : ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرننا رشداً فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ، ثم بعثناهم لنعلم : أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً ) و المرء يستطيع أن يلاحظ يفسر أن النص يخلوا خلواً متعمداً من التفاصيل، فليست ثمة إشارة إلى عدد أصحاب الكهف أو عدد السنين التي قضوها هناك أو مكان الكهف نفسه، وليس ثمة تحديد خاص لمفهوم الكلمات المستعملة فالآية ( فضربنا على آذانهم ) تعني ( منعناهم من السمع ) ، و أحد معاني ( ضرب ) : سد وأغلق ، و لكن الآية تعني أيضاً ( عزلناهم عن العالم من حولهم ) ، واللغة العربية ما تزال تستعمل جملة ( ضرب حوله ستاراً من العزلة ) ، و تعني ( عزلة كلية عما يحيط به ) .

المعروف أن كتب التفسير تتبنى فكرة العزلة بطريق النوم ، هي فكرة تستند في الدرجة الأولى إلى أسطورة مسيحية تقول أن سبعة من أيباع المسيح لجاءوا إلى أحد الكهوف هرباً من الاضطهاد الديني في عصر الإمبراطور ( ديكيوس ) و قد اكتشفت الشرطة أمرهم و سدوا عليهم منفذ الكهف ، فظلوا نائمين بداخله مائة و سبعة وثمانين عاماً طبقاً لإحدى الروايات وثلاثمائة وخمسة وسبعين عاماً طبقاً لرواية أخرى ، و القرآن لا يثبت الزعم و لا ينفيه .

و خلو النصين من التفاصيل يشير إلى فكرة التعمد القرآني لاختيار هذا الموقف و بسط . و تجنب كلمة ( النوم ) بالذات تبدو بمثابة اقتراح مجدد للبحث عن تفسير أخر أكثر شمولاً ، إلى جانب ذلك يبدو الإصرار على ذكر كلمة ( الرقيم ) ظاهرة أكثر مدعاة للتريث في قبول الأسطورة المسيحية )) .

و هذا التفسير الذي يشير الى سعة معارف الباحث بالإضافة الى صدق نواياه ، يصطدم مع تفسير الفقيه بشكل يجعلنا نميل ناحية صديقنا الليبي ، لأن تفسير الفقيه اعتمد على كلمة ( النوم ) التي لم تذكر في النص مطلقاً ، فيقول :

(( وَ الرَّقِيم بمعنى المرقوم: أي المكتوب لأنه كتب في حجر على هذا الكهف قصتُهم من أولها إلى آخرها )) ، - و هنا أسأل - بجدارة - أين وجد هذا الحجر ؟ ، و من وجده و في أي بلادٍ كان ؟ ، إذا كنّا نتحدّث عن قصّةٍ وقعت بالفعل ! !! -.

و نضع هنا جدولاً نقارن فيه تفسير آياتٍ مركزيةٍ يفرضان ببساطة أن نميل الى تفسير القصة هروباً من فكرة السرد التاريخي ناحية تفسير الرمز :

النيهوم

العثيمين

الآية

 

و يستطيع المرء أن يلاحظ أن النص يخلوا خلواً متعمداً من التفاصيل ، فليست ثمة إشارة إلى عدد أصحاب الكهف أو عدد السنين التي قضوها هناك أو مكان الكهف نفسه ، و ليس ثمة تحديد خاص لمفهوم الكلمات المستعملة فالآية ( فضربنا على آذانهم ) تعني  ( منعناهم من السمع ) ، و أحد معاني ( ضرب ) : سد وأغلق ، و لكن الآية تعني أيضاً  ( عزلناهم عن العالم من حولهم ) و اللغة العربية ما تزال تستعمل جملة ( ضرب حوله ستاراً من العزلة ) و تعني ( عزلة كلية عما يحيط به ) .

 

 

                   

أي أنمناهم نومة عميقة ، و النوم نوعان:

 

1 – خفيف : وهذا لا يمنع السماع ولهذا إذا نمت فأول ما يأتيك النوم تسمع مَن حولك .

 

2 – عميق : إذا نمت النوم العميق لا تسمع مَن حولك .

 

و لهذا قال: { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ } أي بحيث لا يسمعون .

 

(( و لا نعلم من أين استقى المفتي هنا ببساطة - لفظ النوم أو فكرة النوم التي لم ترد في النص ))

 

 

{ َفضرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً }

 

( الكهف:11 )

 

 

أي كهفٍ ذي مدخلٍ شمالي يقع فوق مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي لا تصله الشمس في أي وقت من أوقات النهار ، فإذا أضاف المرء إلى هذه الحقيقة ، أن المسيحية انتشرت أولاً في أوربا فوق مدار السرطان فإن الرمز يصل نهايته من الدقة ، وتتحول الحادثة إلى صور بلاغية معجزة .

 

 

كان من حسن حظهم أن هذا الغار له باب لا يتَّجه للمشرق و لا للمغرب، لأنه لو اتجه إلى المشرق لأكلتهم الشمس عند الشروق، و لو اتجه إلى المغرب لأكلتهم عند الغروب .

 

(( و لا نعلم أيضاً كيف تعتمد المعجزة على الحظ ))

 

{ وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ إِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً }

 

( الكهف : 17 )

 

 

هنا ترد أول إشارة إلى ( النوم ) باعتباره عكس اليقظة ، و ترد بقية التفاصيل الخاصة بكلب الحراسة ومكان عند المدخل في وضع محدود حافل بالحياة .

 

و هذه الصورة التي يعتبرها معظم المفسرين نقطة الحادثة في رواية أهل الكهف ، تثير ـ في الواقع ـ مزيداً من الثقة في تبني تفسير رمزي من نوع مغاير فالوحدات اللفظية المخصصة لتحديد صورة القديسين داخل الكهف تتميز بأربع ظواهر حادة من ظواهر الرمز .

 

الأولى : أن الآية تقول ( و تحسبهم أيقاظاً وهم رقود ) و لو كانت الصورة تتعامل مع نظر بضعة من القديسين النائمين في أحد الكهوف لما كان ثمة حاجة إلى تحديد لحظة ( الشذوذ) في المظهر فالنوم ظاهرة عادية من  جميع الوجوه و عندما يرى المرء بضعة رجال يستلقون في كهف ما ، فإن أول ما يخطر بذهنه أنهم هاجعون للنوم إلا إذا كان ثمة شيء شاذ يعترض طريق رد الفعل الطبيعي لديه و إشارة القرآن إلى هذه النقطة بالذات لا يمكن اعتبارها مجرد وحدة لفظية عادية .

 

الثانية : أن الآية تقول ( و نقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) وهي حركة تحتمل التفسير بحالة واضحة من النوم القلق ، و لكنها ـ بالتأكيد ـ تحتمل أكثر من تفسير أخر ولو كان القرآن يتعامل مع صورة واحدة محددة لبضعة قد يسين يلجئون للنوم في كهف ما ، لاستبعد كل مسارب التفسيرات الجانبية .

 

الثالثة : الإشارة إلى وضع الكلب المتأهب للحراسة في مدخل الكهف جزء جانبي من الصورة الأصلية يضاهي أجزاء الرمز العاملة في إبعاد الأصل القائم وراء السطح اللفظي . وليس ثمة شك أن الصورة مكتملة بدون ذلك الجزء ، وإن الإصرار على ذكره في نص موجز لا بد أن يكون عملاً ذا أهداف أوسع نطاقاً .

 

الرابعة : أن الآية تقول ( لو طلعت عليهم لوليت منهم فراراً ) وهي إشارة واضحة إلى حالة من الشذوذ لا يمكن تفسيرها كلية داخل أبعاد صورة القديسين الهاجعين للنوم في أحد الكهوف .

وموجز هذا كله أن الوحدات اللفظية في الآية تتميز بظاهرتين :

 

الأولى : أنها تتطابق تماماً مع حدود التفسير المعروف الذي يتبنى قصة شبان ( ايفيسوس ) في عصر الإمبراطور ( ديكيوس ) .

 

الثانية : أن كل جملة في النص المقدس تأتي في صيغة أكثر اتساعاً من أبعاد تلك القصة وحدها .

 

و لعلي أستطيع أن اقترح هنا أن ثمة تياراً رمزياً خفياً يجري تحت سطح الأحداث الظاهرة في الرواية وإن القرآن يجمع بين صورة محددة لبضعة رجال في أحد الكهوف النائية و بين صورة أخرى شاملة لرمز أوسع أبعاداً .

 

و هنا تصبح الآية : ( وتحسبهم أيقاظاً و هم رقود ) رمز لحالة الركود المعروفة في تاريخ المسيحية بين ميلاد عيسى وبين عصر الإمبراطور قسطنطين ، و هي فترة تميزت بحالة حادة من الخمود الكلي في جميع مناطق الدين الجديد .

 

و تصبح الآية ( و نقلبهم ذات اليمين وذاتا لشمال ) رمز لحالة التيه التي عاشها أتباع المسيحية في تلك الفترة ، متلمسين طريقهم لنشر تعاليم المسيح بين أوروبا وبين أثيوبيا عبر أديرة سيناء و كهوف الرهبان في جبال البحر الأحمر وتصبح الآية : ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) إشارة أكثر وضوحاً إلى أن الدين الجديد كان يواصل انتشاره في مناطق مأهولة بالشعوب التي تحترف الرعي وهي حرفة شعوب أوروبا خلال تلك الفترة بصورة عامة ، و حرفة سكان سيناء والمناطق العربية المجاورة وأثيوبيا .

 

ثم تصبح الآية : ( لو أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ) إشارة أخرى إلى تلك الفكرة التي سادت المسيحين الأوائل ـ خاصة أوروبا ـ والتي ظلت تربط بين التعبد وبين ممارسة الزهد المسيحي المتطرف إلى حد تجاوز النطاق الطبيعي بكثير ، وحتى معظم الرهبان كانوا يمارسون حياة أقرب إلى حياة المتوحشين في الأدغال ، و يطلقون لحاهم وشعورهم و يعزفون عن الغسل و يطيلون أظافرهم ويعيشون العمر كله في مسوح ممزقة وهي ظاهرة بوذية ما زالت معروفة حتى الآن .

 

قوله تعالى: { وَ تَحْسَبُهُمْ } أيها الرائي : إذا رأيتهم { أَيْقَاظاً } لأنه ليس عليهم علامة النوم، فالنائم يكون مسترخياً، وهؤلاء كأنهم أيقاظ، و لذلك يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم و رجل مضطجع لمَّا يراه، حتى لو أن المضطجع أراد أن يتناوم و يخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم.

 

( وَهُمْ رُقُودٌ ) جمع راقد.

 

( وَ نُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) يعني مرة يكونوا على اليمين ومرة على الشمال، و لم يذكر الله الظهر ولا البطن، لأن النوم على اليمين و على الشمال هو الأكمل.

 

(وَنُقَلِّبُهُم ) فيه دليل على أن فعل النائم لا ينسب إليه، و وجه الدلالة أن الله أضاف تقلبهم إليه، فلو أنّ النائم قال في نومه: "امرأتي طالق" أو "في ذمتي لفلان ألف ريال" لم يثبت لأنه لا قصد له ولا إرادة له؛ لا في القول؛ و لا في الفعل، و الحكمة من تقليبهم ذات اليمين و ذات الشمال: بعض العلماء قال لئلاَّ تأكل الأرض الجانب الذي يكون ملاصقاً لها، ولكن الصحيح أن الحكمة ليست هذه، الحكمة من أجل توازن الدم في الجسد لأن الدم يسير في الجسد، فإذا كان في جانب واحد أوشك أن ينحَرِم منه الجانب الأعلى، و لكن الله بحكمته جعلهم يتقلبون.

 

قوله تعالى: { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يعني كأنه، والله أعلم، لم ينم.

 

( بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ )أي جالس على بطنه وقد مدَّ ذراعيه.

 

( بِالْوَصِيدِ ) و هو فتحة الكهف أو فِناء الكهف يعني: إما أن يكون على الفتحة، وإما أن يكون إلى جنب الكهف في فِنائه ليحرسهم، وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الكلب للحراسة، حراسة الآدميين، أما حراسة الماشية فقد جاءت به السنّة، وحراسة الحرث جاءت به السنة كذلك ، حراسة الآدمي من باب أولى لأنه إذا جاز اتخاذ الكلب لحراسة الماشية والحرث أو للصيد الذي هو كمال فاتخاذه لحراسة البيت من باب أولى .

 

قال الله تعالى: { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } أي لو اطَّلعت أيها الرائي عليهم لولَّيت منهم فراراً، رهبة ينْزِلها الله في قلب من يراهم، حتى لا يحاول أحد أن يدنو منهم، و لهذا قال: { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً } مع أنهم لم يلحقوه، لكنه خائف منهم ،

وملئت: لم يُملأ قلبُه فقط، بل كلُّه، و هذا يدل على شدة الخوف الذي يحصل لمن رآهم .

 

(( و لا نعلم لماذا لم تتم الإشارة الى عمر الكلب المعمر ،  الذي وفق التفسير القصصي للنص نعلم أنه عاش 309 سنين ! !! ))

 

 

{ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً }

 

( الكهف : 18 )

 

(( و في هذه الآية بالتحديد يبرز بصورةٍ سهلةٍ جداً عدم ملائمة طرح السرد التاريخي لهذا النص ))

 


لكن قبل أن ننهي حديثنا عن قصة هذا النص - أو نص هذه القصة – فجأة قبل أن ينتهي تفسير كل النص، يجب أن نسأل ونجيب في ذات الوقت، من هو محمد بن صالح العثيمين من خلال ما يقوله و يدعو اليه لا من خلال صفته الفقهية التي اكتسب بالتواتر ، و نضع صيغة مقارنةٍ أخرى بين جملةٍ من النصوص الفقهية للرجل ، و نصٍ عبرانيٍ لا يمت بصلةٍ لشريعة هذا الفقه التي يجهر بها - التوراة - ، فنقرأ في سفر التثنية الإصحاح 4 : 12 ( فكلّمكم الرب من وسط النار ، و لكن لم تروا صورةً بل صوتاً )) في نسب اليهود الصوت لله ، و في سفر الخروج الإصحاح 19 : 19 (( و موسى يتكلّم و الله يجيب بصوت )) ، و يقول المفتي الوهابي العثيمين في فتاوي العقيدة ص 72 (( في هذا إثباتٌ القول الله و أنّه بحرفٍ و صوت ، لأن أصل القول لا بد أن يكون بصوت )) ! !! ، يقول البيهقي ( لم يصح من أحاديث الصوت شيء )) .

و في سفر الخروج الإصحاح 15 : 6 (( يمينك يا رب معتزّة بالقدرة ، يمينك يا رب تحطّم العدو ، تمتد يمينك فتبتلعهم الأرض )) ، 15: 16 (( بعظمة ذراعك يصمتون كالحجر )) ، و يقول العثيمين في كتاب لعقيدة ص 90 (( على كلٍ فإن يدي الله اثنتان بلا شك ، فإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال ، فليس المراد أنها أنقص من اليمين )) ! !! .

و في سفر التكوين الإصحاح 3 : 8 - 14 في نسب اليد و القدم و العينين لله نقرأ (( سمعنا الإله ماشياً في الجنّة )) ، و في الإصحاح 11 : 5 (( فنزل الرب لينظر المدينة )) ، و يقول العثيمين في كتابه المعنون بعقيدة أهل السنّة و الجماعة ص 14 – 15 (( و نؤمن أن لله عينين اثنتين حقيقيتين )) ، و في فتاوي العقيدة ص 88 يقول (( لأن الله وسع كرسيه السماوات و الأرض ، و السماوات ، و الأرض كلها بالنسبة للكرسي موضع القدمين )) ، و في تفسير آية الكرسي ص 27 يقول (( و الكرسي هو موضع القدمين )) و في فتاوي العقيدة ص 112 يقول (( إن الله يأتي إتياناً حقيقياً (( ، و في ص 114 يقول (( فإن ظاهرة ثبوت إتيان الله هرولة ، و هذا الظاهر ليس ممتنعاً على الله ، فيثبت لله حقيقةً )) ! !! .

في سفر المزامير الإصحاح 2 : 4 نقرأ (( الساكن في السموات يسكن الرب )) ، و في سفر رؤيا يوحنّا الإصحاح 2 : 3 نقرأ (( سمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً هو ذا مسكن الله )) ، و في تفسير آية الكرسي ص 33 يقول العثيمين ((فأما علو الذات فإن الله عالٍ بذاته فوق كل شيء و كل الأشياء تحته ، و الله فوقها بذاته )) !! ! .

ليس مقصدي هنا سوى التشهير بالعثيمين ومنظومته الفقهية السلفية ، وإعطاء النيهوم بفكره المنفتح حقه ، فالرجلان لم ينل كلاهما نصيبه الذي يستحق ، في إجابة السؤال من هو الخائن ومن هو الجبان ، من هو الملحد من هو الزنديق؟.

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home