Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير


أمـاريـر

الإربعاء 13 فبراير 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

الإسلام والعَـلمانيّة ، لقاءٌ موشك الحدوث (1)

أطردوا الشيخ ، اعـزلوا الإمام

أمارير

آزول غفون :
Azzul ghefwin :
السلام عليكم :

عبر تراثنا الديني ، تم مزج قيمة كلٍّ من إسلام النص و إسلام العادات خلال مسيرة إسلامنا التاريخي قصيرة الأمد ، فمرّت عبر هذا التراث السردي مجوعةٌ من المفاهيم و المصطلحات ركيكة الصياغة التي عبرت بسهولةٍ منقطعة النظير من أمامنا ، دونما أن يراها أحد ، فتم خلق توابت ليست ثابتةً إلا في عقل جماعةٍ مغسولة الدماغ ، تمنع التشكيك بها لأنها فقط ركيزةٌ يعتمد عليها في وجوده ( الشيخ ) و ( الإمام ) ، و قبلهما ( الخليفة ) عبر منظومةٍ لا تعرف هؤلاء جميعاً ، و قبل ذلك اعتقدنا ( هجرة ) الرسول الكريم ، و بصحة التأريخ بهذا الحدث وفق تسمية ( السنة الهجريّة ) ، كل هذه المسميّات الفقهيّة التراثيّة الدغمائيّة لا تعتمد على قيمة نصٍ إسلاميٍّ واحدٍ في واقع الأمر ، بل و كدليلٍ على قبولنا لتركة فتنة معاوية بالجملة ، في محاولةٍ حثيثةٍ لتمويه واقعنا المؤلم ، كان أن ولجت جملةٌ من هذه المصطلحات و المفاهيم عبر فهم رجلٍ رأسه بين يديه ، و عقله في جيبه ، فكان أن أتانا كلّ رجل إقطاعٍ يعلمنا بوجوب تكرار ما اعتقد آبائنا تطبيقاً لقاعدةٍ غير فقهيّةٍ نهى عنها القرآن في صريح نصّه ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) الزخرف 22 ، ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) البقرة 134 ، فعلى سبيل المثال كان أن اعتقد من صنّفوا انفسهم كأهل السنّة ( المذاهب الفقهيّة الأربعة المواليّة لمعاوية ) ، اعتقدوا بصحّة الصلاة على الرسول الكريم و على آله و صحبه أجمعين في جملةٍ منمّقة الصياغة وفق مبدأ ( عدالة الصحابة ) ، و التي ليست سوى صورةً من صور الغلو ، و كان أن رفض من صنّفوا أنفسهم كمتشيّعين لعلي ( كرّم الله وجهه ) صحة هذه الصيغة السياسيّة ، و ردّدوا الصيغة بعد حذف صنف الصحابة مجتمعين وفق مبدأ ( ظلم الصحابة ) ، النسخة المطابقة للغلو السنّي ، هذا الغلوا الموازي الذي جاوز حدود المعقول ، فتجاوز معايير الشحن السلبي بين الطائفتين على اتجاهين متناقضين وصلت حدود الكراهيّة ، رغم وحدة المبدأ الرئيسي و الذي تم تجاهله ، ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) البقرة 285 ، ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) الشورى 10 ، هذه الصيغة التي ولجت باب الجامع من بابه الخلفي ، عبر طريقٍ يحرسه شيخ جامعٍ أو إمامٍ لا مكان له حقيقةً في هذا الجامع إلا بصفة مسلمٍ يجلس أسفل المنبر ، و هنا رفض الإثنان مجتمعين رفقة ( الخوارج ) - مع اعتراضنا على قيمة هذا التصنيف السياسيّ أيضاً - عبر ثقافتهم الشفهيّة مصطلح ( العّلمانيّة ) و ناصب الجميع له العداء ، حتى عبر أبسط سرديّات هؤلاء الساذجة في نصوصهم كفقهاء تقليد ، دون جهدٍ أو عناءٍ في البحث عن قيمته الحقيقيّة ، رغم كونه و ببساطةٍ مصطلحٌ دينيٌّ إسلاميٌّ يلخص رسالة الرسول الكريم ، و الذي اتى ليطرد الكهنة ليلغي صفة الكهنوت عن الدين ، مستهدفاً بالدرجة الأولى لعبة هؤلاء ، و التي زاولوها بالإدعاء امتلاك الحق في الحديث بصوت الله ، هذا المصطلح في واقع الأمر هو إعلانٌ إسلاميٌّ صريح ، بضرورة طرد الشيخ من فوق المنبر ، و عزل الإمام من منصبه .

( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب 56 ، ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي ) هود 45 ، ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) هود 46 ، عبر هذين النصيّن نقرأ خطورة اللعبة السياسيّة التي استغلت الفقه في خدمة السلطان ، لتخلق لنا لغةٌ فقهيّةٌ خارج الشريعة ، فعندما فصل اتباع مذاهب السنّة بين ( أهل ) النبي و ( صحابته ) في سردٍ يأتي في فاتحة كل حديث ، فإننّا نعلم أن هذه الصيغة مخالفةٌ للنص القرآني الذي احتكر أمر ( الصلاة ) على الرسول لا غير ، و فعل ذات الشيء في الصلاة الإبراهيميّة عندما حوى كل أتباع الدين الإسلامي عبر صفة ( آل ) الرسول كما تؤكد قراءة سورة هود – النص المشار إليه تحديداً - ، لكن ما حدث هو أن تم وضع هؤلاء ( صحبه ) في مرتبته ، على اعتبار أنهم ليسوا أهله ( أتباعه أو ذووه ) ، و هو نفس الخطأ الذي وقع فيه ( المتشيّعة ) عندما وقفوا على طرف نقيضٍ و منحوا صفة العصمة لأهل بيت الرسول ( ذووه فقط لا أتباعه ) ، فجلعوا هؤلاء ندّاً للرسول و في نفس مرتبته ، في تطاولٍ لا مبرّر له سوى خدمة العسكر ، في تناقضٍ لتصريحٍ صريحٍ للنبي مفاده أن ( سلمان من آل البيت ) ، و كانت هذه هي بداية استقرار التركة عبر ميراثنا الديني ، لكن الأمر لم يقف هنا ، فخرج لنا تصنيفٌ سياسيٌّ مبنيٌّ على فهمٍ هامشيٍّ لنص ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) البقرة 30 ، ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) ص 26 ، و هو مصطلح الخلافة الذي استخدم في غير موضعه ، و نتحدّث هنا عبر التحليل العلمي لا التقدير الوهمي للكلمة أو المصطلح ، فالخليفة لا يخلف إلا ما هو من شانه و من صنفه ، كما أن الخلافة شرّعت حق الخلفاء في اغتصاب الحقوق الخاصّة بالنبي ، إذ أنّ هذا المصطلح الذي لم يقل به الرسول الكريم عبر ما نسب اليه من منقول الحديث ، و لم يقل به الصديق و لا الخطّاب ، أو من حُمّلوا هذه الصفة عنوةً بعد مماتهما ، عن ابن العباس أن أعرابيّاً سأل أبا بكر الصديق : هل أنت خليفة رسول الله ؟ ، قال لا ، قال : فما أنت ، قال: أنا الخالفة و لست خليفته(1) ، بل أن عمراً صاحب آخر حكومةٍ ديمقراطيّة فاشيّةٍ في آنٍ واحدٍ عرفها المسملون – في حال استثنينا حكومة عمر بن عبد العزيز الحاكم الأموي الإستثنائي ، قائد حملة الإصلاح السياسي في ذك العصر ، و الذي لا نفهم لم أمر بتدوين السنّة بعد أن كان قد سبقه الإباضيّة و المتشيّعة تباعاً بفعل ذلك ، و التي نهى عمر الخطاب عن تدوينها ، لتحوي سند مرجعيّةٍ ضبابيّةٍ يعتمد عليها رجال الدين للبقاء في مناصبهم - أكّد أن محمداً صلوات الله عليه ، لم يستخلف أحداً ، فقال : ( إنَ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، غير أنّ الله وقى شرّها ، فمن بايع رجلاً بغير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له ) ، و قال أيضاً : ( لا خلافة إلا عن مشورة )(2) ، و هذا يوافق النص ( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) الأعراف 142 ، فخلافة هارون لسيّدنا موسى كانت بناءً على أمرٍ صريح بالإنابة ، و هذه قاعدةً دينيّة يستند عليها النص الإنجيلي أيضاً فيما روي عن السيد المسيح الذي سأل تلاميذه فقال : ( ماذا تعتقدون في شخصي ، فأجابه سمعان كبيرهم : أنك أنت المسيح ، فأجاب المسيح : و أنا أقول لك أيضاً انت بطرس ، و على هذه الصخرة أبني كنيستي ، و أعطيك مفاتيح ملكوت السموات )(3) ، فحتّى في اجتماع السقيفة لم يُشِر أيٌ من المجتمعين الى أمر استخلاف الرسول لعمرو بن كلثوم ، أبو ذرٍ الغفاري و علي بن أبي طالب ( كرّم الله وجهه ) على المدينة ، إذ ان الاستخلاف حينها كان للمدينة و لمهمّةٍ خاصةٍ بعينها ، كما هو حال الإذن لأبي بكر بالصلاة بالمسلمين وقت مرض الرسول ، لإدراكهم عن وعيٍ تامٍ بأن هذه غير تلك ، بل أنّ عمراً قد حدد الفصل بين الأمرين عندما قال : ( لقد إرتضاك النبي لديننا ، أفلا نرتضيك لدنيانا ) ، فأول من استخدم المصطلح كان عثمان بعد أن مال ناحية الاستبداد ، و عدم أعمال المنطق الدستوري الإسلامي ، إلا وهو ( الشورى ) ، حيث قال : ( قد كان قبلي خلفاء ، و من يتولى السلطة يخطأ و يصيب )(4) ، بل أن عليّاً قال بعد أن طعنه ابن ملجم ، عندما سأله الناس : ( هل تستخلف ابنك الحسن بعدك ؟ ، فأجاب قائلاً : لا آمركم ، و لا أنهاكم ، أنتم أبصر )(5) ، فالإسلام يتّفق و العلمانيّة في رفض الدولة الميثيولوجيّة ، يقول الرسول الكريم ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) .

كل هذه الأحداث تم توثيقها عبر تأريخٍ لا يستند على شرعيّةٍ فقهيّةٍ ، بقدر ما يعتمد على خطأٍ عابرٍ جعلنا نخلط دونما وعيًٍ و نحن نسير خلف أقدامنا التي تنسخ خطوات غيرنا ، نسير و نحن نقرأ أن الرسول الكريم قد ( هاجر ) من مكّة الى المدينة طوعاً ، و هذا ما يُفهَمُ من مصطلح ( الهجرة ) ، لكن الواقع التاريخي و السرد الذي يرد في النص يؤكد لنا ان الهجرة لم تحصل ، بل ما حصل هو ( تهجيرٌ ) و أخراجٌ من الديار ، فالمهاجرون وفق النص ليس الرسول بل هم أتباعه و على مراحل لا يمكن التأريخ بها مطلقاً ، لأنها كانت متباعدةً عبر مراحل ، فتم التأريخ بأمرٍ من عمر الخطاب تلبيةً لمتطلبات سياسة الخراج ، بعد 17 عشر عاماً من دخول الرسول الى المدينة ، في السادس عشر من يوليو 622 ميلادي ، تم التأريخ و التدوين بالحساب القمري وفق تسمية السنة الهجريّة التي تنسب لرحلة الرسول الذي لم يهاجر !! ، ( وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) البقرة 191 ، ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ) التوبة 40 ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) الحج 40 ، ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ) الحشر 8 ، ( َالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي ) آل عمران 195 ، ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الممتحنة 9 ، هنا يتّضح لنا أن الأوهام و الأخطاء الموغلة في القدم ، لا تزال تتكرّر أمامنا ، و نحن ندّعي أن كل الأمور على أفضل ما يكون .

امّا الاعتقاد الراسخ في الربط بين العَلمانيّة و رفض الشريعة ، فهو ربطٌ مبنيٌّ على قراءةٍ لكلماتٍ لا تنقصها سوى أحرفها ، إذ يُعتقد أن كلمة ( العَلمانيّة ) بالفتح في اوّلها ليست سوى ترجمةً خاطئةً لكلمة ( Secularism ) في الإنجليزية، أو ( Secularite ) بالفرنسية ، بل أن البعض يؤكّد قائلاً ( الترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية ، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب ، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين ، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد(6) ) ، لكن في واقع الأمر نجد أن المصطلح ليس كما يُعتقد أنه منحوتٌ من كلمة ( Laicitie ) منتصف القرن التاسع عشر كما يخبرنا المشايخ و الأئمة من يختفون خلف هذا التعليل لغاية قدحه ، بل أن اللفظ ورد باللّغة العربيّة في القرن التاسع - أو العاشر على أبعد تقدير - ، إذ يجب العودة لمنظور التحديد التاريخي لدخول كلمة العَلمانيّة حقل التداول العربي ، ففي كتاب ( مصباح العقل ) للاهوتي المسيحي القبطي " ساويروس بن المقفّع " ، و هو أحد كتّاب الدولة الإخشيديّة أبان الدولة الفاطميّة ، في معرض الكلام عن الخلاف بين الطوائف المسيحيّة حول زواج الكاهن ، يقول : ( رأى للمتقدّمون بعد ذلك رأياً في الأساقفة ، امّا المصريّون فرأوا أن يكون الأسقف بالإسكندريّة خصوصاً بتولاً لم يتزوّج في حال عَلمَنته(7) ) ، و هنا نجد أن الكلمة تعود الى الجذر اللاتيني ( Laicus ) بمعنى المنتمون الى الشعب ، أو الأميّين من هم ليسوا رجال كهنوت ، الذين يحتكرون العلم و الحديث باسم الله ، فبرأ الله الرسول من شبهة الكاهن ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ) الطور 29، كما أن النص لم يشر الى هؤلاء مطلقاً، كما أنّ الأمييّن داخل النصّ هم من ليسوا بأهل كتاب، من لا يعترفون بسلطة التلموذ أو بدور الراهب ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) الجمعة 2 ، ( وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ) آل عمران 20 ، و بناءً عليه تكون العلاقة بين الإسلام و رجل الدين علاقةً محفوفة بالمخاطر ، إذ أن كلاً منهما لا يعترف بالآخر .

إنّ اللّغات لا تخجل من استقبال أي لفظٍ مهاجرٍ ، لكن من يخجل هم الشعوب الناطقة بهذه اللغّات ، دونما مبرّرٍ سوى مركبات النقص المتراكمة في عقلها الجمعي ، أو بسبب حالة الرهاب اللا مبرّرة من قيمة المصطلح ، لكن اللّغة العربيّة قبلت مصطلحاتٍ عديدةٍ كالفاشيّة ، الرأسماليّة ، القوميّة ، الرومانسيّة و البنيويّة ، بل أن بعضها رغم عدم مطابقتها لأي وزنٍ عربيٍ أدخلت في قالب من قوالب صرف اللّغة العربيّة ، ككلمة ( أيديولوجيا ) التي تم تطويعها و اشتق لها عدد من القوالب ، ككلمة ( أدلوجة ) على وزن ( أفعولة ) ، هذه الكلمات لم تكن تحوي بطاقة إعفاء لشيخ الجامع أو الإمام من العمل كما هو حال كلمة ( عَلمانيّة ) ، هنا عند إعادة قراءة التراث الديني ، نجد أن القراءات كلّها أو جلّها كانت مبنيّة على سوء النيّة ، فالإسلام دينٌ عَلمانيٌّ ، تمت قراءة نصوصه بالمقلوب ، عبر عالمٍ مقلوبٍ وضع ركائزه الأولى كاهنٌ يحمل إسم شيخ جامع ، يحاول أن يكرّس منظومة المجتمع الإقطاعي ، بأن ينسى الإنسان دوره تجاه الله ، و يبقى منشغلاً في الإحتراق داخل ميكنة المجتمع الإقتصاديّة ، بعد أن يخضع مجبراً للولوج داخل منظومة التجهيل الإجباري ( التعليم الإجباري ) ، و التي تصقله ليكون أداةً في يد منظومة الإقطاع ، تاركاً أمر عقيدته لشيخ الجامع ، يفهمها كيفما شاء ، مناقضاً صريح النص مرّات عديدةٍ كل يوم ( وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56 .

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ، فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) النحل 43 ، هذا هو النص الذي يرتكز عليه رجال الدين عبر عقيدتنا التي لا يملكون عبرها حقاً في العمل ، لأجل الحصول على شرعيّةٍ تعتمد على مبدأ الإتكاليّة التي ينفيها ذات النص مّراتٍ عديدةٍ ، ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) المدثر 38 ، ( وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) المعارج 10 ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، َمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) الزلزلة 7 - 8 ، ففي النص الأول كان الأمر بسؤال أهل الذكر ، في حال عدم المعرفة ( إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) كملجأ اضطراريّ بعد الوصول الى طريق مسدودٍ عبر استنفاذ كل الطاقة العقلية ، للوصول الى حدود المعرفة الممكنة ، ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) الأنفال 22 ، بل أن النص فتح مجال الإباحة في حدود شديدة الاتساع ، حتى لا يترك حجّة للإنسان في اتكّاله على رجل دينٍ أو فقيهٍ في عقيدته التي لا يمكن أن يجهلها البتّة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) المائدة 101 ، ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ ) البقرة 185 ، فرجال الدين بدليل النص هم أول من شكّل خطراً واجه الإسلام رغم يقينهم به ( لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) النساء 162 ، فرجال الدين اليهود و المسيحيّون من نفوا العَلمانيّة عن أنفسهم ، قاموا بملأهما بالخرافات بعد أن علموا أن لا مناص للفرار بنصيبهم في العمل باسم الرب ، إلا بإنكار العَلمانيّة و ادعاء العلم عامّةً و خاصّة ، و هو ما لا يمكن حدوثه بالنسبة لهم ، كما هو الحال بالنسبة لشيخ الجامع و الإمام ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) الإسراء 85 ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) المجادلة 11 ، و كما هي عادة المزوّرين دائماً كان أن ترجم هؤلاء الكلمة رأساً على عقب لتعني أشياء لا تخصّها ، كما فعلوا مع كل المصطلحات و المفاهيم الأخرى ، تلك التي أقحمت في شريعتنا بطريقةٍ لا يمكننا الفرار منها .

العَلمنة روح الإسلام ، فهي فتحٌ من فتوحات العقليّة البشريّة ، مرتيطةٌ بإخراج الإنسان من عزلته التي يخلقها توحّده الديني ، بأن يتّصل بالآخرين عبر الإنتماء للدين بممارسة الواجب الإجتماعي ناحية المجتمع ، عبر توافقٍ عقليٍّ و نفسيٍّ ، لتلتقي الروح بالعالم بعد طول الفراق ، فهي صراعٌ ضد رجال الدين ، من يحاولون تكريس منطق الكهنوت ، لا ضدّ الدين ، فالإسلام في ليبيا حاضرٌ حضوراً هامشيّاً تسهل السيطرة عليه بأي قوةٍ وافدةٍ تمارس لعبة الحديث باسم اللاهوت ، حضوراً مرتبطاً بأوضاع و ظواهر ثقافيّةٍ لا تمت للإسلام بصلة ، فأصبح الإسلام ظاهرةً تجيء احياناً و تنصرف بعيداً أحايين ، إذ أنّ العودة الى النص الكلاسيكي لم تعد ممكنةً بعد تراكم جبل النصوص الفقهيّة ، و من هنا كان اللقاء القابل للحدوث بين الإسلام كدين ، و العَلمانيّة كمفهومٍ عميقٍ، بعيداً عن التنظير اللاهوتي أو الإيديولوجي، إذ يمكن لأي أحدٍ أن يستشهد بالآيات القرآنيّة ، الأحاديث الصحيحة أو الموضوعة – على كثرتها – أو أقوال كبار الفقهاء ، لبناء دلالاتٍ ترسّخ المنظومة الثقافيّة باسم الدين ، لكن لا يمكن بالتأكيد لهذه الدلالات أن تأسس هرماً يستند على الواقع الإجتماعي المعاش ، لأن النيّة دائماً كانت الغاء الدين من واقع المسلم ، بالقاء وعيه بعيداً حيث المجهول الغيبي ليكتشف ضرورة وجوده بعد فوات الأوان ، فالمساحة الفاصلة بين المجال الفكري والمجال الديني بمفهومهما اليوم ، مساحةٌ شاسعةٌ لا يمكن أن يملأها إلا وعي إنسانٍ يعيش بعقلين ، أحدهما يسير الى الأمام ، و الآخر يعدو للوراء ، في حالة ارتباكٍ و فوضى عقليّةٍ لا سبيل للخلاص منها سوى بتحرير الدين من سلطة العسكر و رجال الدين سويّةً ، فلقد ناصب أعداء العَلمانيّة العداء لمفهوم ( العقل ) ، بان حُجب بعيداً عن واقع الإنسان و فهمه للدين ، و بناءً عليه ناصبوا العداء للإنسان ، أينما كان ( وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) الإسراء 70 ، فالنص القرآني ليس متروكاً لأحدٍ بعينه كي يسيطر على تفسير معانيه و دلالته ، سواء كان شيخ جامعٍ ، أو درويشٍ دونما اسم ، فالفكرة العبثيّة التي تقول أن القرآن يربط بين الواقع السياسيّ و الإسلام أمرٌ لا يقبله حتى الإسلام التاريخي عبر وثائقه السياسيّة ، فالإنشطار الحاصل في صفوف المسملين و ما تبع النزاع السياسيّ من قفزات فقهيّةٍ في الفراغ ، و التي يملك كلٌ جانبٍ حجّة دامغةً تأيده ، تثبت أن الإسلام دينٌ عَلمانيٌّ ، لا يحق لأحدٍ الحكم عبره باسمه ، إذ لا يمكن إرغامه على الولوج داخل المعمعة السياسيّة التي يبارك بعضها رجال دينٍ ، و يلعنها آخرون ، فالقرآن هو نص شريعةٍ لتنظيم الحياة الاجتماعيّة ، وليس دستوراً سياسيّاً بمقدار كونه قاموساً لمنظومة الأمة بمفهومها السياسيّ ، كما أنه ليس كتاب فلكٍ او جغرافيا ، لكن القفزات التي يقفزها الإئمة تعتمد على دوائر نصيّةٍ خارج دائرة النص الرئيسيّة ، يسهل التلاعب بها ، تلك قفزاتٌ بنى بواسطتها أصحاب النفوذ البرجوازي ستاراً عازلاً بين المسلم و عقيدته ، معتقداً بصحّة مسميّات خاليةٍ من الفحوى ، كالإسلام المعاصر ، و إسلام السلف ، و إسلام ما بعد الخلافة ، و التي تدور كلّها حول فكرةٍ مركزيّةٍ حوّلت الإسلام الى مراحل غير متّصلةٍ لا تعني شيئاً لبعضها اليعض ، و هذا صحيحٌ بسببٍ واحدٍ و هو أن رجال الدين متغيّرون عبر هذه المراحل ، و التي يحكم تغيّرها تغيّر السلطة ، و لنا في توالي مذاهب الإباضيّة ، الشيعة ، المالكيّة عبر الأراضي الليبيّة في تاريخها قصير الأمد خير مثالٍ على ذلك ، فرجال الدين داوموا على السير بالمسلم عبر طريقٍ محفوفةٍ بالمخاطر ، ليعبروا به بعيداً عن الإسلام الواحد .

ليس الإسلام حالةً طارئةً تبحث عن مفسّرٍ لها ، يَعبُرُ بنا بذكائه الخارق للعادة نحو جهلنا الذي يرسّخه في عقولنا ، فكلمة السر في الإسلام هي ( العَلمانيّة ) التي تنقل الإسلام من رموز و طلاسم يصعب فكّها في صفحات كتب الفقهاء ، الى عملٍ على أرض الواقع يضع هؤلاء جانباً ، فالمسلم ليس رجلاً يربّي لحيته ، و يرفع سرواله كاشفاً عن ساقيه الهزيلتين ، يعدوا فجر كل يومٍ ناحية جامعٍ مغلقٍ أمامه ، معتقداً أنه يسابق الشياطين التي لا يملك طردها عنه إلاّ بهراوةٍ يصنعها بكلماتٍ سحريّةٍ أطلق عليها اسم ( تسابيح ) ، و يعتقد برضاً منقطع النظير أنه كل يوم جمعةٍ يأخذ درساً في أمرٍ لا يهمّه ، بل هو جزءٌ من منظومةٍ كل فردٍ داخلها مسؤولٌ عما كسبت يداه ، فالدين ليس قضيّة فرديّةً يمكن للمسلم إرسالها بعيداً عنه بأن يعتمد على قراءةٍ لرجلٍ تفرّغ ليلعب دور خطيبٍ أو إمامٍ من أجل قوت يومه في أغلب الأحايين ، أو لأجل إرضاء رغبته النرجسيّة في لعب دور القائم بأعمال الرسول أحايين أخرى ، بل هو عملٌ دؤوب لمعرفة و فهم ما لا يمكن فهمه أحايين كثيرة .

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv
________________________

(1) المستشار محمّد سيّد العشماوي، الخلافة الإسلاميّة، نشأة الخلافة، ص 99 .
(2) كنز العمال، الجزء الخامس، ص 2354 .
(3) إنجيل متّى، إصحاح 16 : 17 – 20 .
(4) الدينوري، الإمامة والسياسة، الجزء الأول، ص 43 .
(5) القاضي عبد الجبّار الهمداني، تثبيت دلائل النبوّة، الجزء الأول ص 212، والحافظ أبو بكر، مقتل الإمام أمير المؤمنين، وجلال الدين السيّوطي، تاريخ الخلفاء، ص 9 .
(6) محمد محمد بدري، لماذا نرفض العلمانيّة، مؤسّسة الروّاد، المبحث الخامس ، العلمانيّة وحكم الجاهليّة، ص 28 .
(7) سايروس بن المقفّع، كتاب مصباح العقل، سلسلة التراث العربي المسيحي، ص 92 – 95 .


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home