Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير

Saturday, 11 November, 2006

 

جسدٌ برسم البيـع ، من منا يملك جسداً (1)

أمارير

Azzul ghefwin :
آزول غفون :
السلام عليكم :

غيبوبةٌ دامت لمدة أربعٍ وسبعين يوماً ، انفصلت فيها عن جسدي ، وأضحيت بعدها جسداً منفصلاً عني لمدة خمسة عشر يوماً ، تقول كل القرائن والأدلة أني كنت بكامل وعيي خلال هذه المدة التي كنت منفصلاً فيها في لا وعيي عن جسدي داخل حالةٍ غريبةٍ من الصحو اللا مقصود ، بعد حادث سيرٍ تعرضت له قبيل ثلاث سنوات ، ومن حينها وأنا أراقب مجتمعي من - خارج – هذا الجسد ، لأحاول فهم حقيقة هذا الجسد ، ووجودي الذي لم يكن مرتبطاً بذلك الجسد طيلة تلك المدة .

هنا استهواني البحث والحديث عن فكرة الجسد ، بعد أن أضحيت أفكر – ومنذ مدة – خارج إطار عقلنا الجماعي ، خارج فكرة الوجود البارغماتي لهذا الجسد ، فمثلاً تصوراتنا الاجتماعية للجسد تخصص وضعيةً محددةً داخل المجتمع ، فهذه التصورات تقوم فقط بتسمية الأجزاء المختلفة التي تقوم بوظائف هذا الجسد ، لكن المعرفة الحقيقة تعطي معانٍ حقيقية لعمق لحم الإنسان ، هذه المعرفة الحقيقية لمعنى فكرة الجسد تبني معارف بموقع الإنسان تجاه الإنسان ، الطبيعة ، وحتى تجاه الله .

جسد الإنسان بناءٌ رمزي – حقيقةً - ، و فهمنا له مبنيٌ في الأساس على تصوراتنا له ، و الحالة الاجتماعية التي يعيش ، فجسد الإنسان ليس أمراً معلوماً أو مطلقاً ، أو غير قابل للجدل و البحث عن حقيقته و معناه ، بل هو في واقع الأمر نتيجةٌ حتميةٌ لبناءٍ اجتماعيٍ و ثقافي ، فوجود الجسد ليس مطلقاً ، مستقلاً و منعزلاً عن محيطه ، بل هو موجود في واقع الأمر لوجود المحيطين به جميعاً ، فمثلاً حسب علوم الهندسة ، الشكل الهندسي موجود – كجسدٍ منفصل – لوجود شكلٍ هندسيٍ آخر ، فالدائرة لا تملك – جسد – الدائرة ما لم يكن هنالك – جسد – مربع يميزه عنه و يعرفها كجسد شيء ما مخالفٍ له .

هنالك نظريات جمّة تتحدث عن جسد الإنسان ، أولها ما يتحدث عن علم التشريح الفسيولوجي ، و آخرها ما يتحدث عن السيرورات الاجتماعية وما يتبعها في المستوى الثقافي ، و المفهوم الحداثي للجسد ، فالجسد هو نتيجةٌ للبنية الفردية للميدان الاجتماعي ، و أيضاً نتيجة التضامن الذي يمزج الشخص بالجماعة - كما هو حال الجسد الشرقي - أو يفصله عنها فيستقل و يصبح جزأ منفصلاً و مستقلاً – كما هو حال الجسد الغربي - .

فالمفهوم – الغربي – للشخص لا قوام له في المجتمعات الشرقية ، فهنالك لا يوجد حدود بين الأحياء و الأموات ، فقبور أولياء الله الصالحين في الشرق الأوسط و المقابر المقدسة في معابد أدغال إفريقيا و فكرة حفظ رماد رفات الأموات في الشرق الأقصى ، كلها تبسط فكرة كون العالمين مجتمعين ، و متصلين ، لا ينفصلان باختفاء الجسد ، فالروح لا تذهب الى العدم ، أي أن الجسد لا يعني وجوده من عدمه شيئاً ، و من ناحيةٍ أخرى فإن العلاقات الاجتماعية العميقة بين أفراد المجتمعات الشرقية – التقليدية عموماً - لا تخضع لتحليلٍ سياسي أو مرجعية تكوينة الدولة ، بقدر ما هي مبنية على فكرة كون الإنسان هنالك – خلاف المجتمعات الغربية - ، لا يوجد إلا من خلال علاقاته بالآخرين ، أي أن الإنسان ليس سوى انعكاس، إذاً جسده ليس سوى صورة في مرآة .

فالإنسان هنالك لا يستمد شرعية وجوده من شخصه فقط ، فالجسد لا وجود له حقيقةً ، خلاف المجتمعات الغربية التي يكون الجسد المنفصل فيها نواة وجود الفرد المنسلخ عن الجماعة ، و هذا ما سبب فشل كل الأفكار القومية في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية ، و يعلل حقيقةً سبب حالة الندم الألماني اليوم ، فالفرد هنالك ليس سوى عبارة عن – جرثومة - ، لأنه فردٌ قائمٌ بذاته ، فالشخص متمركز حول فكرة – الأنا - ، أي الفرد ، لا على فكرة المجموعة ، فلا وجود لفكرة القبيلة بل توجد هنالك فكرة الشعب ، فالوجود هنالك مُختزلٌ في ملكية الجسد ، فالموت في الغرب ليس سوى اختفاء شيء مملوكٍ مسبقاً ، لكن هل حقاً كان الميت يملك جسده ، أم أن هذا اللحم ليس سوى تصوراتٍ غير مقصودةٍ ربما للآخرين له؟ .

في مجتمعنا التقليدي مثلاً – المجتمع الليبي - ، هذا المجتمع المتجانس نوعاً ما ، الجمعي ، لا يمكن تمييز الفرد فيه ، فالفرد لا يمثل موضوعاً منفصلاً ، و لا يشكل الإنسان فرداً ، ففي القرآن مثلاً لطالما كان الخطاب موجهاً ناحية – الجماعة - ، فكان الحوار نحو – الجماعة – لا الفرد - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم –(1) ، - إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ -(2)) ، - وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ –(3) ، فلا قيمة هنا للمنفرد ، لأنه لا يملك قيمةً فعّالةً كجسدٍ مستقل ، فالإسلام دينٌ جماعي ، و ليس ديناً فردياً ، فلا يمكن التفكير بالجسد كعنصرٍ عازلٍ للإنسان ، لأن هذا غير واقعي إلا في البُنى الاجتماعية ذات النمط الفردي ، و التي يكون فيها البشر منفصلين عن بعضهم البعض ، - المسلم للمسلم كالبنيان - ، فلا استقلالية للمبادئ و القيم ، نكتشف هنا سبب كون الأخلاق جزءٌ رئيسٌ من العقيدة – الدين معاملة - ، ففي الغرب الإنسان ليس جزأ من نسيجٍ اجتماعي ، فهو منقطعٌ عن نفسه ، الآخرين وعن الكون أيضاً .

الحدود بين الفرد و الآخر ، هذه الحدود تقف عائقاً أمام استيراد أي نظريةٍ فكريةٍ غربيةٍ تستغل الجسد المشرقي ، ففي جسد الحداثة هنالك تراجعٌ و انقطاعٌ للتقاليد الشعبية مثلاً ، الاحتفالات الكرنفالية ، الأعراس الشعبية ، المناسبات القومية أيضاً ، كلها لا تملك وجوداً – جمعياً – في الغرب ، خلاف الشرق حيث تملك هذه المظاهر رمزيةً و قيمةً عامة ، و التي تعتبر رمزاً لوجود المجتمع و دليل حياة إذا صح التعبير في الشرق جميعاً ، فالفردية الغربية تدل على وجود حدود بين الفرد و الآخر ، و انغلاق الشخص على ذاته ، و هذا يناقض أي طرحٍ مشرقي ، فكان أن كانت الأديان كلها تبرز و تنشأ من الشرق لا من الغرب .

ففي التوراة مثلاًَ نجد أن اللغة العبرية – لغة الدين اليهودي - ، لا تسمّي إلا ما يوجد كما يقول – تريسمونتان – في بحثٍ في الفكر العبري(4) ، فلا وجود لكلمةٍ تدل على المادة أو الجسد ، فالإنسان في العالم التوراتي هو الجسد ، غير منفصل عنه ، فجوهر اللحم هو الإنسان ، و إذا زالت الروح لا يبقى شيء ، و لا يبقى أيضاً جسد .

الجسد مجرد كلمة حسب القرآن و التوراة أيضاً - يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ –(5) ، - بفهم يهوه صنعت السموات، و بنفخة من فمه كان كل جيشه ، فلأنه قال كي شيءٍ صنع ، و لأنه أمر ، كل شيء وُجد – (6).

و كما يقول روجيه باستيد (6) ، في كتابه مفهوم الشخص في إفريقيا السوداء ، - الجسد في المجتمعات الغربية من النمط الفردي يعمل كقاطعٍ للطاقة الاجتماعية ، أما في المجتمعات التقليدية ، فهو العكس ، الواصل لطاقة الجماعة - .

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv
________________________

1 - قرآن كريم، البقرة 9.
2 - قرآن كريم،الحجر 77.
3 - قرآن كريم،البقرة 45.
4 - كلود تريستونتان، بحث في الفكر العبري.
5 - قرآن كريم، مريم 35.
6 – التوراة، المزمور 33.
7 - أنتروبولوجيا الحداثة، دفيد لوبروتون، ترجمة محمد عرب صاصيلا،
منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home