Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Amarir
الكاتب الليبي أمارير

Sunday, 1 October, 2006

الأمة : مفهوم منسي.. لم تـنسه سوى الأمة

أمارير

العقل المدرك ، هو من يعتقد يقيناً أنه لا يمكن إدراك أي شيء إدراكاً كاملاً ،
فهنالك جانبٌ خفيٌ ، داخل كل الأشياء.

Azzul ghefwin :
آزول غفون :
السلام عليكم :

لا يوجد برهانٌ حاسمٌ على أصل لفظ الأمة ، فهنالك رأيٌ يقول أنها مشتقةٌ من الإسم أُمَّ ـبالضمة على الهمزة - ، فربما اشتقت منها و حملت معنى الأصل و المصدر ، فيربط بالطور الأمومي وآثاره في تاريخ الإنسان الإجتماعي ، كما يوجد رأيٌ آخر يقول أنها أتت من أمّ يؤمّ ، وحملت بهذا معنى القصد والمسلك ، فيعني الطريقة أو الجماعة التي تتبع الطريقة والشرعة.

كتعبير عن التجمع البشري ضمن إطار ـ جغرافي في الأساس - ، نجد أن مصطلح ـ أمة - كان قد ورد كلفظ مستقل ، خمسون مرةً في القرآن الكريم ، وينبغي هنا التمييز بين الدولة والأمة ، فالدولة واقعٌ سياسي لا يتطابق ضرورةً مع وجود الأمة الواحدة ، فالأمة ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تاريخيةٌ ، نشأت لتشكيل الجماعات البشرية في بنية اجتماعية ـ معقدة ـ التركيب في الأساس ، لكن من أهم عناصرها الرئيسة تأتي الأرض المحدودة ، وهذا يقف عائقاً أمام الاعتقاد بكون الأمة الإسلامية لا يمكن لها أن تكون بأرضٍ ـ محدودةٍ ـ ، لأن الاعتقاد يذهب الى كون الدولة القطرية يجب أن تختفي في حال تكون دولة الأمة التي لا تملك مساحة جغرافيا محدودة ، بينما في واقع الأمر ، نجد أن الأمر غير صحيح ، حيث و ببساطة يمكن أن تتطابق أرض الأمة وأرض الدولة تطابقاً تاماً في حال كانت الدولة هي دولة ـ تعدد ـ تعترف بالتعدد الذي تحويه الأمة ـ سواء كان التعدد يتخذ صورته الفصيحة بشكلها الديني ، العرقية ، السيسيولوجي أو الفكري مذهبياً كان أو حتى طائفياً ، كما هو حال الأمة الأمريكية حيث تعتبر التعددية عنصراً رئيساً من عناصر تكوين الأمة الاجتماعية في شكل الدولة القطرية المعاصرة ، فالأمة كما يقول لينين ـ هي نتاج للتطور الاجتماعي قبل كل شيء - ، فلا تعني فكرة الأمة دراسة تاريخ الأمم في نشؤها أو ارتقائها ونضجها وتطورها ، أو علاقاتها مع سائر الجماعات.

فالأمة كانت قد استعملت إبان العصور الإسلامية الوسطى ، استعمالاً خاطئاً أيضاً ، ليوصف بها الشريعة أو الطريقة أو الجماعة التي تملك ديناً واحداً ، بشكل يخالف فكرة التعدد المذهبي الذي يعني وجود مسألة التعددية الدينية ضن إطار الأمة الإسلامية ، كما هو حال التعددية الدينية ضمن إطار الأمة الأمريكية ، حيث كان الفارابي وابن مسعود وابن خلدون قد حصروا مفهوم الأمة في نطاقها الاجتماعي وأبعدوا عنها المعنى أو الأساس الديني كتأسيس لاستعمال شائع لكلمة أمة.

كمفهوم محوري في فكر الاجتماع ، مفهوم الأمة يفوق بل يتعدى بمراحل كل المفاهيم الأخرى ، كمفهوم الطبقة ، الإتحاد ، التجمع ، الحزب ، التنظيم ، الاتحاد القاري ، بل وحتى الدولة ، فهو مصطلح سياسي أيديولوجي ـ صرف ـ خلاف كل المصطلحات الاجتماعية الأخرى.

إن الحاصل اليوم من تفسّخ وانحطاط أخلاقيٍ و فكريٍ في مجتمعاتنا الإسلامية ، يوازي الحالة التي تمر بها الأمة الأمريكية منذ نشأتها ، حيث تبنى المواطن هنالك الخرافات ، وانتشرت بين جماعاته الطوائف ، وأصبح الهروب نحو المخدرات والشاشة الصغيرة حلاً حتّى لمشاكله البسيطة.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية ـ كما يقول روجي كَارودي ـ ، مات الإله ، وانقطع الإنسان عن كل ما هو مقدس ، وتقلص معنى الحياة الى التوسع الكمي للملكية والأرض وكنوزها ، - شرف الإنسان حسب آرسطو ـ المرأة ، الثور ، البيت -.

لكن الحالة الأمريكية التي نجحت رغم كم الفشل داخلها ، اقتبس الفكر الإسلامي اليوم ، طرح أبو الأمة الأمريكية ـ بنيامين فرانكلن ـ بطريقةٍ أقل وضوحاً ، مباشرةً وجلاء ، حيث كان ـ الرجل الذي أزاح السكان الأصليين ، ليفسح المجال أمام شعبه - ، فسكان أمريكا الأصليين من تعرضوا للأبادة الكبرى بأن تم إبادة ما يقارب 80 % منهم ، كانت ثقافتهم تنظم علاقاتهم الإجتماعية ، فكانت الرابطة التي تربط بين مكونات الأمة الأمريكية الحديثة على اختلاف الأديان والثقافات والأعراق والجنسيات من مستوطنين أوربين ـ أيرلندنيين وأيطاليين بالخصوص - ، من قاموا بإقصاء الآخرين جميعاً ، كان ما يربطهم هو ما حوّل أمريكا الى منظومة ـ إنتاج ـ يقودها المنطق التكنو ـ تجاري ، لكن الفارق الرئيس بين الأمتين الإسلامية والأمريكية ، هي كون الثقافة لا تلعب دور المنظّم في حياة المجتمع الأمريكي ، بينما تلعب الثقافة والأيديولوجيا مجتمعتين دوراً مهماً في أوربا والعالم الإسلامي ، كما كان الحال في العصر الإسلامي الذهبي ، أو عصر التنوير الأوربي ، و قرن القوميات .

فالفرق بين الأمتين الأمريكية والإسلامية كون الثقافة الروحية - الدينية - ، تعتبر مسألةً شخصيةً فرديةً تماماً في الأولى على عكس الأخيرة ، ففي الهيكل الإجتماعي الأمريكي ، الإيمان عديم الأهمية ، يقول توكَفل ـ إنه شعبٌ من شراذم المغامرين والمضاربين -.

في الواقع لا يوجد بين منظري الفكر الحديث ، إلا نفرٌ قليل يجعل الدين مقوماً من مقومات الأمة الرئيسة ، فوحدة الدين أو المذهب يمكن أن تكون مساعداً قوياً لتؤكد وحدة الأمة أو التعبير عن نفسيتها ، لكن التجربة التاريخية تبين أن الإختلاف في الدين أو المذهب ليس مانعاً مطلقاً يحول دون حصول وحدة الأمة ، كما هو حاصل عند الحديث عن الأمة الألمانية ، الأمة الأمريكية ، الأمة الفرنسية ، والتي تعتبر مثالاً واضحاً على وحدة الشعب داخل إطار الأمة ، ومصر سواءً اعتبرناها أمةً مستقلةً قائمةً بنفسها أو جزء من أمة ، مثالٌ آخر بين البلدان المختلفة التي لا يزال الدين عاملاً قوياً فيها ، وكل هذه الأمثلة تتوافق ومبدأ الحرية الدينية داخل إطار الدولة الواحدة ، بما في ذلك التعددية المذهبية أو الطائفية وصولاً الى حرية الاعتقاد ، والتي طرحت داخل القرآن الكريم في الأساس ، يقول المولى عز وجل ـ لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ـ آل عمران 113.

في الحقيقة يختلف تأثير العامل الديني في تكوين الأمم ، وفي حياتها بين منطقةٍ وأخرى ، بل بين أمّةٍ وأخرى ، لكن هذا الإختلاف لا يصل الى حدٍ يجعل وحدة الدين أو وحدة المذهب شرطاً لابد منه لوحدة الأمة.

فالدولة في الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في استيعاب جماعات كثيرة الاختلاف فيما بينها ، وفي ادماجها في انتماءٍ اعلى من انتمائاتها الخاصة ، بينما فشلت دولة الإمبراطورية النمساوية المجرية في تكوين أمةٍ واحدةٍ من مجموع رعاياها .

ولعبت الفكرة العرقية درواً كبيراً في النصف الثاني من القرن الماضي ، وفي النصف الأول من هذا القرن في إطار نظرية الأمة ، وليس النازييون وحدهم من دافع عن وحدة العرق كمفهومٍ أساسيٍ للأمة.

ففي واقع الأمر يسود مسألة العلاقة بين فكرة العرق وفكرة الأمة تشويشٌ وإيهامٌ كثير بسبب غموض فكرة العرق من جهة ، وبسبب المواقف الأييديولوجية منها من جهةٍ أخرى ، بين مؤيد ومستنكر ، فالأبحاث العلمية حول تصنيف البشر الى أعراقٍ مجردةٍ بخصائص بيولوجية ، لا تسمح بالاستنتاج القائل بأن الفوارق العرقيةبين الناس هو أساس الفوارق في المواهب و القدرات النفسية بينهم ، ولا الإستنتاج القائل بأن الأمم القائمة قامت بسبب وحدة الرابط العرقي ، أو وحدة السلالة ، الأصل والجنس.

فالأمم القائمة تبحث عن تمازجٍ تفاوتت معطياته ونسبه بين قبائل وشعوب ، فالقبيلة في الأساس ليست تجمعاً عرقياً ، بل هي إطار إجتماعيٌ وسياسيٌ يحتوي الأفراد على اختلاف اعراقهم داخل مظلةٍ واحدة ، وعليه يمكن البحث عن الأعراق الموجودة في هذه الأمة وتلك في ضوء تعريفٍ علميٍ لمفهوم العرق ، وحتى العلاقات بينها وبين الظواهر المختلفة الملاحظة في تاريخ الأمة ـ حياة الأمة المدروسة - ، فلا يمكن في الوقت الحاضر القول بأن وحدة العرق مقوّم من مقومات الأمة ، يقول المولى عزّ وجلّ - ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ـ الروم 22.

فعلى سبيل المثال ، - كما يورد ـجابرييل كامب ـفي كتابه ـالبربر الذاكرة والهوية ـ ، و الذي طوّع فيه مجالات الأنتروبولوجيا ، الآثار ، النقوش واللغات وغيرها لتحقيق دراسةٍ تاريخية ، رجّح فيها المؤلف الوحدة الثقافية للأمازيغ على الوحدة العرقية ، إذ لا وجود في التاريخ لعرقٍ أمازيغي بملامح عرقيةٍ محددة ـ كما يقول - ، حيث كان أول ظهور للأمازيغ يعود للقرن الثامن ق م.

وبعد العرق تبرز اللغة ومعها الثقافة ، حيث تأسس التصور اللغوي الثقافي للأمة في كتابات المفكرين الألمان في الأساس مثل - توفاليس ، فيخته ، شلايرمآخر - ، والذين عارضوا تعريف الأمة بالدولة والنزعة الكوسموبولونية الشائعين زمن الثورة الفرسية ، وقد اشتهر ساطع الحضري من الكتاب العرب المعاصرين بدفاعه عن اللغة كمفهومٍ أول لكيان الأمة.

إذاً لابد من الإعتراف بالأهمية الحاسمة لعامل اللغة في ربط الناس بعضهم بعض ، في توحيد طرق تفكيرهم وتعبيرهم ، ضمن إطارٍ لغويٍ محددٍ مسبقاً ، لكن يصعب قبول التبريرات الميتافيزيقية التي تصاحب التطور اللغوي للأمة ، والتي تجعل من كل لغة تجلياً لروح الشعوب.

إن وحدة اللغة عاملٌ ضروريٌ لتوحيد أداء الفكرة أو التعبير ، لتحقيق وحدةٍ ثقافية ، لكن اللغة وحدها لا تقرر وجود أمةٍ بعينها ، ولا تميّزها عن باقي الأمم ، فقد تكون اللغة واحدةً وتدخل عوامل أخرى كالجغرفيا والتاريخ وغير ذلك لتقسم الجماعة الى جماعتين منفصلتين أو أكثر ، أو أن تكون اللغة مختلفة وتجمع الجماعة داخل إطار دولة تعددية في تكوينة أمة.

فاللغوييون حالياً يرجحون شمال شرق إفريقيا ـ المنطقة الواقعة بين نهر النيل والبحر الأحمر وشمال السودان ، مكاناً لإنطلاق اللغات الأفرو-أسيوية ، ومنها توزعت اللغات الرئيسة لهذه اللغات في اتجاهاتٍ وأزمنةٍ مختلفة ، وأول اللغات التي انفصلت كانت الأمهرية 13,000 سنة واستقرت في الهضاب الأثيوبية ، وبعدها الكوشية واستقرت في القرن الإفريقي ، وآخرها كان اللغات السامية التي انفصلت عن الأمازيغية والمصرية التي تسبقها وهاجر أصحابها واستقروا في شبه الجزيرة العربية ، يقول الأستاذ فيليب حتى ـ إن الساميين كانوا مرةً في العصور السابقة فرعاً من الجنس الأبيض الحامي ، حيث كان الأخير شعباً واحداً في ناحيةٍ من نواحي إفرقيا الشرقية ، ومن هذا الشعب تفرع ما دعوناه بالساميين وعبروا الى الجزيرة العربية عبر باب المندب ، وهذا يجعل أفريقيا الموطن المرجح للجنس السامي والحامي ، لا الجزيرة العربية ـ.

إن فكرة الأمة تظل موغرة في القدم ، غير ممكنة التحقيق ، وبمعنى آخر ليست فكرة الأمة فكرةً واقعيةً ، إذا ما تحدثنا عن حالنا اليوم حيث لا توجد بوادر تكوين نواة أمة بخلق دول قطرية قوية ومعافاة من كل الآفات الانفصالية ـ إذا صحّ القول ـ ، كرغبات الأقليات في أن ـ تكون ـ بعد أن اكتشفت جلها أنها موجودة لكنها غير معترف بها كالأمازيغ والأكراد والأقباط وسواهم من الأقليات القومية ، الدينية واللغوية التي اكتشفت وجودها وطمسها داخل فكرة ـ الدولة ـ العربية في نهاية القرن المنصرم ، ربما لأننا دون أن ندري ، نعيش عالماً مقلوباً ، لم نخلقه بأنفسنا ، وفي ذات اللحظة لم يخلق لنا ، بني بجل تصورات ومفاهيم مقلوبةٍ للدين الإسلامي ، الذي لا يؤمن ضمن مفهومه بالمواطن وأحقيته في تكوين ـ تجمعٍ ـ له سطوته ، فكانت الأمة مجرد لفظ يطلقه هؤلاء لوصف اولائك ، ولا علاقة حقيقية تربط بين هؤلاء واولائك ، إلا يوم يموتون ، في جنةٍ وعدت بها هذا الجماعة لأنها تكوِّن أمة ، لم تك موجودة لا في الأمس البعيد ولا في الغد القريب أيضاً ، فكانت النتيجة ، مواطن بدون الفحوى ، فارغ المضمون ، لا حقيقة تمثله ، لأنه وببساطة تبنى توجهاً عرف فقط مظهره الخارجي ، وبقي معزولاً لأكثر من أربعة عشر قرناً عن النظر في حقيقة هذا التوجه ، والمهمة الملقاة على عاتق الحركات التي حررت بلادها من الإستعمار في إفريقيا ، وأقامت دولاً محل المستعمرات هي أن تنشئ أمةً ، وتبنيها بواسطة الدولة.

آر توفات
Ar Tufat
ؤسيغ سـ غادس د ؤغيغ يايط
Usigh s ghades d ughigh yaytv

Amarir
________________________

مراجع :
ـ جابرييل كامب ، البربر الذاكرة و الهوية.
ـ روجي كارودي ، أمريكا طليعة الإنحطاط.
ـ الموسوعة الفلسفية العربية.
ـ ليون تروتسكي ، الأممية الثالثة بعد لينين ، والإشتراكية في بلدٍ واحد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home